الكنيسة المصرية تبارك العمليات الاستشهادية

مشاركة شعبية كبيرة بالمؤتمر الذي نظمته الكنيسة المصرية لتأييد الفلسطينيين

القاهرة - اهتمت وسائل الإعلام العربية والعالمية برصد رأي علماء المسلمين وخلافاتهم حول شرعية العمليات الاستشهادية الفلسطينية ضد الإسرائيليين خصوصا المدنيين منهم، ولم يلتفت أحد لرصد رأي رجال الدين الأقباط المصريين، على الرغم من صدور عدة تصريحات عنهم تؤيد العمليات الاستشهادية وتنتقد إسرائيل بعنف.
وقد لفتت أحداث مدينة بيت لحم، وظهور أول تنظيم مسيحي فلسطيني يطلق على نفسه اسم "سرايا الدفاع عن كنيسة المهد"، والذي أوقع ثلاثة جرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي قرب كنيسة المهد في بيت لحم في اول عملية له، الأنظار أكثر إلى أراء رجال الدين المسيحي في مصر.
وقد عقد البابا شنوده رئيس الكنيسة المصرية القبطية لقاء موسع في مقر الكاتدرائية الرئيسية بهدف إبراز موقف أقباط مصر من العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.
وشارك في هذا المؤتمر علماء دين مسلمون وسياسيون من مختلف القوى وأبرزه التلفزيون المصري في تغطيته خصوصا الفقرة التي ألقى فيها الرئيس عرفات كلمة عبر الهاتف النقال إلى المؤتمر، مؤكدا فيها الصمود في وجه العدوان.
وحرص كبار رجال الدين المسيحيين علي تأكيد تأييدهم للعمليات الاستشهادية الفلسطينية ضد الإسرائيليين باعتبارها وسيلة لتحرير وطنهم، ووصل الأمر بالبعض إلى مقارنة شهداء هذه العمليات بالشهداء المسيحيين الأوائل الذين دافعوا عن وطنهم وعقيدتهم بالشهادة.
وعلى عكس الخلاف الفرعي الذي ثار بين شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي وعدد من علماء المسلمين بشأن شرعية قتل المستوطنين اليهود بجانب العسكريين عبر العمليات الاستشهادية، كان رأي العديد من رجال الدين الأقباط مؤيدا للعمليات عموما ضد الإسرائيليين سواء كانوا عسكريين أو مستوطنين لأنهم في النهاية "قتلة ومغتصبون".
وقد توسعت الصحف المصرية خصوصا المستقلة منها، مثل جريدة "صوت الأمة" في نشر أراء متعددة لعدد من رجال الكنيسة المصرية حول هذه العمليات الاستشهادية، مؤكدة أن أقباط مصر يباركون هذه الأعمال الاستشهادية الفلسطينية، فيما نشر موقع "إسلام أون لاين" قبل أسبوع خبرا بعنوان "استشهاد الأب جاك" وهو قسٌ من بيت لحم قتله القصف الإسرائيلي، لتأكيد أن لا فارق بين المسلم والمسيحي فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي الذي يستهدف الطرفين.

بوش لا يقرأ الإنجيل
الأنبا يوحنا قلته معاون بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر وصف الرئيس الأميركي بوش بأنه لا يقرا التاريخ أو الإنجيل، وأنه لو تصفح الإنجيل لأدرك أن العمليات الفدائية الفلسطينية هي التي ستبني فلسطين من جديد. ويضيف أن العمليات الاستشهادية الفلسطينية تشبه ما جاء في كتاب "مدينة الله" للقديس أغطانيوس، والذي اعتبر أي حرب هي جهاد، تستعمل فيه كل الوسائل طالما هو دفاع عن الوطن والعقيدة.
وشكك القمص مرقص عزيز، راعي الكنيسة المعلقة الأرثوذكسية، في أن يكون الرئيس الأميركي بوش مسيحي، أو أن يكون شارون يهوديا، مشددا على أن الأخير "صهيوني والصهيونية ليست دينا"، وانتقد وصفهما للأعمال الاستشهادية الفلسطينية بأنها إرهاب قائلا "هذا كلام مرفوض تماما لأن الفدائيين أبطال".
أما الأنبا بسنتي أسقف مدينتي حلوان والمعصرة جنوب القاهرة، فيقول بوضوح وبدون لبس أن العمليات الفدائية التي يقوم بها الفلسطينيون "محبة في الله"، معتبرا أن تفجير الإنسان نفسه هو أسمي شيء خصوصا أنه يعرف أنه يقتل نفسه من أجل الآخرين وهدفه هو تحرير وطنه، ويضيف أن الاستشهادي يسمو بجسده وهو يعلم أنه سيموت من أجل مبدأ.
ولا يعتبر الأنبا بسنتي العمليات الاستشهادية الفلسطينية ضد مدنيين إسرائيليين إرهابا أو جرما أو انتحارا، لأن الفلسطيني الذي يفجر نفسه في المدنيين الإسرائيليين "لا يستطيع أن يقوم بعملية ضد العسكريين المدججين بالسلاح، بالإضافة إلى أن كل إسرائيلي يعد هدفا حربيا مشروعا طالما أنه يحتل أرض فلسطين".
ويقول القمص صليب متي ساويرس أن ما يقوم به الفلسطينيون من عمليات هو دفاع مشروع عن الأرض والوطن حتى لو طال المدنيين الإسرائيليين لأن الفلسطيني يعاني الإحباط واليأس، ولا يجد وسيلة إلا أن يفجر نفسه وهي "بطولة نادرة"، مشددا على أن الإرهابي الحقيقي هو شارون وليس الاستشهاديين .
ويصف القسّ رأفت زكي راعي الكنيسة الإنجيلية بالهرم غرب القاهرة ما يحدث بأنه دفاع عن أرض مسروقة، ويقول أن العمليات الاستشهادية إذا كانت لصالح قضية عامة ضد المستعمرين الذين يسرقون الأرض فهي واجبة، وكل ما يقوم به الفلسطينيون واجب مقدس من أجل تحرير الوطن ولا يتعارض أبدا مع الدين، فهو سلاح شرعي في الدفاع عن النفس.
يذكر أن المؤتمر الذي عقد في أكبر قاعات الكاتدرائية القبطية المصرية بمنطقة العباسية شرق القاهرة تحت عنوان "المؤتمر الوطني لمساندة الشعب الفلسطيني"، وشاركت فيه كافة الرموز الدينية والسياسية المصرية ورؤساء الأحزاب والدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر والبابا شنودة بطريرك الكرازة المرقسية ووزير التخطيط الفلسطيني نبيل شعث كان أول حدث من هذا النوع لتأييد الجهاد الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وقد وجه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المحاصر في رام الله كلمة مباشرة عبر الهاتف إلى الحضور قال فيها: إن الفلسطينيين الذين يواجهون بأرواحهم وأجسادهم الآلة العسكرية الصهيونية الجبارة لا يدافعون عن أنفسهم فقط، وإنما يدافعون عن الأمة كلها، وعن مقدساتنا الإسلامية والمسيحية، المسجد الأقصى أولى القبلتين، وكنيسة القيامة، وكنيسة المهد مولد المسيح عليه السلام".
ويتوقع مراقبون مصريون أن يكون الموقف الوطني لرجال الدين المسيحي المصريين محركا لرجال الدين المسيحيين في العديد من دول العالم للضغط علي الحكومة الأميركية من أجل وقف مساندتها العمياء لإسرائيل ووصف المسلمين بأنهم إرهابيين إرضاء لإسرائيل، ويقولون أن هذا الموقف، الذي حرصت السفارة الأميركية بالقاهرة علي رصده، ربما يكون مؤشرا للحكومة الأميركية على تكاتف المصريين عموما مع الفلسطينيين وعدائهم المتزايد للدولة العبرية. (ق.ب)