مصر: هتافات المظاهرات معبرة، وجذابة، ولاذعة

القاهرة - محمد جمال عرفه
البعض فضل ارتداء الكوفية الفلسطينية

تشتهر المظاهرات التي تجوب مصر منذ عهد الاحتلال الإنكليزي وحتى الآن بتميزها برفع شعارات جذابة ومعبرة وغريبة في آن واحد، وإن كانت كلها تكشف عمق فهم المصريين لما يدور حولهم ووعيهم بالقضية التي يتظاهرون من أجلها.
وتختلف هذه المظاهرات التي تقودها المعارضة كثيرا عن الأخرى التي تكون في صورة مسيرات حكومية تهتف بحياة الحكام من حيث الشعارات المرفوعة، حيث تكون الأولى انتقادية للحكام أو أعداء مصر، في حين تقتصر الثانية غالبا علي عبارة "بالروح بالدم .. نفديك يا ..".
وتميز هذه المظاهرات بالشعارات الرنانة يرجع في المقام الأول لوجود نخبة من المثقفين أو الشباب المصريين الذين يتميزون بسرعة تأليف الشعارات ووزنها علي نمط الشعر أو السجع بحيث يسهل على آلاف المتظاهرين ترديدها، وفي هذا المجال يبرع الناصريون والإسلاميون، وإن كانت شعارات الناصريين تكون أكثر حدة في النقد مثل "يا شارون يا ابن الـعـ ..القدس زي القاهرة ‍‍!"، في حين أن شعارات الإسلاميين يغلب عليها الالتزام والحماسة والارتباط برموز أو معاني دينية، من قبيل: "خيبر خيبر يا يهود ..جيش محمد سوف يعود".
وربما لم يشهد سوق الهتافات مثل هذا الرواج، كما يشهده الآن في مصر بسبب تغاضي الحكومة نسبيا عن السماح ببعض المظاهرات لتنفيس المصريين عن مشاعرهم الغاضبة، وهي فترة تشبه إلى حد ما فترة ما قبل الرئيس الراحل السادات التي شهدت مظاهرات ضد كامب ديفيد أو ارتفاع الأسعار.
وقد تميزت الهتافات الحالية ضد العدوان الإسرائيلي علي الفلسطينيين بالحماسة والغضب الشديد، والسخرية من الحكام العرب وسبّ إسرائيل وأمريكا وقادتها، ولم تخل من طرافة مثل الهتاف لبلجيكا والدول الأوروبية الأخرى التي اتخذت مواقف ضد إسرائيل بعكس الدول العربية حتى أن كمال أبو عيطة الذي يعتبر أشهر "الهتيفة" في مصر من التيار الناصري لحن هتافاً لتحية قرارات بلجيكا المهددة بقطع علاقاتها مع إسرائيل، يقول فيه: "عاشت بلجيكا حرة عربية .. وأنتم جتكم خيبة قوية"!؟ ويقصد بالمقطع الثاني بالطبع الدول العربية.
وقد تراوحت الهتافات بين الدعوة للجهاد وفتح الحدود وبين الهتاف ضد تخاذل الحكام، وصمت الجيوش العربية.
ففيما يتعلق بطلب طرد السفير الإسرائيلي هتف المتظاهرون: "أول مطلب للجماهير .. قفل سفارة وطرد سفير"، وفيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي هتفوا يقولون: "يا شارون يا خسيس .. دم العربي مش رخيص"، و"يا فلسطيني يا فلسطيني .. دمي دمك وديني دينك".
وعندما صد البوليس المصري مظاهرات الطلبة واعتقل البعض في القاهرة والإسكندرية، هتف المتظاهرون: "يا للعار يا للعار .. مصري بيضرب مصري بالنار"، و"ليه الطلبة معتقلين؟ ..علشان قالوا فلسطين !"
كما هتفوا ضد الحكومة: "عوزين حكومة جديدة ..الناس بقت على الحديدة". وعندما حضر ديك تشيني وأنطوني زيني وكولن باول لمنطقة الشرق الأوسط، هتف المتظاهرون: "لا ترشيني لا ترشيني .. ملعون باول على تشيني"!.
وقد لفتت هتافات أشهر هتيف مصري، وهو كمال أبو عيطة، نظر صحيفة "العربي" الناصرية المعارضة، فجمعت في عدد خاص عن المظاهرات عددا من هتافاته، منذ عهد الرئيس أنور السادات وحتى الآن حسب المواقف المختلفة، وأطلقت عليه لقب "مؤذن الثورة" و"مسحراتي العرب"!.
ففي مظاهرات رفض التطبيع بعد كامب ديفيد كان يهتف: "أنور لما كان بيبيع .. جت نهايته في التطبيع" و"أكتب على حيط الزنزانة .. التطبيع عار وخيانة".
وعندما وصل أول سفير إسرائيلي لحن عيطة هتاف شهير استمر يقال حتى مظاهرات اليوم التي تطالب بطرد سفير إسرائيل، وهو: "يا سفيرهم اطلع بره .. مصر الثورة هاتفضل حرة .. اطلع بره يا ابن الكلب .. مصر بلدنا هاتفضل حرة"!.
وعندما بدأت العمليات الاستشهادية التي تنفذها فتيات فلسطينيات، هتف يقول: "يا حكامنا يا جبناء .. خدوا الدرس من وفاء" (إدريس)، إشارة إلى فتاة فلسطينية نفذت عملية فدائية.
وعقب مظاهرات البحرين الأخيرة ضد الولايات المتحدة، هتف: "لا ملامة لا ملامة .. حيوا إخوانكم في المنامة"، أما عندما وصل ديك تشيني وأنطوني زيني فقال: "لا تلاقيني ولا تغديني .. مش عايزين زيني وتشيني".
ولا تزال المظاهرات مستمرة والهتافات جاهزة ومتجددة لتلهب حماسة المتظاهرين، مما يدفعهم للخروج إلى الشوارع، ويزيدها أحيانا سخونة رفع أكفان أو نعوش سواء للشهداء أو للحكومات العربية أو لشهداء المظاهرات، مثل الطالب المصري محمد السقا، الذي استشهد برصاص مطاطي ودفن وسط حراسة مشددة ليلا، فحمل زملاؤه في جامعة الإسكندرية نعشاً رمزيا يحمل اسمه.
كما بدأ العديد من شباب المظاهرات يقلد أعضاء الأجنحة العسكرية الفلسطينية ويلبسون زي الاستشهاديين ويعصبون رؤوسهم بشريط عليه عبارة "الشهادة"، كنوع من المحاكاة لما يحدث في فلسطين.(ق.ب.)