محمد صبحي يتمنى لو كان في فلسطين

القاهرة
الفنان موقف

في كل حوارات الفنان محمد صبحي لابد أن تكون السياسة حاضرة دائما علي لسانه.. ومن خلال أفكاره التي تعكس ثقافته الواسعة ورؤيته الشاملة لقضايا وهموم وطنه.. فالفنان الصادق ­ في رأيه ­ يغمض عينيه أحيانا ليرى المستقبل أكثر وضوحا.
وقبل أن ترتفع موجة الثورة على الأراضي الفلسطينية .. وقبل أن يركب شارون وحكومته سفن قراصنة الشر ويعلنون الحرب على كل مبادئ السلام ورموزه.. غاص محمد صبحي بإحساس الفنان الواعي في بحور التاريخ، ليبحث عن جذور القضية الفلسطينية وليؤكد في أحدث أعماله مسلسل 'فارس بلا جواد' الذي انتهي من تصويره مؤخرا.. أن ما يحدث اليوم على أرض فلسطين هو ثمرة لبذور الشر التي غرستها المؤامرات الصهيونية في هذه الأرض الطيبة منذ عشرات السنين ولهذا لم يكن غريبا أن تسارع الصحف الاسرائيلية بالهجوم عليه، واتهامه بالعداء للسامية، وتهدده بشكل مباشر في حالة عرض هذا المسلسل.
ما هي حكاية مسلسل 'فارس بلا جواد' ولماذا أثار كل هذه الضجة قبل أن يصبح جاهزا للعرض، وهل حقيقة أن رئيس اتحاد الاذاعة والتليفزيون اتخذ قرارا بعدم عرض المسلسل علي شاشات التليفزيون المصري؟
حاورنا الفنان محمد صبحي للبحث عن اجابات لهذه التساؤلات.
عندما اتصلنا به لتحديد موعد ومكان اجراء الحوار.. كانت الاحداث الساخنة في رام الله، وفي باقي المدن الفلسطينية قد وصلت الى ذروتها.. وهو ما عكسته نبرات صوته.. وعباراته التي جاءت محملة بالغضب والثورة.. حتى أنه قال لنا بالحرف الواحد "انني اتمنى لو كنت في هذه الايام في فلسطين، ربما كنت ارتديت حزاما ناسفا فأنا لست أقل من هؤلاء الذين يكتبون التاريخ بدمائهم".
سألناه : ما هي حكاية مسلسل 'فارس بلا جواد' ولماذا أثار غضب الاسرائيليين قبل بداية عرضه؟ فقال:
­ المسلسل يدور في الفترة من سنة معاهدة لندرة 1840 وحتى وعد بلفور المشئوم عام 1917 ويعتمد على مصادر تاريخية مثل كتابات المؤرخ عبدالرحمن الرافعي وغيره من المؤرخين، وأناقش في المسلسل فكرة هل الذي يدافع عن أرضه ووطنه مجرم وارهابي أم وطني قومي؟ وهي قضية نجمع عليها جميعا حكومة وشعبا، وهو مسلسل كوميدي اجتماعي تاريخي يتناول المخطط الصهيوني للاستيلاء على فلسطين ويطرح سؤال: من الذي فرط في فلسطين؟ أو من الذي اهمل في الحفاظ عليها ولم ينتبه للمؤامرة الصهيونية التي بدأت منذ مؤتمر بازل عام 1897 الذي دعا له تيودورهيرتزل وحتي وعد بلفور عام 1917 وماذا سنفعل نحن لحماية أنفسنا قبل أن نحمي فلسطين لأن اطماع هؤلاء تمتد للمنطقة كلها.
وقد كان المفروض أن يتم انتاج هذا المسلسل بواسطة اتحاد الإذاعة والتليفزيون أثناء فترة رئاسة المهندس عبدالرحمن حافظ
وتمت اجازته وللأسف عجزت ميزانية الاتحاد عن تنفيذه.. فاتفقت مع قناة فضائية خاصة على تنفيذه.. فطلب التليفزيون المصري أن يشارك في انتاج هذا العمل العظيم من وجهة نظره.. ولكن بعد أن نشرت الصحف الصهيونية تهديدات لمحمد صبحي واتهمته بمعاداة السامية وجدت من يرفض اذاعة المسلسل في تليفزيون مصر. ووجدت صوتا عربيا مصريا يستنكر تقديمي للحظات من تاريخ الصهيونية الذي يعرفه الجميع.. والغريب أن التليفزيون المصري اذاع مسلسلات مثل 'الهجان' وأفلاما مثل 'الطريق الى ايلات' حتى قبل أن تتوحش اسرائيل في عدوانها الاخير فما هذا الخوف؟ ولماذا اعطي عدوي الحق في أن يمارس عليٌ سلطته رغم أننا لدينا سلطة مصرية وطنية تحكمنا؟ وسام على صدري وعن بداية الاعتراض على المسلسل يقول صبحي:
­ نشرت أربع صحف اسرائيلية تهديدا وطالبت بعدم اذاعة المسلسل في التليفزيون المصري.. ولكني لم اهتم لانني متأكد أنني كفنان ومواطن عندي حكومة واحدة هي حكومة مصر، وهي التي اعتز بها ومستعد لتنفيذ أي توجيه لها طالما أنه في صالح بلدي.. ولكن أن يكون هناك في تليفزيون بلدي أصوات تحمي الصهيونية أكثر من الصهاينة وترفض اذاعة المسلسل حفاظا على مشاعر هؤلاء فهذه هي الكارثة.
ويتساءل محمد صبحي: هل المطلوب مني كفنان أن أقول اسرائيلي بدلا من 'صهيوني' وألا اطلق كلمة 'العدو' على اسرائيل وألا اتحدث عن الصهيونية.. وألا يأتي ذكر أي مقاومة.. وألا استطيع أن أقول عمليات 'استشهادية' لأن ذلك يحمل تعاطفا معها لأقول بدلا منها عمليات 'انتحارية'.. هذه هي املاءات اسرائيل على وطننا.. وهي تشبه مسألة حذف آيات الجهاد من مناهج التعليم.. فهل معنى السلام ألا أقول رأيي! أنا أقول 'عيب' والمفروض أن يفتخر التليفزيون المصري بهذا العمل.
وأقول وبلا مبالغة أن 'فارس بلا جواد' يدعو الى السلام ويرفض الارهاب ولكنه يحترم المقاومة، فهو مكتوب قبل احداث 11 سبتمبر بعامين ونصف.
ونسأله ان كان ابلغ رسميا.. أو بشكل مباشر أن هذه التخوفات أو التهديدات الاسرائيلية سوف تؤثر علي امكانية عرض المسلسل علي شاشات التليفزيون المصري فيجيب:
­ بداية أود أن أؤكد انني اعتبر اتهامات الاسرائيليين وصحفهم لي بأنني عدو للسامية، أو بأي شيء آخر هي وسام على صدري اعتز به ويعتز به من بعدي أولادي. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فأنا لم اتخيل أن تخاف بلدي من نشر عمل يحمل فكرا أو رأيا.. ولكني للأسف عرفت ان حسن حامد رئيس اتحاد الاذاعة والتليفزيون يسأل مسئولي القناة التي انتجت 'فارس بلا جواد' كيف انتجوا هذا العمل ويخبرهم بانه لن يذاع!.. وأنا اقول له من خلالكم.. سوف تشاهد هذا المسلسل معروضا على قنوات عربية كثيرة في الشهر القادم.
واسأل حسن حامد: هل هذه هي مشاعره تجاه ما يحدث في الارض المحتلة الآن؟ وهل هذه هي الطريقة التي يعبر بها عن تعاطفه مع اخواننا في فلسطين ضد ما يحدث لهم من شراسة ونازية.
والغريب أنه اخبرني برأيه هذا شخصيا وكذلك قاله لمسئولي القناة الخاصة، كما اطالبكم بمواجهته بموقفه هذا لتعرفوا منه الاسباب التي يستند لها. رسالة الفنان ونسأله عن الدور الذي يجب أن يلعبه الفنان في ظروف كالتي نعيشها حاليا من وجهة نظره فيقول بلا تردد:
- أن يقول رأيه في عمل فني مثل فارس بلا جواد على الاقل.. حتى لو واجه التهديدات فأنا لم تخيفني هذه التهديدات.. ولكن للأسف هناك من يجبن.
وعن موعد رفع الستار عن المهرجان الثاني للمسرح للجميع، يقول محمد صبحي:
- أنا لست نمطيا ولست موسميا.. فأنا أتعجب من البعض الذي يقول نريد ان نلحق العيد أو اجازة نصف العام أو رمضان بالنسبة للمسلسلات.. وأنا أتصور هذه الطريقة سبب تأخرنا فرغم ان الجميع يرى شهور الصيف التوقيت المثالي لأي عرض مسرحي إلا أنني في معظم عروضي كنت أفتتحها شتاء في الموسم الميت كما يراه كثيرون فأنا لا ألعب على السياحة الصيفية وكذلك مسلسلاتي معظمها عرضت في أوقات امتحانات الثانوية العامة حتى لا يراها احد وكان هذا متعمدا من التليفزيون ومع ذلك كانت تحقق جماهيرية وهذا موضوع آخر فأنا دائما في المسرح أفكر في الشكل الذي يظهر عليه العرض من أول يوم وليس عندي مسرحية يتم 'نضجها' مع الجمهور بعد بدء العرض وأول يوم عرض بالنسبة لي مثل أخر يوم عرض وهناك موقف معروف لي عندما رفضت افتتاح مسرحية 'انت حر' أوائل الثمانينات وكنا في رأس السنة وكانت محجوزة لمدة أسبوع مسبقا.. فقررت التأجيل عندما لاحظت ان الممثلين لا يلتزمون بما اتفقنا عليه في التحية الختامية! وعدت لاستئناف العرض بعد اسبوع.
ونسأله"ألا ترى أن ذلك مبالغة في الدقة؟" فيجيب:
­ اطلاقا هذا ليس تميزا أو تفردا.. فهل اصبح من يمشي علي قدميه هو الغريب بينما أصبح المعتاد هو الذي يمشي علي يديه؟.. إتهامي بالدقة الزائدة بسبب حرصي على شكل العرض يشبه مدحي بأنني حريص على النظافة باعتبارها ميزة وهي مسألة طبيعية ان تكون عند كل شخص.. وليس عندي احساس بأنني أفعل شيئا خارقا لمجرد حرصي على انضباط المسرحية ورغم انني أتصور ان نجاحي سوف يزيد إذا ما تنازلت عما يراه الناس دقة زائدة إلا أنني لا أستطيع ان أفعل ذلك.. وأنا مؤمن بأن فاقد الشيء لا يعطيه فالمسف لا يمكن ان يقدم للناس إلا الاسفاف ومن يحترم عقولهم لا يقدر على تقديم الاسفاف.. أما بالنسبة لي فللاسف عندي قدرة على تقديم النوعية فأنا أجيد الاسفاف ولكني أرفضه من داخلي واقتناعي عنه ليس بعجزي عن عمله ولكن لأنني ارفض ولا ارغب في تقديمه للناس.