مصر: قبور المشاهير تحولت لمشروعات استثمارية

القاهرة - من اشرف نهاد
استغلال المشاهير، احياء وامواتا، لتحقيق الربح

مازال الكثير من الناس يحرصون على زيارة مقابر نجومهم المفضلين وقراءة الفاتحة على روحهم مما جعل مقابر هؤلاء المشاهير تتحول الى مزارات سياحية، وهو ما دفع القائمين على حراسة، هذه المقابر الى محاولة استثمار ذلك بتقديم بعض الخدمات للزوار مقابل بعض النقود. وأصبح الآن في مقدور أي شخص أن يقوم بزيارة مقبرة العندليب الأسمر أو أم كلثوم أو الموسيقار فريد الأطرش في مقابل خمسة جنيهات رسم دخول تشمل توفير مقعد بلاستيكي للراحة. ويمكن للزائر أن يحمل معه كاميرا لالتقاط الصور التذكارية لكن عليه أن يدفع خمسة جنيهات أخرى رسما لدخول الكاميرا.هذا بجانب خدمات أخرى لكل منها سعر خاص من أكواب الشاي الى الآلات الموسيقية.
في مقابر البساتين على اطراف القاهرة يرقد عدد كبير من الفنانين أشهرهم العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ وأم كلثوم والموسيقار فريد الأطرش وشقيقته أسمهان. وتبدأ تسعيرة الدخول من عشرة جنيهات لفتح الحوش (مدخل المقبرة) المدفون به الفنان، إذا كان الزائر شخصاً واحداً، وذلك في الأيام العادية أي التي لا توافق ذكرى ميلاد أو وفاة صاحب المقبرة. واذا كان الزائرون مجموعة فإنه يمكن دفع 20 جنيها مقابل الدخول وتوفير المقاعد البلاستيكية ومنضدة صغيرة. أما في الأيام التي توافق ذكرى ميلاد أو وفاة الفنان، والتي تسمى الموسم، فإن رسم الدخول ثابت وهو خمسة جنيهات للفرد ويفتح الحوش منذ الصباح الباكر استعدادا لاستقبال الزائرين.
وتبلغ مدة الزيارة نصف ساعة فقط في أي حالة من الأحوال السابقة ومن يريد أن يبقى أكثر من ذلك عليه أن يدفع الثمن عن كل نصف ساعة أخرى. ويقدم القائمون على المقابر خدمات اضافية مثل تقديم الورود والأطعمة والمشروبات فيقدمون ساندويتش الفول أو الطعمية أو البطاطس بجنيه واحد وساندويتش الجبن أو البيض بجنيهين. أما كوب الشاي فسعره جنيهان وزجاجة المياه الغازية متوسطة الحجم بجنيهين ونصف والمشروب المثلج بثلاثة جنيهات.
وكان معظم الزوار يحبون التقاط الصور التذكارية بجوار مقبرة الفنان الذي يزورونه لذا تم تحديد رسم دخول للكاميرا بمبلغ خمسة جنيهات. وأيضا لأن الشباب يجلبون معهم آلات موسيقية وخاصة العود ليغنوا بعض أغاني الفنان الذي يزورونه لذلك تم تحديد رسم لدخول أي آلة موسيقية وهو خمسة جنيهات.
ويقول المعلم محمد عبدالرحمن 51 سنة، وهو التربي المسئول عن المنطقة الثانية بمقابر البساتين، لا نفتح "الأحواش" الخاصة إلا لأهل الميت أو أقاربه أما أحواش الفنانين مثل عبدالحليم وأم كلثوم وفريد الأطرش فإننا نفتحها لكل الناس بشرط أن نضمن حمايتها والحفاظ عليها لأن هؤلاء المشاهير لهم محبون كثيرون يجيئون لزيارتهم وقراءة الفاتحة لهم. لذلك نقوم بتسهيل الزيارة بتقديم بعض الخدمات للزوار من طعام ومشروبات ومقاعد بلاستيكية للجلوس عليها. ومعظم المترددين على هذه المقابر من الشباب الأعضاء في جمعيات أصدقاء الفنانين مثل جمعية أصدقاء عبدالحليم حافظ وجمعية أصدقاء فريد الأطرش ويكون معهم عود حيث يقومون بغناء بعض أغاني الفنان ويقرأون الفاتحة ثم يذهبون.
أما في ذكرى ميلاد أو وفاة الفنان والتي نسميها «الموسم» فيأتي عدد أكبر بكثير من الزوار. وأنشط أيام هذا «الموسم» هي شهر ديسمبر ويناير وفبراير ومارس لأن ذكرى عدد كبير من الفنانين تكون في هذه الشهور مثل عبدالحليم وفريد وأم كلثوم.
وداخل الحوش الذي يضم جثمان العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ يجلس بعض الشباب على المقاعد البلاستيكية تتوسطهم منضدة عليها أكواب الشاي. وعلى نغمات العود يغنون جميعا «خسارة.. خسارة.. فراقك ياجارة»، وهي احد الاغنيات الخفيفة التي اشتهر بها عبد الحليم.
ويقول علي سليمان، 31 سنة وموظف بإحدى شركات البترول وهو الشاب الذي كان يعزف على العود، نحضر لزيارة العندليب الأسمر كنوع من الوفاء والاعتراف بفضله في تطوير الأغنية العربية وأصدق دليل على ذلك أن أغانيه ما زالت الأكثر مبيعا بين الشباب حتى الآن رغم كل التغيرات التي طرأت على الغناء. ونقوم بغناء بعض أغانيه هنا ثم نقرأ الفاتحة وننصرف.
ويختلف الأمر في مقابر زينهم بمنطقة زين العابدين حيث لا يوجد سوى عدد قليل من مقابر الشخصيات المعروفة أشهرها «الحوش» المدفون فيه المناضل محمود نور الدين قائد تنظيم «ثورة مصر» الذي مات في سجنه عام 1998.
ويشتد الزحام على قبر «نورالدين» في 15 سبتمبر من كل عام وهو يوم وفاته. ويدفع الزائر خمسة جنيهات مقابل الدخول أما في الأيام العادية فيمكن للتربي، وهو اللقب الذي يطلقه المصريون على حارس المقبرة، أن يفتح الحوش للزائرين في مقابل عشرة أو عشرين جنيها حسب عدد الأشخاص..فإذا كان الزائر وحده يدفع عشرة جنيهات.
ويقول عبدالمنعم عبدالله، 48 سنة وهو التربي المسئول عن المنطقة، عملي يحتم علي الحفاظ على المقابر وحراستها بالاضافة الى القيام بالنظافة وبعض الأعمال الأخرى وسواء كان صاحب المقبرة مشهوراً أو لا فإنني لا أستطيع أن أمنع أي شخص من زيارة ميت وقراءة الفاتحة على روحه إلا في حالة واحدة وهي أن يكون عندي تعليمات من أصحاب الحوش بعدم السماح بالزيارة لأي شخص غريب.
ويضيف ان كثيرا من الناس يتركون بعد موتهم من يحبونهم ويحرصون على زيارتهم مثل المرحوم محمود نور الدين، فيوم 15 سبتمبر يتحول الى مظاهرة حب حيث يأتي عدد كبير جدا من الشباب يجلسون على قبره باكين وأي شخص غيري يمكن أن يستغرب حالة الشباب الذين يبكون على شخص ليس من أقاربهم لكن لأنني كنت اعرف المناضل محمود نور الدين وأعرف أيضا أخاه أحمد عصام لذلك فأنا لا أستغرب بكاء هؤلاء الشباب عليه الذين يحرصون على الحضور في ذكراه ربما أكثر من حرص أسرته نفسها.
وقد أوحت الى حالة هؤلاء الشباب بفكرة أعتقد أنها جيدة ففي البلاد الأجنبية تتحول مقابر الشخصيات المعروفة الى مزارات سياحية فلماذا لا نفعل ذلك ونحول مقابر الشخصيات المعروفة مثل محمود نور الدين وأيضا أم كلثوم وعبدالحليم وفريد الأطرش الى مزارات سياحية؟ أولها سيكون في ذلك تكريم لهذه الشخصيات وثانيا نعطي الفرصة لعدد أكبر من الزائرين ونقدم لهم خدمات أخرى ليستمتعوا بالزيارة، وثالثا سيحقق هذا المشروع دخلا من السياحة لأن الكثيرين في الدول الأخرى سوف يقدمون على زيارة هذه المقابر بمجرد الاعلان عن ذلك.
وسواء لقي اقتراح «التربي» المسئول عن المقبرة آذان صاغية من المسئولين ام لا، فمن المؤكد انه، وغيره من القائمين عل مقابر المشاهير، نفذوا فكرتهم عمليا، وحولوها الى مشروعات سياحية استثمارية، الا ان عائدها يذهب لهم، لا لاسر الموتى.