ايران: انخفاض اسعار النفط يلقي بظلاله على النمو الاقتصادي

لندن - من عبد الكريم حمودي

تشير التقارير والبيانات الرسمية إلى أن الاقتصاد الإيراني لم يستطع خلال العام الماضي تجاوز حالة الركود التي يعاني منها بسبب الخسائر الجسيمة الناتجة عن تداعيات الأحداث الدولية التي شهدها العالم ومنها ركود الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط التي تشكل 80 في المائة من موارد البلاد من العملات الصعبة، وهو ما أدى إلى تراجع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي، كما تراجعت قيمة عائدات النفط بأكثر من خمسة مليارات دولار، الأمر الذي فاقم من المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة التي يعاني منها الاقتصاد.

تراجع الناتج الإجمالي
وكان في مقدمة التأثيرات تراجع النمو الاقتصادي حيث تقول المصادر الرسمية إن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي المسجل في السنة المالية التي انتهت في 21 آذار/مارس الماضي (2001-2002) بلغ 4.8 في المائة متراجعاً من نحو 5.9 في المائة المسجل في نهاية السنة السابقة (2000 - 2001)، فيما تشير التوقعات بأن نسبة النمو سترتفع خلال السنة المالية الجديدة (2002 - 2003) إلى ما بين 5.6 و6 في المائة، أي أن التراجع في معدل نمو الناتج الإجمالي زاد عن 1.1 في المائة، لكن مصادر مستقلة تؤكد أن مقدار التراجع كان أكبر من ذلك بكثير.

تراجع عائدات النفط
من المعروف أن إيران تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المصدرة للنفط في منظمة أوبك حيث تنتج نحو 3.5 ملايين برميل يومياً تصدر منها إلى الأسواق الدولية نحو 2.1 مليون برميل يومياً، وقد أدى هبوط أسعار النفط خلال الأشهر الستة الماضي إلى تكبيد الخزينة الإيرانية خسائر جسيمة تقدرها بعض المصادر المطلعة بنحو 5.5 مليارات دولار خلال السنة المالية الماضية، وتقول هذه المصادر إن العائدات النفطية في السنة المالية (2000 - 2001) بلغت حوالي 24 مليار دولار مقابل 18.5 مليار دولار في السنة المالية الماضية، أي أن قيمة الخسائر جراء تراجع أسعار النفط تزيد عن 5.5 مليارات دولار خلال السنة المالية الماضية.
وجاءت هذه الخسائر بسبب تراجع الأسعار من جهة، وتخفيض الإنتاج لتقليل الفائض في الأسواق العالمية من جهة أخرى، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إيران تملك نحو 9 في المائة من الاحتياطات النفطية العالمية، وتقدر الاحتياطات الإجمالية من النفط بنحو 520 مليار برميل فيما تقدر الكميات القابلة للاستخراج بنحو 25 في المائة من الإجمالي، كما تمتلك إيران كميات كبيرة من الغاز حيث تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا على الصعيد العالمي، فيما تقدر الاحتياطات الكامنة بنحو 26 تريليون متر مكعب تشكل نحو 15 في المائة من الاحتياطات العالمية، ويمكن أن تستمر لـ 400 عام بمعدلات الإنتاج الحالية.

توحيد سعر الصرف وتراجع التضخم
في خطوة للحد من التأثيرات السلبية على الاقتصاد والمواطنين بسبب وجود عدة أسعار لصرف الريال ألغت الحكومة الإيرانية نظام الصرف المتعدد الذي اعتمدته منذ عام 1979، حيث كان يوجد عدة أسعار للصرف منها سعران "رسميان" مخصصان أساساً لتعاملات شركات الدولة ومشترياتها من المواد الأولية أو المعدات وهما تباعاً 1750 ريالاً و3000 ريال، في حين يتم تبادل الدولار في السوق الحرة والبنوك بسعر 8000 ريال، وتماشياً مع هذا القرار اعتمدت الميزانية الجديدة للسنة المالية الجارية سعراً جديداً للصرف بقيمة 7900 ريال للدولار، وهو سعر قريب من السعر في السوق الحرة.
وتعول الحكومة على هذه الخطوة في جلب الاستثمارات الأجنبية والحد من التضخم الذي نجحت الحكومة في احتواءه في السنة المالية الماضية ( 2001 - 2002). ليسجل أدنى مستوى له منذ عشر سنوات وهو 11.2 في المائة. وكان معدل التضخم قد بلغ 50 في المائة في عام 1995 وتأمل الحكومة في الإبقاء عليه ما بين 12 في المائة و14 في المائة خلال العام الجاري.
لكن بعض الخبراء يرون أن الإبقاء على معدل منخفض للتضخم خلال العام الجاري سيكون صعباً للغاية بسبب زيادة نسبة السيولة النقدية خلال السنة المالية الجارية بنحو 15.7 في المائة، كما المستورد في السلع بسعر 1750 ريالاً طبقاً لميزانية العام الماضي، سيكون في العام الجاري بسعر 7700 ريال.
يضاف إلى ذلك زيادة ميزانية الدولة، مما يعني أن التضخم سيفوق المتوقع، وهو ما أكده بعض الخبراء بقولهم إنه رغم أن توحيد سعر الصرف عند 7900 ريالاً للدولار، أي قريباً من سعر السوق الحر البالغ 8000 ريالاً للدولار وإلغاء السعر التفضيلي البالغ 1750 ريالاً للدولار الذي كانت تستخدمه الهيئات الحكومية في استيراد المواد الغذائية والسلع قد يحقق الشفافية في مالية الحكومة ويحد من الفساد إلا أنه سيقفز بمعدلات التضخم إلى أكثر من المستهدف في الميزانية.

زيادة الإنفاق في الميزانية
قامت الحكومة الإيرانية بزيادة حجم الإنفاق في الميزانية الجديدة للسنة المالية الحالية (2002-2003) التي بدأت في 22 آذار/مارس الماضي حيث بلغت (86.6 مليار دولار) (مقابل 57 مليار دولار) لميزانية العام الماضي، أي أن معدل الزيادة في الميزانية الجديدة وصل إلى 45.6 في المائة. واعتمدت الحكومة في توفير الموارد المالية لهذه الزيادة من خلال رفع قيمة سعر البرميل المعتمد في الميزانية إلى 19 دولاراً للبرميل وذلك من 16 دولاراً في الميزانية السابقة.
وقال بعض المحللين إن سعر 19 دولاراً للبرميل يمثل تفاؤلاً من الحكومة خاصة أن التوقعات تشير إلى أن أسعار النفط العالمية ستتراجع نحو خمسة دولارات عن مستويات العام الماضي. وقال أحدهم "قد يكون الهدف من تحديد السعر الرسمي عند 19 دولاراً هو تبرير إنفاق الميزانية وربما يتم تعديله في نهاية الأمر".
كما أن الحكومة يمكن أن تلجأ إلى السحب من صندوق استقرار النفط الذي أقامته في عام 2000 لحماية الاقتصاد من الانخفاضات غير المتوقعة في أسعار النفط وهو المصدر الرئيس لعائدات البلاد بالعملة الصعبة، حيث يعتبر هذا المبلغ دعماً قوياً لتثبيت الأسعار العامة. ويعتقد المحللون أن الصندوق به أكثر من عشرة مليارات دولار، ولكن لا يمكن للحكومة أن تسحب منه إلا إذا انخفضت عائدات النفط عن 11 مليار دولار.

البطالة وهجرة العقول
يتميز المجتمع الإيراني بارتفاع نسبة الشباب بين سكانه، إذ أن أكثر من 40 في المائة من مجموع السكان البالغ 66 مليوناً هم دون سن الثلاثين سنة، وفي نفس الوقت يعاني هذا المجتمع من أزمة بطالة حادة تزيد نسبتها عن 16 في المائة من مجموع القوة العاملة التي تبلغ 17.3 مليون شخص حسب المصادر الرسمية، في حين تقول المصادر المستقلة بأنها أعلى من ذلك بكثير.
وتشكل نسبة البطالة المرتفعة هاجساً مقلقاً للحكومة الإيرانية نظراً لتفاقمها وزيادة نسبة الداخلين إلى سوق العمل سنوياً لأن الهدف ليس حل مشكلة البطالة الموجود حالياً فقط بل توفير أكثر من 700 ألف فرصة عمل جديدة للداخلين إلى سوق العمل.
وهناك وجه آخر لمشكلة البطالة ربما هو الأخطر، ويمثل في هجرة العلماء وخريجي الجامعات إلى الخارج، حيث تشير الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن ظاهرة هجرة العقول والأدمغة والأكاديميين من إيران هي الأكبر بين 61 دولة، إذ بلغ عدد الذين طلبوا اللجوء إلى ألمانيا فقط عام 1999 نحو 3407، أما في العام 2000 فوصل العدد إلى 4878 أي بزيادة تبلغ 43 في المائة.
وتقول مصادر إيرانية مطلعة إن أربعة ملايين إيراني من أصحاب التخصصات المختلفة يعيشون خارج البلاد. وإنه حسب إحصاءات إدارة الجوازات والسفر، هناك آلاف الأشخاص من أصحاب الشهادات العالية غادروا البلاد، واجتُذبوا لجامعات ومؤسسات عالمية في أوروبا والولايات المتحدة. وبهذه الصورة تخسر إيران قرابة ملياري دولار سنوياً. وحسب إحصائية أخرى تواجه الجامعات الإيرانية نقصاً حاداً في الخبراء والمختصين؛ إذ يوجد إزاء كل مليون شخص 350 خبيراً ومختصاً فقط.
وبالموازاة مع مشكلة البطالة هناك مشكلة الفقر، حيث تعترف المصادر الرسمية بوجود فوارق ظالمة بين الطبقة الغنية والطبقات الفقرة، لذلك فقد تم تخصيص مبلغ 4.8 مليار دولار في الميزانية الجديدة لدعم وتوفير السلع الأساسية للفقراء، حيث من المتوقع أن ترتفع أسعار العديد من السلع بعد توحيد سعر صرف الريال، وتقول مصادر إيرانية إن حوالي 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، لذلك لم تستطع الحكومة في موازنة العام الجاري المساس بالدعم الذي تحظى به السلع الأساسية من غذاء ودواء وطاقة بهدف حماية الفقراء ومساعدتهم على توفير الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية بل اضطرت إلى زيادته.

الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية
تحتل إيران المرتبة الأخيرة في قائمة الدول الجاذبة للاستثمارات الأجنبية، وفيما تؤكد مصادر اقتصادية إيرانية مطلعة أن إيران لم تجتذب سوى 2.6 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات الست الماضية فإن إيران تحتاج لحوالي 15 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في السنة لتحقيق نسبة نمو اقتصادي قريبة من 7 في المائة في خطتها الخمسية الثالثة (2000 - 2005). أي أكثر من 75 مليار دولار في غضون خمسة أعوام.
وفي هذا السياق، دعت الحكومة خلال العام الماضي المستثمرين الأجانب إلى مساعدتها لزيادة طاقتها الإنتاجية في مجال البتروكيماويات، وحثت المنتجين الإقليميين على التعاون لتجنب نشوب معركة على الأسواق.
لكن المستثمرين الأجانب لا يزالون يتعاملون بحذر مع إيران بسبب سيطرة الدولة على أكثر من 80 بالمائة من النشاط الاقتصادي ووجود الكثير من القوانين المعيقة لتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وفي هذا الإطار قال مسؤولو شركات غربيون إنهم حريصون على الاستثمار في إيران بسبب احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز، ولكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن قدرة نظامها القانوني على حماية رؤوس أموالهم. ولمواجهة هذه المخاوف قام البرلمان الإيراني مؤخراً بالمصادقة على قانون إصلاح النظام المالي وتخفيض الضرائب.
بكلمة أخيرة إن التأثيرات السلبية الناتجة عن تراجع أسعار النفط وركود الاقتصاد العالمي ألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد الإيراني وفاقمت من بعض المشكلات التي يعاني منها، ودفعت الحكومة إلى اتخاذ خطوات اقتصادية جديدة تخفف من سيطرة الدولة على الاقتصاد لتعزيز الانفتاح وجلب الاستثمارات الأجنبية لحفز النمو الاقتصادي إلى درجة يسمح معها بالتصدي للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إيران. (ق.ب)