الانترنت: حرية، ام رقابة أكثر؟

محاولات فرض الرقابة على الانترنت لم تلق نجاحا كبيرا

برلين - جميعهم يتحدثون عن الحرية لكنهم سرعان ما يضيقون ذرعاً بها، فبعيداً عن الشعارات الجميلة التي تمجد قيمة الحرية وتعلي من شأنها كشفت شبكة العنكبوت الإلكترونية أنّ للحرية المطلقة ضريبة باهظة لا يمكن احتمالها.
ويبدو أنّ هناك إجماعاً ضمنياً بين الدول الديمقراطية والمستبدة على تطويق الحرية المتاحة في الإنترنت وإحكام القبضة عليها، رغم التفاوت في تقدير المخاطر الناجمة عن التشبيك الإلكتروني في هذا المجال.
ففي ألمانيا تبدو اللهجة صريحة، مع المخاوف التي يفصح عنها المسؤولون باستمرار بسبب ما يحمله الانسياب الحر للمعلومات.
وقد بلغ الأمر ذروته عندما أكد وزير الداخلية أوتو شيلي في نهاية العام 2000 الحاجة الماسة لتعزيز المكافحة الدولية لنشاط اليمين المتطرف عبر شبكة الانترنت.
وأوضح شيلي آنذاك أنّ البيانات التي جمعتها وزارته حتى ذلك الحين تؤكد وجود ثمانمائة موقع إلكتروني على الإنترنت تتضمن مواد يمينية متشددة، رافضاً التقليل من جدية المخاطر التي تنطوي عليها تلك المواقع.
وذكر أوتو شيلي أنّ الغالبية الساحقة من المواقع المشار إليها يجري إنزالها إلى الشبكة في أمريكا الشمالية، وذلك بنسبة تسعين في المائة، ولا تحظر الولايات المتحدة الأمريكية تداول المواد الدعائية النازية، فيما يمنع ذلك بصرامة في ألمانيا ومعظم دول أوروبا.
وتحذر الأجهزة الأمنية الألمانية باستمرار من محاولات اليمين المتطرف استخدام الانترنت كوسيلة لنشر أفكاره بشكل متزايد، وفي مقدمة المحذرين دائرة حماية الدستور، المعنية بمراقبة المجموعات التي تنطوي على مخاطر محتملة على الأمن العام، والتي تحذر من "الاستخدام المتزايد بحدة لوسائل الاتصال الحديثة من قبل الأوساط اليمينية المتطرفة".
وتشير مصادر الدائرة إلى محاولة اليمين المتشدد تعزيز نفوذه في الإنترنت، عبر مواقع يتضمن بعضها وصفات كاملة لإعداد العبوات الناسفة وإرشادات لاستهداف الخصوم السياسيين.
وتثير المواد النازية المنتشرة في الشبكة جدلاً واسعاً منذ سنوات بسبب صعوبة وضع مروجيها تحت طائلة الملاحقة الجزائية، فضلاً عن مكافحة انتشارها، وهو ما يجعل العديد من المسؤولين الألمان والأوروبيين يطالبون بتعاون دولي فاعل لمواجهة الظاهرة المثيرة للقلق.
وقد نشأت في السنتين الماضيتين حملة ألمانية عامة لمكافحة المضامين اليمينية المتطرفة في الشبكة، دعت الجمهور للتفاعل معها والإبلاغ عن المواقع الإلكترونية المخالفة للقانون.
وجاءت تلك التوجهات لتنسجم مع ما أعلنته منظمة يهودية أمريكية في أيار (مايو) 2000 من أنها ستلجأ إلى إطلاق حملات للتوعية والتحذير من المضامين المعادية لليهود في الشبكة.
فقد رأت "اللجنة اليهودية الأمريكية" أنّ هذه الحملات أجدى وأبلغ تأثيراً من المطالبات بحظر المضامين المعادية لليهود في الشبكة.
واعتبر المسؤول في اللجنة كينيث شتيرن آنذاك أنّ "حظر ما يسمى بصفحات الحقد في الإنترنت يجعل من الجدل ضد التشدد جدلاً من أجل الرقابة، وهذا ما يساعد المتشددين في نهاية المطاف"، على حد قوله.
ويعمل شتيرن خبيراً في "العداء للسامية" في اللجنة الأمريكية اليهودية التي تضم نحو 75 ألف عضو، وهو مهتم بسبل مكافحة المواد المعادية لليهود في الإنترنت. ويرى شتيرن أنّ "الكثير من النصوص المتشددة تحظى بالحماية في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب العمل بحرية الرأي" فيها.
وقلل من فعالية الحظر الذي تعمل به الكثير من الدول الأوروبية لهذه النصوص، نظراً لسهولة استدعائها من أي مكان في العالم عن طريق الإنترنت، وبدون عناء يذكر.
ويشدد الناشط اليهودي الأمريكي على أنّ الكثير من الناس يبالغون في تقدير أهمية الإنترنت لمجرد أنه ابتكار حديث، "فالانترنت لا تنتج الحقد، وإنما تغيِّر طريقة نشره"، على حد تعبيره. واعتبر أنّ الشبكة تعين المعادين لليهود في التعريف بأنشطتهم أمام الرأي العام، لكنها تساعد على مراقبة تلك الأنشطة أيضاً، كما يقول.
وتحقق حملات الضغط فعاليتها أحياناً. فقد بادرت إحدى دور ترويج الكتب عبر الإنترنت في نهاية العام 1999 إلى إيقاف بيع كتاب "كفاحي" الذي ألفه الزعيم النازي أدولف هتلر في ألمانيا. وعللت دار "بارنساندبوله كوم" لبيع الكتب عبر الشبكة الدولية قرارها بتفهمها للخصوصية التي يعنيها الكتاب بالنسبة لألمانيا.
وكان نشر الكتاب عبر الشبكة قد أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية الألمانية آنذاك، خاصة مع حظر بيعه وتداوله في الجمهورية الاتحادية بموجب القانون.
والمثير أنّ ذلك قد جاء بعد أسابيع من قيام شركة "أمازون" التي تعد كبرى شركات تسويق الكتب عبر الإنترنت بإيقاف بيع كتاب "كفاحي" لهتلر لزبائنها في ألمانيا.
وأيا كان عليه الأمر؛ فإنّ التطورات يمكنها أن تبلغ مدى أوسع لتشمل مجالات حساسة. فمثلاً؛ هاجمت قوى مدافعة عن الحقوق المدنية في أيار (مايو) 2001 مقترحات تقضي بمنح أجهزة الشرطة الأوروبية صلاحيات واسعة النطاق لمراقبة الاتصالات الهاتفية والإلكترونية.
وتشمل تلك المقترحات إلزام الشركات التي تقدم خدمات الإنترنت والخطوط الهاتفية بتسجيل كافة الاتصالات والمراسلات الإلكترونية والمواقع التي يرتادها مستخدمو الإنترنت، والاحتفاظ بالبيانات المسجلة لمدة سبع سنوات، مع إتاحة المجال أمام الأجهزة الأمنية للاطلاع على تلك البيانات عند الحاجة.
كما ترددت خلال ذلك أنباء عن تسرّب وثائق تشير إلى ضغوط داخل الاتحاد الأوروبي تسعى لإلغاء التشريع الخاص بحماية البيانات الخاصة والاتصالات، لصالح توسيع صلاحيات أجهزة الشرطة في التجسس على الاتصالات بشتى أنواعها.
ولا تمر المساعي الرامية لضبط المواد المطروحة في الإنترنت بدون جدل، ففي سويسرا مثلاً تصاعدت التجاذبات في السنوات الأخيرة بشأن مسؤولية الشركات المزودة لخدمات الشبكة عن المضامين المخالفة للقانون والمطروحة في بعض المواقع.
وتمسكت تلك الشركات من جانبها بموقفها الرافض لتحميلها المسؤولية عن المضامين الخارجة على القانون، التي قد يطرحها المشتركون في خدماتها عبر ما تتيحه لهم من مواقع على شبكة الإنترنت.
لكن الشرطة الاتحادية السويسرية أصرت بدورها على إلزام الشركات التي تطرح خدمات الإنترنت بإغلاق المواقع التي تتضمن مواد محظورة قانوناً، وأن تلغي تلك المواقع إذا ما ثبت تورطها في ذلك بالفعل، وإلاّ فإنّ شركات الإنترنت ستكون متهمة أمام القانون بالمشاركة في تلك المخالفات بما يجعلها هي الأخرى عرضة للملاحقة الجزائية. ويتعلق الأمر بالمواد العنصرية والمتشددة بالإضافة إلى المواد الإباحية التي يجرم القانون من يتداولها.
ولا يتوقف الأمر عند حدود ذلك؛ فقد سبق وأن أشار خبراء في قانون العقوبات السويسري إلى وجود ثغرات واضحة في قضية المسؤولية القانونية عن مضامين مواقع الإنترنت.
ورغم الصخب الذي يدور في أوروبا في هذا المجال، تبقى الحالة الصارخة متمثلة في التجربة الصينية. فالإقبال الصيني على الإنترنت يحقق نمواً مذهلاً. وتواصل بكين مساعيها للانفتاح على طريق المعلومات السريع من خلال المبادرات الحكومية المتلاحقة.
إذ تبدي القيادة الصينية رغبة واضحة في قطف ثمار "الثورة التقنية" عبر تمكين مواطنيها من "الارتياد المخطط" لطريق المعلومات السريع، دون أن تغفل ما يكتنف هذا الطريق من عواقب وخيمة وعوارض جانبية ليس أقلها انفلات الأمور من عقالها وتسرب تأثيرات سياسية تطالب بالانفتاح الديمقراطي من الخارج.
ولهذا بدأت السلطات الصينية بشن حملات صارمة ضد مقاهي الإنترنت ابتداء من مطلع العام 2000. بينما تبدو أجهزة الأمن العام الصينية منشغلة في التعامل المحير مع شباك العنكبوت التي ينسجها عشاق التشبيك الإلكتروني، فتعمد إلى توجيه الإنذارات إلى مقاهي الإنترنت حيناً أو مداهمتها وإغلاقها حيناً آخر، بينما تتراوح المبررات الرسمية لهذه الخطوات المضطربة بين "الحفاظ على أخلاق الشبان" و"الحفاظ على أمن البلاد".
وكانت السلطات الصينية قد أصدرت مطلع العام 2000 تعليمات تمنع المواقع الإخبارية الصينية في الشبكة الدولية من بث أي تقرير إخباري قبل الحصول على إذن رسمي بذلك. كما حظرت على المواقع الصينية غير الإخبارية بث أي أنباء من خلالها، أما إيراد التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام الأجنبية فهو من المحظورات على الجميع.
ولم تكن الحكومة الروسية استثناء من هذه التوجهات، فقد خططت هي الأخرى للقيام بمراقبة واسعة النطاق لمضامين شبكة الإنترنت. وشرعت عدد من الدوائر الروسية في العام 2000 بالتجسس على محتويات الشبكة، وذلك بالتعاون مع المخابرات الروسية "إف إس بي" التي تعد المؤسسة الوريثة لجهاز "كي جي بي" الشيوعي الأسبق.
وتقوم سبع دوائر روسية بمهام المراقبة هذه إلى جانب جهاز المخابرات، الأمر الذي يستدعي القيام بعمليات متابعة عالية الكفاءة وتوفير قدرات كبيرة على تخزين المعلومات وتصنيفها، وذلك في إطار المشروع الذي يطلق عليه "نظام للتمكين من التحقيقات والعمليات الميدانية" الذي تعود جذوره الأولى إلى العام 1995.
وكان قد جرى التطرق إلى توفير المشروعية القانونية لهذه النشاطات التي تجري في ظلال الانفجار المعلوماتي؛ من خلال مرسوم قانوني وقع عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الخامس من شباط (فبراير) 2000، حمل عنوان "قانون عمليات التحقيق". والمفارقة أنّ بوتين ذاته كان عميلاً لجهاز المخابرات السوفياتي الأسبق "كي جي بي" في ألمانيا.
وبعيداً عن روسيا؛ لا يبدو القلق في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها خافياً من عواقب الحرية المنفلتة من عقالها، كما اكتسبت مكافحة مضامين الإنترنت مذاقاً خاصاً ومبررات إضافية بعد حوادث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. فلم يعد تعقب بعض المواقع المتهمة بدعم "الإرهاب الدولي" أو مداهمة شركة مزودة لخدمات الإنترنت بالأمر النادر.