تحليل: ضعف واشنطن يطفو على السطح في بيروت

واشنطن - من ديف ماكنتاير
بوش لم يعرف.. ولم يفهم

راودت الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش وإدارته أمالا كبيرة في أن تعطي القمة العربية المنعقدة في بيروت هذا الاسبوع دفعة "لعملية السلام" بين إسرائيل والفلسطينيين ولكن بدلا من ذلك جاءت القمة لتظهر العجز الدبلوماسي للولايات المتحدة.
ومع خروج الوفد الفلسطيني مندفعا من قاعة الاجتماع في ثورة غضب وإشراف الدعوة السعودية للسلام على الغرق في خضم المشاحنات العربية، وجد بوش نفسه بدون أي خيار سوى أن يدعي التفاؤل بأن مبعوثه إلى المنطقة قد ينجح بطريقة أو بأخرى على العكس من كل التوقعات.
وقال بوش للصحفيين في ساوث كارولينا "الجنرال (أنتوني) زيني لا يزال في المنطقة. والشيء المهم هو الدخول في خطة تينيت، الدخول في ترتيب أمني، ونحن متفائلون بأن هذا سيحدث".
وكان بوش يشير بذلك إلى خطة لوقف إطلاق النار وضعها رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.أي.أيه) جورج تينيت، وهي خطة قد ماتت بالفعل منذ صدورها في حزيران/يونيو.
ولجوء بوش إلى مجرد التصريحات المبتذلة يظهر مدى فشل الدبلوماسية الاميركية في الشرق الاوسط.
وبمجرد أن أعلن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أنه لن يحضر القمة، تحول المسئولون الاميركيون إلى وسيلة للسيطرة على الاضرار.
وفي تصريح لصحيفة نيويورك تايمز، قال مسئول أميركي كبير "في بادئ الامر كان يراودنا الامل في الحصول على شيء إيجابي (من بيروت). والان هناك خطر في أن لا يكون إيجابيا فحسب بل أن يأتي بمزيد من الاضرار التي لم نشهدها من قبل. وبصراحة، عند هذه النقطة، كل ما نستطيع أن نفعله هو أن نعترف بحالنا ونبذل الجهد ونحاول إعادة الامور إلى مسارها".
ويمكن تتبع الضعف الاميركي الحالي إلى بداية تولي إدارة بوش في كانون ثان/يناير عام 2001 وإرجاعه إلى تناقض متأصل في آراء الرئيس الجديد.
فإنه كان مقتنعا، من جهة، أن سلفه بيل كلينتون حاول جاهدا وقدم كثيرا في سعيه للتوصل إلى اتفاق إسرائيلي-فلسطيني بدون جدوى، ومن جهة أخرى ألقى باللوم على عرفات لعدم قبوله هذا الاتفاق وتفضيله العنف على المفاوضات.
وعلى هذا الاساس، قرر بوش عدم التعامل مباشرة مع عرفات. وكان الزعيم الفلسطيني أكثر الزوار الاجانب ترددا على البيت الابيض في عهد إدارة كلينتون ولكنه أصبح غير مرغوب فيه بواشنطن في عهد إدارة بوش.
وكان أثر ذلك هو تقليص سلطة عرفات داخل الحركة الفلسطينية وإضعاف قدراته ودوافعه للتحرك ضد المتشددين الذين يفضلون المواجهة، حتى وإن كانت واشنطن تطالبه بأن يفعل ذلك.
ومؤشر آخر على عجز الولايات المتحدة ظهر في أوائل هذا الاسبوع في تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي أريل شارون.
فقد صرح شارون في مقابلة صحفية بأنه يأسف لانه وعد بوش بأن إسرائيل لن تقوم بعمل مباشر ضد عرفات. ولم يعترض المسئولون الاميركيون أو ينفوا أن بوش سعى وحصل على مثل هذا الوعد.
والمعني الضمني لذلك هو أن أي عمل إسرائيلي لا يصل إلى حد الاضرار الجسدي بالزعيم الفلسطيني أمر مسموح به في واشنطن، والاحتجاجات العلنية على "الاغتيالات المتعمدة" والتوغل في الاراضي الفلسطينية فهي على النقيض تماما.
ومن الواضح أن بوش لم يعرف أن عدم رغبته في الضغط على إسرائيل وإعادة شارون إلى مائدة المفاوضات سيضر بفرصه في كسب تأييد العرب ضد العراق.
وهذه النقطة عرفها نائبه ريتشارد تشيني خلال جولته الاخيرة بمنطقة الخليج. ففي كل مرة حاول فيها تشيني الحديث عن العراق كان مضيفوه العرب يتحدثون على إسرائيل.
ومع غياب الوجود الدبلوماسي الاميركي وراء الكواليس، فإن القمة العربية في بيروت تبدو محكوم عليها بالفشل منذ البداية. فغياب اثنين من الزعماء العرب المعتدلين، الرئيس المصري حسني مبارك والملك عبد الله عاهل الاردن، قد زاد من ضعف فرصة تحقيق تقدم.
وذكر أحد المراقبين الغربيين أن ذلك لا يبشر بالخير بالنسبة لمبادرة السلام السعودية وهي على رأس جدول أعمال قمة بيروت.
يذكر أن مصر هي أول دولة عربية توقع معاهدة سلام مع إسرائيل في عام 1979 ثم تلاها الاردن في ذلك.
ونفت بيروت أن يكون تغيب مبارك والملك عبد الله يعود إلى أسباب أمنية.
وربما لا يزال هناك دور للولايات المتحدة في تحقيق السلام.
ومثلما قال وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل في مقابلة مع شبكة تلفزيون إن.بي.سي الاربعاء فإن الولايات المتحدة لها دور "حاسم" يجب أن تضطلع به.
وقال الامير سعود "إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تستطيع تغيير التركيبة العقلية لاشخاص مثل شارون"، مضيفا أن "شارون يرى السلاح فقط كوسيلة لتوفير الامن لاسرائيل".
إلا أنه ليس من الممكن تحقيق مثل هذا التقدم خلال القمة العربية. ومثلما قال أحد الدبلوماسيين العرب "هذه قمة أخرى نتحدث فيها جميعا ولا نعمل".