تحليل: هل نضجت ظروف مشاركة عرفات في قمة بيروت؟

بيروت - من محمد سلام
عرفات في بيروت قبل ان يغادرها بسبب الاجتياح الاسرائيلي

"لو كانت بيروت مدينة فلسطينية لقلبت كل المقاييس" - بهذه العبارة ودع عرفات العاصمة اللبنانية وهو ينسحب منها عام 1982 تحت ضغط الاجتياح الاسرائيلي بقيادة أرييل شارون.
وبعد 20 عاما على التصريح الذي أدلى بها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية على سلم الباخرة التي أخرجته من العاصمة اللبنانية المحاصرة، بحماية قوات أميركية-بريطانية-فرنسية-إيطالية، تحققت المعادلة التي تمناها. وأصبح مقيما في مدينة رام الله الفلسطينية، وتحاصره مجددا قوات شارون.
ويتساءل المراقبون الان إذا ما سينسحب عرفات من مدينة فلسطينية تحاصرها إسرائيل، ليزور مدينة عربية أخرجته منها إسرائيل ويضحي برغبته قلب المقاييس وتسوية حساب شخصي، بقدر ما هو مبدئي، مع شارون؟ هذا علما بأن الزمن ارتقى بالرجلين إلى رتبتين أرفع مما كانا عليه في 31 آب/أغسطس من عام 1982: عرفات أصبح رئيسا منتخبا للشعب الفلسطيني، وشارون ارتقى من وزير دفاع مغامر إلى رئيس وزراء منتخب.
وبغض النظر عن موقف الحكومة الاسرائيلية من استمرار حصار عرفات أو السماح له بالمشاركة في اجتماعات القمة العربية التي تفتتح أعمالها في فندق فينيسيا على شاطئ بيروت صباح الاربعاء، إلا أن عوامل عديدة تلعب أدوارا رئيسية في القرار الذي سيتخذه الرئيس الفلسطيني في هذا الشأن، وفق رأي العارفين بطريقة تفكير "الختيار"، وهو اللقب المتعارف عليه للزعيم الفلسطيني التاريخي.
المسألة ليست مشاركة عرفات في قمة عربية إضافية، وهو الحاضر الدائم في كل القمم العربية منذ أكثر من 32 عاما. إنها، وفق رأي مستشار سياسي مقرب من الزعيم الفلسطيني "مسألتان: هل ينسحب عرفات من مواجهة مع شارون بدأت تصبح رابحة ويقفز خارج فلسطين مع ما يعينه ذلك من تخل عن كل ما عاش له؟ أرضه، علمه، شعبه الذي يعطي بلا حساب رغم احتمالات عدم القدرة على العودة، بغض النظر عن كل الضمانات؟"
والسؤال يفرض نفسه أيضا فيما إذا نضجت ظروف زيارة عرفات إلى لبنان، رغم استضافته القمة العربية، وهو البلد العربي الوحيد الذي طرد منه مرتان - مرة بفعل الاجتياح الاسرائيلي، ومرة من عاصمته الثانية طرابلس في الشمال، بفعل الالة الحربية السورية بعد انسحابه من بيروت بنحو تسعة أشهر؟
ويقول أحد المصادر الذي تم الاتصال به هاتفيا من بيروت "لنفترض أن الحكومة الاسرائيلية أعلنت أنها سمحت للرئيس عرفات بمغادرة رام الله إلى بيروت للمشاركة في القمة والعودة. هل يعني ذلك أن الرئيس عرفات سيقول حاضر وينفذ. الرئيس عرفات ليس تلميذا في مدرسة ابتدائية يطلب إذنا من الناظر شارون للخروج إلى الحمام. كرامة الشعب الفلسطيني على المحك هنا. إضافة إلى كرامة أبو عمار الشخصية".
على المستوى الشخصي، يضيف المصدر، "هل سيقبل الرئيس عرفات أن ينهزم أمام شارون في فلسطين، كما انهزم أمامه في بيروت. علما أنه عزا موافقته على الانسحاب من بيروت يومها إلى الطلب الذي قدم له بهذا الشأن من زعماء العاصمة اللبنانية الذين كانوا في وداعه في مرفأ بيروت؟ ماذا سيقول لاهل الشهداء الذين سقطوا في انتفاضة الاقصى منذ أكثر من عام؟".
ويقول مصدر آخر أن المتتبع لمسار العلاقات اللبنانية-الفلسطينية يرى أن ظروف زيارة عرفات لبيروت، بمعزل عن الصراع مع إسرائيل، هي أيضا لم تنضج بعد.
ويوضح أن وجود عرفات في بيروت، ضمن الظروف الحالية، تشكل له "إحراجا كبيرا: رئيس السلطة الفلسطينية يزور دولة عربية لا تعترف بالسلطة التي انبثقت من اتفاق أوسلو لعام 1994 بل تعارض الاتفاق وتعتبره خرقا للتضامن العربي، وتتحالف مع الخصم العربي الابرز للسلطة الفلسطينية، سوريا".
ويتساءل المصدر "هل يزور عرفات لبنان، الذي يستضيف جزءا رئيسيا من شعبه وقاعدته في مخيمات اللاجئين، من دون أن يسمح لهذا الشعب باستقبال رئيسه، ومن دون أن يسمح لهذا الرئيس بتفقد شعبه؟".
ويضيف "وهل يزور عرفات لبنان من دون أن يسمح لممثله الاول فيه، العميد سلطان أبو العنين، باستقباله ومن دون أن يسمح له بزيارة ممثله المطلوب للعدالة اللبنانية والمحاصر في مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين على بعد 100 كيلومتر إلى الجنوب من بيروت؟".
ويرى المحللون أن الحرج التي تسببه زيارة لبنان لعرفات، ضمن الظروف الحالية، ليست الورقة الوحيدة المطروحة على طاولة الاعتبارات. ويقول أحدهم "إن السلطات اللبنانية لن تكون في منأى عن حرج مماثل، بل قد يكون أكثر تعقيدا ويتجاوز موقفها من رغبة مناصريه وحلفائه في استقباله ليصطدم بانزعاج خصومه – وجلهم من أبرز حلفاء النظام، من مجرد وجوده في الساحة التي غاب عنها لعقدين، حتى الان".
الاجابات عن كل التساؤلات تبقى عند الرئيس عرفات، حصرا. فهل يطل على قمة بيروت من مطار العاصمة التي غادرها بحرا، أم من شاشة يتم تركيبها في قاعة المؤتمر تنقل صورته وصوته عبر الارسال الفضائي؟ وهناك أيضا من يقول أنه ربما إطلالته كلها غير مرغوب فيها بضمان تحصيل كامل حقوقه.