غارة صحفية مصرية على قناة الجزيرة

القاهرة - من محمد جمال عرفه
هل يهاجم الصحفيون المصريون الجزيرة لانهم يغارون من نجاحها؟

يبدو أن برنامج "بلا حدود", الذي تبثه قناة "الجزيرة" الفضائية مساء كل أربعاء, والذي استضاف في حلقة الأربعاء الماضي رجل الأعمال المصري رامي لكح, وأنهاه الإعلامي أحمد منصور قبل الوقت المحدد, قد أتاح الفرصة لبعض الجهات الإعلامية والسياسية المصرية والعربية المنزعجة من صوت الجزيرة, لكي تستغل الفرصة السانحة وتعمل على محاولة "اغتيال" هذه القناة ووأدها قبل أن يتعاظم أثرها وفعلها في الساحة العربية.
وتأخذ الكثير من الحكومات العربية, التي سحب معظمها سفراءها من قطر, لمرة واحدة أو أكثر احتجاجا على الجزيرة، على هذه القناة أنها فرضت على الإعلام العربي الراكد, والميال بطبعه إلى مجاملة الحكام والوزراء ورجال الأعمال والتذلل أمامهم و"الذوبان في دباديبهم", كما يقول المصريون, نمطا جديدا من العمل الإعلامي, الذي يجعل من وسائل الإعلام سلطة رابعة لها سطوتها ونفوذها, فوق سلطة الحكام ورجال المال, وهو الأمر الذي لم يعجب لوبيات الفساد والمال والسياسة, الذين يحاولون خنق هذا الصوت المدوي, قبل أن يتعاظم تأثيره, ويفرض على الإعلام العربي الآخر نمطه, وطريقة عمله, وهو ما من شأنه أن يوفر وضعا شفافا لا يسمح للوبيات ومافيات المال والسياسة بالعيش.
وفي إطار تفاعلها مع آثار البرنامج والحملة الإعلامية الشعواء, التي تشن على الجزيرة وعلى المذيع والإعلامي المصري الناجح أحمد منصور, أبدت مصادر مصرية مهتمة بمحاربة الفساد استغرابها من الحملة الصحافية, التي شنتها العديد من وسائل الإعلام المحلية على قناة الجزيرة الفضائية, وعلى صاحب برنامج "بلا حدود", وامتدت ذيولها إلى صحف عربية, لا تخفي أنظمتها ضيقها الشديد من القناة ومن مذيعيها, ومن الروح الإعلامية الحرة التي تمثلها.
وقالت المصادر إنها كانت تتوقع أن ترى حملة مساندة للإعلامي المتألق منصور, وحملة شعواء في المقابل ضد بعض رجال الأعمال المصريين الهاربين, المتهمين بنهب مئات الملايين من الجنيهات من المصارف المصرية, لكنها فوجئت بأن الحملة الصحافية سارت في المسار الخطأ, وانصبت على قناة الجزيرة, وعلى الإعلامي منصور, المعروف باستقامته وجدية برامجه, بدعوى الدفاع عن صورة مصر, واتهام الجزيرة بأنها تلتقي معارضين للحكومة المصرية أو هاربين من وجه العدالة.
ولاحظت المصادر باستغراب أن معظم الكتابات الصحافية المصرية, التي هاجمت الصحافي منصور, قد وقفت إلى جانب رجل الأعمال لكح, وصورته في موقع الضحية, وحاولت الإيحاء أحيانا والتصريح أحيانا أخرى, بأن "المسكين" وقع في فخ مرسوم ومعد سلفا من الإعلامي "الإخواني", كما أطلقت بعض الصحف المصرية على الصحافي منصور, لجره نحو التهجم على مصر واقتصادها, بحسب قول تلك الصحف.
ولم تستبعد المصادر أن يكون الهجوم على منصور قد تم من عدد من الصحافيين المتورطين في الفساد وتقبل الرشاوى من العديد من رجال الأعمال والدول, وأن بعض أولئك الصحافيين قد هاجموا الجزيرة والإعلامي منصور, خشية أن تدور عليهم الدائرة, وتكشف أسماؤهم وأدوارهم في حماية عدد من رجال الأعمال الفاسدين والتستر عليهم, بل والدعاية لهم, مقابل مبالغ مالية ضخمة.
وكان الكاتب الصحفي المصري الشهير فهمي هويدي قد كشف قبل فترة عن ظاهرة فساد الصحافيين المأجورين. وذكر أن لديه تقريرا من هيئة رقابية رسمية في الدولة المصرية بأسماء عدد من الصحافيين المتعاملين مع رجال أعمال, يتلقون رشاوى كبيرة كل شهر, مقابل الدعاية وتلميع أصحاب المال والأعمال ومؤسساتهم وشركاتهم.
وقد أثار مقال هويدي ضجة في الصحف المصرية, وهدد بعض الصحافيين بمقاضاته, بزعم تشويهه لصورة الصحافيين المصريين, لكن توفر هويدي على وثائق رسمية بإدانة عدد من الصحافيين, جعل خصومه يحجمون عن ذلك, خشية أن يؤدي التحقيق في القضية إلى الإطاحة بعدد من الرؤوس الكبيرة المتورطة في الفساد. حملة صحفية مصرية مناصرة لرامي لكح ولاحظت المصادر أن لكح المتهم بالفساد وبنهب مئات الملايين من الدولارات قد أصبح مصدر العديد من الصحف المصرية في رواية "كواليس" اللقاء العاصف مع الجزيرة. فقد نقلت صحف مصرية في صدر صفحاتها الأولى حديث لكح عن وقوعه "في مؤامرة إخوانية نصبها له المذيع أحمد منصور", ونقلت عنه أن منصور حاول استدراجه للتهجم على مصر, وأنه رفض ذلك بغيرة وطنية تامة.
ونقلت المصادر عن أحد الصحفيين المصريين قوله "إن الدم غلا في عروق رجل الأعمال المصري عندما شعر أن المذيع يستدرجه لمهاجمة مصر, وأكد أنه في طريقه لتسوية ديونه. وقام بنزع الميكروفونات المعلقة في قميصه ليضرب الشيخ منصور علقه ساخنة بالأقلام والشلاليت على باب الاستوديو دون أن يحاول أحد من زملائه إنقاذه"، حسب زعمها.
ورأت المصادر في ما كتبته تلك الصحف, التي سعت للهجوم على الجزيرة وعلى الإعلامي منصور, قد انتهى بها واقعا بوعي أو من دون وعي منها, إلى مدافع قوي عن لكح, بالرغم من كل الشبهات بشأن ملفه المالي, وعلاقاته الشائكة بالمصارف المصرية, والاتهامات العديدة بنهبه لأموال عامة, وتجريده من عضوية البرلمان على خلفية تلك الاتهامات.
لكن المصادر سجلت أن بعض الأقلام الصحافية المصرية النزيهة وجدت في اللقاء العاصف بين منصور ولكح, أشياء من شأنها خدمة الحقيقة في مصر, وكشف بعض الأمور, التي كانت غائبة عن الرأي العام المصري. وأشارت المصادر في هذا الصدد إلى ما كتبته صحيفة العربي الناصرية, من أن لكح تجنب السقوط في حملة قناة الجزيرة ضد الفساد, وذلك بهدف عقد "زواج ثاني مع الحكومة" المصرية, بحسب قول الصحيفة.
ولاحظت المصادر أن الصحيفة ركزت على بعض الحقائق المتعلقة بموضوع الفساد, التي وردت في اللقاء, إذ عنونت أحد مقالاتها بالآتي "رامي لكح: حكومة عبيد فيها وزراء أميركان وفرنسيون وطلاينة"، وكتبت تقول فيه إن المليونير القبطي المصري كشف في معرض دفاعه عن نفسه, كحامل جنسية مزدوجة، مما كلفه خسارة مقعده في البرلمان، عن أنه ليس الوحيد الذي يحمل جنسية مزدوجة في البرلمان, وأن هناك حوالي 7 إلى 8 آخرين يحملون جنسيات أخرى، بل وهناك وزراء يحملون أيضا جنسية مزدوجة. من كواليس اللقاء العاصف وقالت مصادر رافقت الإعداد للحلقة الأخيرة من برنامج "بلا حدود", ولها اطلاع على بعض خلفيات ما جرى, إن الضيف أراد أن يكون البرنامج فرصته للثأر من الحكومة المصرية, التي جردته من عضوية البرلمان, وأنه أراد أن يصفي حساباته مع عدد من رجال الأعمال والمسؤولين المصريين.
وذكرت المصادر أن لكح جلب معه إلى البرنامج العديد من الوثائق الخطيرة, والعديد من الصور الفضائحية, لمسؤولين مصريين ورجال أعمال في أوضاع مخلة, وأراد عرضها على شاشة الجزيرة لتحطيم أولئك الذين يعتبرهم مسؤولين عن إسقاط عضويته في البرلمان, وتشويه صورته في الصحافة والإعلام.
وقالت إن لكح كشف أمام بعض الصحفيين أنه يعتزم الترشيح في الانتخابات الرئاسية في فرنسا, ليكشف للمسؤولين المصريين, الذين أسقطوا عنه عضوية البرلمان, أن ذلك لم يقلل من شأنه, وأنه جدير بأكثر من عضوية البرلمان المصري.
وذكرت المصادر أن منصور, الذي حرص أن يكون البرنامج محدودا بحدود قضية لكح مع المصارف, دون أن يتعداها إلى فضائح بعض المسؤولين, حتى لا يسقط برنامجه في أي شكل من أشكال التوظيف, ولعبة تصفية الحسابات بين المتصارعين على الثروة والنفوذ, رفض بشدة الانجرار خلف رجل الأعمال القبطي, وجعله يحتد عليه, حتى لا يخرج اللقاء عن هدفه, وهو ما جعله ينهي اللقاء قبل الوقت, عندما أصرّ لكح على تحقيق أهدافه, التي جلب لها الصور والوثائق العديدة. (ق.ب)