يحيى إبراهيم والجنون العاقل

بقلم: أحمد فضل شبلول

كنت أخشى أن تتحول رواية "الجنون العاقل" ليحيى إبراهيم إلى معالجة جديدة لعقدة أوديب حيث حب الأم وكراهية الأب إلى درجة الرغبة في قتله، ولكن تجيء هزيمة 1967 لتحول مسار العلاقة بين سامي وأبيه إلى علاقة طبيعية بين الابن والأب، فتفيض مشاعر الأبوة وتنطلق على صفحات الرواية، ويستثمر البطل هذه المشاعر لصالحه فيطلب من الأب أن يساعده في تنفيذ مخططه الجهنمي بادعاء الجنون ليرفت من القوات المسلحة، ويحقق حلمه بالسفر إلى خارج البلاد.
أيضا كنت أخشى أن تتحول الرواية إلى معالجة العلاقة غير الشرعية بين الأخ وأخته، أو بين سامي ونادية، حيث بدأت العلاقة الآثمة في التنامي عندما شاهد سامي ما يتفتح من أزهار وورود في حديقة جسد أخته، فيهيم عشقا بها وبجمالها، ويضاجعها في حلمه متمنيا أن تكون له، جريا على العادة الفرعونية القديمة، حيث يتزوج الأخ من أخته، إلى أن تحين اللحظة الفاصلة، فتستسلم له أخته التي من الواضح أن لديها الرغبة نفسها، ولكن قبل أن يكتمل الفعل الآثم أثناء خلو المنزل إلا منهما تتفجر الحرب وتعوي صافرات الإنذار. يقول الكاتب ص 142: "وفي غمرة هذا كله، ووسط هذه النشوة النادرة، ونحن مندمجان الاندماج كله، وقبل لحظات من وصولنا إلى عصور الفراعنة، سمعت أصواتا غريبة آتية من البعد، تلاها ضجيج غير عادي في الشارع، وأزيز طائرات حربية تطير على ارتفاع منخفض. عوت صفارات الإنذار كأنها عوت خصيصا لنا، فهدأت بالفعل حركاتنا. وتبادلتُ مع نادية ـ التي أفاقت من نشوة اللذة ـ في ريبة النظر. قفزتُ من فراشي في الحال إلى النافذة، فرأيت الطائرات الحربية تعربد في السماء، وسمعت صوت الانفجارات يقترب، ورأيت الناس يجرون في الشارع مرددين في فزع: الحرب قامت .. الحرب قامت". إنهما يُفيقان من العربدة ويشاهدان الطائرات الحربية وهي تعربد في السماء ـ مثلما كانا يعربدان على السرير ـ، ويقفز سامي عائدا إلى وحدته العسكرية بمدينة السويس ـ وعلى ملابسه آثار من مخلفات العربدة ـ ، بعد أن تمتع بإجازة قصيرة ـ لم تكتمل ـ إثر مشاركته في حفر حمام السباحة بأحد أندية الضباط بالقاهرة إرضاء لزوجات الضباط. ولعل في هذا إشارات ورموزا لحال البلد قبيل هزيمة الخامس من يونيه 1967 وأيضا ليلتها.
على أن الفعل الروائي الحقيقي لهذه الرواية يبدأ من ص 170 ويستمر حتى النهاية (ص 267). حيث يفكر سامي في الجنون العاقل أو التظاهر بالجنون، بعد أن انتحر القائد الأعلى للقوات المسلحة، واستقالة الزعيم التي رفضها الشعب قائلا "لا .. لا لابد أن تبقى بدونك عيشنا محال"، من هنا تبدأ أحداث الرواية الفعلية، ويبدأ عري سامي المقصود أمام زملائه المجندين وقائد وحدته، ثم أمام القائد العام للقوات المسلحة، وما قبلها كان مجرد سرد أو تنويعات على حياة سامي عبد الحليم النجار، وهي تنويعات لا تخلو من أفعال فاضحة وتحدٍّ للسلطة ـ سواء سلطة الأب في المنزل أو سلطة الحكومة ـ ولجوء إلى عالم الجنس والمخدرات. وقد أسهب المؤلف في الثلثين الأولين من الرواية في شرح العلاقات الجنسية المختلفة بما فيها العلاقات الشاذة المقززة والمحرمة التي مارسها سامي طوال حياته منذ صغره وحتى لحظة التخطيط لجنونه العاقل.
لم يحم السرد الروائي في هذا الجنون سوى الجرأة الواضحة في التناول، ومحاولة تعرية الواقع الاجتماعي والسياسي المصري خلال الفترة من ما قبل حريق القاهرة 1952 وحتى هزيمة يونيه 1967، فلا أقنعة ولا ادعاءات ولا تجميل أو تأنق مصطنع ولا طنطنة أو شنشنة ـ على حد تعبير رفعت سلام على الغلاف الخلفي للرواية ـ ولكن مواجهة حادة وصريحة مع المجتمع والسلطة.
ولعل أهم ما في الصفحات الأولى للرواية والتي جذبتني للتوغل بداخلها نجاح الكاتب في معالجة موضوع الختان ـ سواء ختان الصبيان أو البنات ـ وذلك عن طريق وفاة أخت البطل أو توأمته سهير بعد إجراء عملية ختان قاسية لها، حيث يوجه الكاتب صفعة قوية للذوق العام وللعادات والتقاليد العتيقة لنبذ هذه العادة السيئة في عالم البنات على وجه الخصوص.
عدا ذلك فالسرد يتقدم إلى الأمام ببطءٍ شديد استغرق ما يقرب من 170 صفحة توسل خلالها بأسلوب السيرة الذاتية في الكتابة، وكأن يحيى إبراهيم يكتب سيرته الذاتية معتمدا على ضمير المتكلم في هذه صفحات، فلا توجد شخصية موازية تنمو نفسيا وجسديا وتفعل وتنفعل، وتجعل الآخرين يفعلون أو ينفعلون معها، وتدور الأحداث حولها أو بسببها، سوى شخصية سامي عبد الحليم النجار.
بعد ذلك يبدأ التكنيك الروائي في التبدل، فيأخذ السرد أشكالا مغايرة، ويبدأ التلاحم الحقيقي والتشابك والصراع بين قضايا الوطن وقضايا المجتمع وقضايا الفرد، وتبدأ معاناة شخص الرواية الحقيقية في الظهور، وتأخذ العلاقة بين سامي ومجتمعه في التعقيد، فالإحساس بالعبثية التي خلفتها هزيمة 1967 يزداد ويرسخ ويترك آثاره المدمرة على النفوس، وتبدأ نماذج أخرى في الظهور، ولكن على استحياء، وخاصة في مستشفي الأمراض العقلية، وتبدأ علاقة أبوية حميمة بين سامي وأبيه، بل يساعده أبوه في دخول المستشفى تنفيذا للخطة التي وضعها الابن، ويبدأ الأب تنفيذ تعليمات الابن خوفا من أن يفقده نهائيا، وتنجح جميع المساعي ويخرج الابن من مستشفى الأمراض العقلية محققا رغبته في الانتصار بعقله على أمراض المجتمع وحاصلا على حريته، يقول ص 267: "وقفت أقدم له (لمدير المستشفى) آيات الشكر والعرفان، وأنا أرتجف سرورا وغبطة، وخرجت من مكتب مدير المستشفى كفراشة طال حبسها، أريد أن أطير. واستولى عليَّ سرور بالغ. كنت لفرط السرور والطرب أريد أن أرقص. أريد أن ألهو. أريد أن أفرح وأترك الحزن، وأعود إلى الأحلام. كنت أريد أن أتخلص من الجاذبية الأرضية، وأحط على كل الزهور، وجلست تحت شجرة كافور، أحكي لها قصتي ولجميع الطيور".
هكذا تنتهي الرواية، ولعل الكاتب يشير بهذا الأمل الذي تحقق بعد كل ما لاقاه من عذاب وتعذيب ـ وخاصة الصعقات الكهربائية ـ إلى الأمل في الانتصار الذي تحقق بالفعل في السادس من أكتوبر 1973، وهو من خلال تلك الرحلة الروائية الطويلة زمنيا تعرض للكثير من أمراض المجتمع المصري، ولعل من أهمها سلوكيات القائمين على مشافي الأمراض العقلية، والجاسوسية المصرية التي تجسدت في عم سالم صاحب كشك الشاي بالسويس الذي وجد سامي لديه جهازا لاسلكيا، ولكن بعد أن رحل الجاسوس المصري عن موقعه باستيلاء الإسرائيليين على سيناء، فضلا عن سلوكيات بعض المسلمين إزاء سلوكيات بعض المسيحيين والعكس.
وتظل الملكة التصويرية ليحيى إبراهيم لها حضورها الفاعل والمدهش في كثير من المواقف، ولن نأخذ المشاهد الجنسية (الفاضحة) المتكررة في الرواية دليلا على ذلك، ولكن سنضرب المثل بهذه السطور من ص 150 ـ 151 التي يقول فيها: "كان الدخان الأسود الكثيف ـ الناتج عن احتراق إطارات السيارات ـ يغشى أبصارنا ويصيبنا بالاختناق. وكانت قافلة الجرحى قد تحولت إلى حديد منصهر. وفي جوار رائحة شواء مختلطة بالبارود ذكرتني بيوم حريق القاهرة. لم تترك النار شيئا قابلا للاشتعال دون أن تضرمه. كانت الأطراف المبتورة والأحشاء المتناثرة والرؤوس الطائرة، كلها معجونة بالحديد والرمل وإسفلت الطريق المنصهر. وكانت قدماي تتعثران في جثث ممزقة ومتفحمة. سمعنا صوتا يستغيث، ظهر لنا جندي بنصفه الأعلى بين الجثث المعجونة بالحديد. بدا على وجهه المبهوت أنه في سكرة الموت مذهول، سحبته أنا والضابط من بين الجثث المهروسة بعناية فائقة. خرج في أيدينا نصفه الأعلى. فقط نصفه الأعلى. كانت أحشاؤه تتدلى. لم يبق منه إلا الرأس والصدر والذراعان. وجهه أسمر مصفر صفرة الموت. كان يتحدث إلينا دون أن يحس بنصفه المفقود. واحتضر بين أيدينا قبل أن نعرف منه ما كان يود أن يقول".
إذا عرفنا أن رواية "الجنون العاقل" هي الرواية الأولى لصاحبها، وأنه كتبها خارج الوطن على شاطئ بحيرة كونستانس بألمانيا عام 1991، وأنه يعمل حاليا في الرواية الثانية، وأنه لا يزال يعيش خارج الوطن، فإننا نتوقع منه عملا روائيا أكثر تماسكا من هذا الجنون العاقل الذي بدا مشتتا بين ذكريات الطفولة والشباب قبل 1967 والخطة التي نفذت بإحكام وما صاحبها من أسلوب مغاير في الكتابة والتعبير بعد الهزيمة وحتى الحصول على الحرية والانتشاء الروحي الذي نجح الكاتب في وصفه مثلما نجح تماما في تصوير لحظات الانتشاء الجسدي في غير فصل من فصول الرواية التي بلغت عشرين فصلا. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية