السينما الروسية تتناول ازمة الجنود الروس في الشيشان

موسكو
المخرجون الروس عبروا عن اهوال الحرب في الشيشان

عرض في منتصف آذار/مارس الجاري العرض الاول لفيلم "الحرب" للمخرج الكسي بالابانوف الذي يعتبر من المخرجين الشباب الموهوبين في روسيا.
وكان الجمهور ينتظر عرض الفيلم بفارغ الصبر وذلك لسببين. الاول انه من اخراج بالابانوف الذي اشتهر بكونه صاحب الفيلمين الرائعين السابقين "الأخ" و"الأخ -2". والثاني لأن الفيلم مكرس لموضوع الحرب في الشيشان الذي يعتبر من المواضيع المعقدة وذات الحساسية في المجتمع الروسي.
وكانت الصناعة السينمائية في روسيا قد عانت طيلة فترة التسعينات، اي ابتداء من لحظة تحول البلاد للديمقراطية، من ازمة اقتصادية والاهم من ذلك من ازمة فكرية. فمجتمع المخرجين السينمائيين اكتشف بعد التخلص من الرقابة الشيوعية وبعد الحصول على حريته بأنه اولا لا يملك مفهوما واضحا عن كيفية استغلال هذه الحرية. وثانيا بان هذه الحرية لا معنى لها من دون وجود اموال. والاموال كانت غير موجودة فعلا.
وسعى السينمائيون لملء الشاشات الروسية بافلام "تقلد هوليوود" كأفلام قتالية وبوليسية بمواد روسية. والنتيجة انه ظهر ان تدفق الافلام الروسية "الحرة" في سنوات التسعينات لم يتعدى كونه تدفقا مقلدا لافلام قليلة الميزانيات لم تقدم لصانعيها لا الارباح ولا المجد.
وعلى هذه الخلفية شكل ظهور فيلمي بالابانوف "الأخ" و"الأخ -2" انعطافا فنيا حقيقيا. وكان الفيلمان مصنوعان على مستوى عال جدا من المهنية كما كتب احد النقاد السينمائيين قائلا "ان بالابانوف مخرج سينمائي يستمد ابداعه من الرب او من الشيطان".
لقد تمكن بالابانوف من فعل ما لم يتمكن من فعله احد من زملائه ومن بينهم اسماء مشهورة. فقد جسد على الشاشة بطلا شعبيا حقيقيا لسنوات التسعينات هو عبارة عن شاب طيب يسعى والسلاح في يده وبأعصاب قوية الى اعادة العدالة الى العالم كما يفهمها. ونظام القيم الذي يؤمن به هذا الشاب سهل وحازم: "ان القوة ليست بالمال وانما بالحق. فالقوة مع كل صاحب حق".
ان افلام بالابانوف لا تتميز بموقف سياسي تصحيحي ومع ذلك اتهم الفيلمين الاولين بالقومية والمعاداة للأمركة. وسيتهم فيلم "الحرب" بالتأكيد بأنه يستفز "امزجة معادية للشيشان"، لانه يصور معاناة الجنود الروس في الشيشان. الا ان المخرج ينفي تلك الاتهامات قائلا "ان الفيلم يعكس الحياة ولا يصنعها. ويجب الكلام عن كل شيء كما هو. واذا كنت تخاف من الزوايا الحادة فالافضل ان تأخذ موضوعا لا يحتوي عليها. هذا كل شيء".
وبطل فيلم "الحرب" جندي شاب وحيد يساعد صديقا بريطانيا على تحرير خطيبته من الاسر دون ان يتوقف امام اي شيء. وحسب منطق الفيلم ان لا خيار امام البطل سوى المقولة التي تفيد: في الحرب اما ان تقتل واما ان يقتلوك.
ان ظهور فيلم "الحرب" يؤكد مسار السنوات الاخيرة الذي يفيد بأن الفنانين السينمائيين الروس لا يخشون التطرق الى الاشكالية الشيشانية والتفكير بها وفهمها بشكل لا يعكس وجهة نظر المجتمع الغربي واليمينيين الروس المتضامنين معه، وبعبارة اخرى يقدمون رفضا ضمنيا لازمة الشيشان تتنافى مع آراء القوميين الروس الذين يصرون على المضي في الحرب لنهايتها.
وكان قد تم في العام 2001 على شاشة التلفزيون الروسي عرض مسلسل بعنوان "عمل رجولي" يتحدث عن عمل الاجهزة الامنية في الشيشان وهو عمل محفوف بالمخاطر ولكنه مطلوب وبطولي. وفي مسلسل تلفزيوني آخر بعنوان "القوة الضاربة" يقع احد ابطال المسلسل من التحريين الذين احبهم الجمهور في الاسر الشيشاني مع تصوير كل تفاصيل بشاعة هذا الاسر. والآن يتم الاعداد لتصوير مسلسل جديد بعنوان "القوة الخاصة" عن عمل وحدة عسكرية من القوات الخاصة في الشيشان.
ان صورة القوات الفدرالية في كل تلك المسلسلات والافلام تبعث على الثقة وكل الشخصيات المسلحة لا تثير التعاطف ولا يخجل أفضل الممثلين والمخرجين الروس من المشاركة فيها. والدولة التي خسرت الحرب الاعلامية الدعائية في الحملة الشيشانية الاولى بين اعوام 1994 - 96 امام المقاتلين الشيشانيين تجري اليوم ومن دون اي تردد وبعد ان تخلصت من عقدة الذنب خطا دعائيا قاسيا حيال الشيشان.
ومن الواضح ان النظرة الى المشكلة الشيشانية داخل المجتمع الروسي قد شهدت انقلابا ارتبط بالدرجة الاولى بأحداث 11 ايلول/سبتمبر في اميركا. واصبح أكبر عدد السكان الروس الذين يرون خطيرا اضفاء الرومانسية على ممارسات الشيشانيين بغض النظر عن اي اهداف طيبة تتم تلك الممارسات من أجلها.