تحليل: مطلوب من قمة بيروت سلام دافئ وتعريف للمقاومة

بيروت - من محمد سلام
السعودية تريد اجماعا عربيا حول مبادرتها

تشهد القمة العربية في بيروت الاربعاء المقبل صداما بين توجهين: السلام الدافئ مع إسرائيل وفق تعريف محدد للمقاومة، والسلام البارد مع إسرائيل مشروطا بعودة اللاجئين الفلسطينيين، حسبما يرى المحللون السياسيون.
التوجه الاول، الذي تؤيده الولايات المتحدة والغرب عموما، تعكسه مبادرة ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبد العزيز عبر رؤيته للتطبيع الكامل مع الدولة العبرية لقاء انسحابها الكامل من الاراضي العربية المحتلة منذ حرب عام 1967 وهو ما يحاول العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بلورته عبر دعوة بلاده القمة العربية إلى تبني آلية تنفيذه.
أما التوجه الثاني، فإن لبنان يتخذ صفة رأس الحربة المعلنة فيه عبر إصراره على تضمين المبادرة السعودية ما يربطها صراحة بموافقة إسرائيل على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الاراضي التي هجروا منها لدى قيام الدولة العبرية عام 1948 وذلك منعا لتوطين ما يقارب 350.000 لاجئ فلسطيني في لبنان.
والموقف اللبناني، الذي يتحاشى المواجهة المعلنة مع المبادرة السعودية، يتمتع بدعم قوي من سوريا. بل أن سوريا، وفق مصادر دبلوماسية عربية وغربية، هي التي تتولى محاولة حشد الدعم العربي الفعلي للموقف اللبناني، من دون أن تتولى هي مواجهة الموقف السعودي مباشرة.
والفلسطينيون، بغض النظر عن تمكن الرئيس ياسر عرفات من المشاركة شخصيا في القمة، يدعمون المبادرة السعودية عامة، ويفضلون عدم الخوض في مسألة حق عودة اللاجئين إلى إسرائيل، لادراكهم أن العالم عموما، ومن ضمنه العديد من الدول العربية، لا ينظرون إلى أي حل سلمي للصراع الشرق أوسطي إلا من زاوية الاتفاق على الحدود الجغرافية لكيانات المنطقة وتأمين التعويضات للاجئين، من دون البحث في عودتهم إلى ما أصبح بعد عام 1948 "دولة إسرائيل".
التناقض بين التوجهين، رغم انطلاقهما من فكرة سلام ما مع إسرائيل، بدأ يتخذ منحى تصادميا في المفاوضات السابقة لانعقاد القمة في بيروت، والهادفة إلى الاتفاق على مسودة بيان ختامي لها، لا سيما أن السعودية تطالب لمبادرتها بإجماع عربي عليها، وفق ما كرره وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل للصحفيين في بيروت.
ويرى المحللون أن الخشية من بروز المنحى التصادمي على سطح مداولات القمة، دفعت الرئيس المصري حسني مبارك إلى التهديد بمقاطعتها، رغم أنه عاد وسحب اعتراضه بعدما توصلت المشاورات بين الدول الاعضاء إلى الاتفاق على صيغة يتم بموجبها تبني المبادرة السعودية، مع تسجيل تحفظ عربي على إقرار السلام الشرق أوسطي من دون معالجة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
والصيغة التوافقية، وفق وصف دبلوماسي غربي بارز، " لا تحسم العودة باعتبارها فعلا ملزما، بل تحسم مبدأ العودة وتترك معالجته مفتوحة على شتى الخيارات".
وأشار المصدر إلى أن الصيغة التوافقية تزامنت مع إعلان موقف من قبل حزب الله "يدين كل عروض السلام مع إسرائيل، بأشكالها كافة، ويرفض التطبيع، ويعتبر أنه ليس من حق أي زعيم عربي أن يفرط بحبة تراب واحدة من كل فلسطين من شاطئ المتوسط غربا حتى الضفة الغربية لنهر الاردن شرقا".
واعتبر الدبلوماسي أن حزب الله، وبلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، "دعا ببساطة إلى إزالة إسرائيل من الوجود، وعدم التفاوض معها على شيء، وتعزيز الانتفاضة الفلسطينية بالمال والسلاح، واعتبر أن مبادرة الامير عبدالله، كما أي مبادرة أخرى، لا تعبر سوى عن نفسها، وهي مرفوضة".
وحزب الله المدعوم من إيران، كما أضاف الدبلوماسي الذي طلب عدم ذكر اسمه، "رفع سقف الرفض، وسقف الجهاد، وسقف المواجهة في وجه المبادرة السعودية، واضعا القادة العرب والعالم أمام الخيار الصعب: هل نلجأ إلى خيار السلام المشروط مع إسرائيل كي نتفادى خيار الحرب غير المشروطة معها؟"
والمواجهة الحقيقية في قمة بيروت، في رأي الدبلوماسي، قد تكون "في الاصرار على اعتماد خيار السلام الدافئ مع إسرائيل وفق تعريف عربي واضح للمقاومة ينسجم مع قرارات الامم المتحدة، وذلك تفاديا لقيام تيارات الرفض الاسلامي والعربي برفع وتيرة المواجهة وإدخال المنطقة في نزاع لم تعد تريد أن تدفع كلفته".
وقال دبلوماسي غربي تتابع دولته عن كثب تطورات عملية السلام في الشرق الاوسط، أن المهمة الحقيقية لقمة بيروت المقبلة هي بلورة الرؤيتين، السعودية والاردنية، في قرارات رسمية تعطيهما دعما عربيا جامعا. وقال المصدر أن ذلك وهو ما يجري العمل عليه الان خلف أبواب موصدة.
ويوضح الدبلوماسي، الذي شرح الاتجاهات المتاحة لصناعة القرار العربي، أن الفترة الفاصلة عن انعقاد القمة في العاصمة اللبنانية تشهد "تجاذبا حادا، وإن يكن هادئا، بين القادة المقتنعين بضرورة إنهاء الصراع مع إسرائيل مرة واحدة وإلى الابد، وبين الراغبين في تجميد الوضع، وشراء الوقت بانتظار تغير ما في ميزان القوى الدولي، لا يبدو مرئيا في أي أفق".
ويقول مصدر آخر انه "لا يوجد بين القادة العرب من يطرح نظرية التصعيد ضد إسرائيل من دون أفق. التصعيد نظرية متداولة، ولكنها ليست نظرية عربية. هي نظرية إسلامية تستند إلى قاعدتين: إيران-حزب الله، والاصولية السنية المتعاطفة مع اطروحات (أسامة) بن لادن".
السؤال هو، في رأي المصدر، "من يتنازل من القادة العرب خوفا من قفزة حزب الله-إيران في المجهول، دعاة التطبيع الكامل، أي السلام الدافئ، أم دعاة السلام المشروط لشراء الوقت؟"
الاجابة لن تتوفر إلا في بيان قمة بيروت الذي، بغض النظر عن توجهه، سيدخل المنطقة العربية مرحلة حسم: حسم لتعزيز خيار السلام، أو حسم لمواجهة خيار الحرب.