قراءة لديوان « شمس أخرى، بحر آخر» لأحمد فضل شبلول

بقلم: محمود عبد الصمد زكريا

إذا كانت كتابة الشعر ليست أساسا علة لفرح الشاعر، بل هي نفسها فرح وابتهاج، حيث في الكتابة تتألف العودة الرئيسية إلى الوطن أو البيت، فإنني بهذا المعنى الذي استشفه أو استشعره دائما ـ والشعر ما أشعرك ـ وربما أخلص إليه كنتيجة أو كأثر كلما قرأت أو استمعت للشاعر الصديق أحمد فضل شبلول، حيث مشروعه الشعري ـ كما أراه ـ أو كما ينبئ عن نفسه هو في مجمله وجل جزئياته مشروع إبداعي يعالج قضية الغربة على مستوييها النفسي والمكاني، وذلك منذ ديوانه الأول "مسافر إلى الله" مرورا بكل دواوينه وصولا لـ "إسكندرية المهاجرة" وهذا الديوان الأخير "شمس أخرى .. بحر آخر" الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2000.

أمواجي ذهبت خلف مقاعدها
حلمت بالبحر الأخضر
وحلمت أنا
بالبحر الآخر
أبدأ هذه القراءة بسؤال لست أدري لماذا يلح علي كمدخل:
إلى أي مدى يمكن للشاعر أن يركن لهذا الاعتبار ـ فرح الكتابة ـ وأن يكتفي به؟
لاشك أن مصداقية القصيدة التي تعزف على وتر المكاشفة الاجتماعية، وقصائد شاعرنا تعزف على هذا الوتر: قال البحر: متى ستعود؟
تجري فوق الماء
تلاطف إسفنج الشاطئ
ترفع للنورس رايات الأفراح
تحدق في رمل البهجة
تقرأ صفحات الأمواج
تجلس فوق مقاهي الكورنيش
تقرأ شعرك للأصحاب الشعراء
وللأصحاب التعساء
وللكرسي المشتاق
يسألك النادل
تطلب منه
تمر عليك بنات الورد
حفاة وعراة
صديق يكتب قصته
وصديق يشهر أحزان الغربة
في بلد صحراوي
وصديق يتحدث عن أحزان العالم
مأساة الفوضى تقتلع قصائده الأخرى
هذه المكاشفة تنوء بقلق حضورها الذي تحفه بعض المخاطر الفنية، بداية من اصطدامها بالقناعة النقدية القديمة والمترسخة عن الشعر العربي (أجمل الشعر أكذبه) إلى ما يترسخ في قناعة الشاعر من ضرورة الإمساك بتلابيب آليات الخطاب الجماهيري انطلاقا من فهم متحمس لدور الشاعر في مجتمع تنهض فيه آلام إنسانية موجعة يأتي على رأسها بالنسبة لشاعرنا ألم الغربة: كان عزاءك
في غربتك الشعرُ ..
مرورا بوعي الشاعر بضرورة تحقيق الانسجام الجمالي ـ وهو ما يقع في وعي شاعرنا بقوة ـ وهو ما أشار إليه أرسطو حين قال: "إن دور الشاعر ينحصر في الانسجام التركيبي للجمال". ومنها أيضا ضرورة الاحتفاء التقني بآليات الخطاب التشكيلي من صور ومجازات انطلاقا من عقيدة صياغية تهجس بالرغبة في الإحاطة بأكداس الهموم الاعتيادية: نظارتك الطبية
تتحسس جيبك
صندوق النقد
فاروس ـ بلاد النفط ـ سيارات الإسعاف ـ قلعة قايتباي ـ مئذنة أبي العباس
والهموم المفارقة: ـ بنات الورد ـ ماء البردة ـ الأسئلة الخضراء ـ أنين الملح ـ الكنز العربي الأكبر. بما هي هموم مبدع له خصوصيته التي تميزه عن العادي، وكل ذلك في حقيقة الأمر أراه بين محتملين، فإما أن يحقق الفرح الحقيقي للقصيدة، وإما أن يكون سببا في إجهاض هذا الفرح، وهنا مكمن الخطر خاصة حينما تقابل القصيدة ذائقة متحفزة تتململ وتتوتر مع الغناء الباهت أو التقليدي، أعني الرتيب غير المدهش، الأمر الذي يصعب معه موقف القصيدة الراكنة لقناعة الانسجام نغميا أو فكريا، حسيا أو معنويا ـ حيث الشعر لا ينبع من الانسجام بقدر ما يفتقه التوتر ـ خاصة والمشروع الشعري الذي تفرضه المعاصرة العربية الآن في عمومه، هو مشروع يتسم بالتثوير بشقيه ثورة الشعر وشعر الثورة، وهو مشروع يفترض موهبة حقيقية فذة لا تركن كثيرا إلى ما يشبه الفسيفساء الجدارية الصامتة، أو المراوحة الموسيقية المجردة، لأن ذلك من شأنه أيضا أن يجهض فرح الشعر، إلى أي مدى إذن استطاع أحمد فضل شبلول أن يحقق لقصيدته فرحها الحقيقي ومصداقية حضورها وأمانة هذا الحضور الذي يفارق المعيار النقدي القديم (أجمل الشعر أكذبه) إلى (أجمل الشعر أصدقه) ؟ ..
تقريرا شاعرنا حالم عاشق: صباحا في الحلم
تشبثت بألحان البحر
يمتد البصر إلى أقصى الغرب
يرتد حسيرا
يمتد القلب إلى أقصى الشرقِ
يعود أميرا
لكن عشقه الشرقي وحلمه الصباحي يظلان في حالة اتزان دون توفز ودون استمطار لشآبيب الوعد المستحيل، فشاعرنا أحمد شبلول يستطيع بهدوء وثقة أن يضع يديه على آليات حضوره وفرحه الشعريين بما يجعلنا نقف ـ كنتيجة ـ على الإجابة الموضوعية لسؤالنا المطروح:
أول ما نلحظه من هذه الآليات هو انفصال الشاعر أو الذات الشاعرة عن العناصر، ومن ثم التعامل مع هذه العناصر إما بحيادية أو بندية، والثانية هي الأظهر في هذا الديوان: أنكرك البحر
وخيل المتنبي
أنكرك النورس
خلعتك تفاعيل أبي تمام
لم تلجأ للنثر
تشبثت بألحان البحر
تصحو كلمة "اقرأ"
في آذان الكون
تقرأ تلك الأمطار
وتعرف تلك الموجات
بأن الشاعر سوف يجئ
تتفجر طاقات الشمس
وترسل في عيد القمح أشعتها
يتحول إصبعك إلى
سنبلة من نور
يجئ إليك الجني
بعرش مائي
يغرقه الشعراء المنفيون
يدوس عليه بخار الماء بقلعتك
والنتيجة:
ترفع أعلامك
وتعود لتبدأ دورة شمس أخرى.
تلك الندية التي تحقق مفهوم التثوير، تنفي بالمقابل مفهوم التوحد والتخلق ـ من ـ وفي ـ العناصر .. اللهم إلا في سطر شعري يعد تركيبا جماليا فذا هو: يتحول إصبعك إلى سنبلة من نور .. الشاعر إذن في حالة غربة عن العناصر: البحر .. الرمل .. النورس .. الشاطئ .. المئذنة .. القلعة .. حتى الموسيقى الساحرة العذبة، لكنه في حالة عشق لكل هذه العناصر، ومن ناحية أخرى فإن هذا العشق يجعل من العاشق والمعشوق ندين:
هل شاعرنا بطل تراجيدي؟
ولكن ثمة مفارقة مأساوية تنجزها هذه الندية، حتى في الشعر نفسه: انقسمت خيل الكلمات
إلى بحرين
خيل تعدو لتشق جبال الأمواج إليك
وخيل ترمح فوق القرطاس
وكأن الكتابة نفسها في حالة انفصال عن التجربة الواقعية أو الحياتية، وتلك علامة استفهام كبيرة تستشعر الإجابة عنها من كون شاعرنا يصطحب دائما في تعامله مع عناصره تلهفا متباهيا إلى الوعد الأكمل والأجمل، وعد التوحد، ونشدان إنساني مشرئب بقامته للعدل والخصب، رغم تحقق هذه المسافة الدرامية التي تجسدها الصياغات الذاتية المناشدة والتي يجهش بها غناؤه الشعري الذي يترقرق على سطح التوتر الوجداني الذي يقيم حوارا مع الآخر لعل البشارة تولد من رحم الفن، ومن ثم فإن شاعرنا يقف دائما على حافة موضوعه الشعري متسربلا بالعناصر القلقة ذات الوجود الناقص أو المغيب، ومن ثم فإنه يتحقق من خلال هذه المماحكة التعادلية أو هذه الموازنة التي تحاول تسييد أو تغليب صوت الذات الشاعرة رغم عدم ميل الشاعر فنيا للقرار الأحادي: هل هذا بحرٌ
أم ..
كذب القلبُ
وخانته الرؤية ؟
الملاحظة الثانية: هي ما يمكن أن أسميه بالشفوية في قصائد أحمد فضل شبلول، وأعني بها السردية، وهي نتاج طبيعي للحضور الطاغي لصيغة المتكلم ـ الشاعر ـ وهذا يعني أن السردية تواكب الحديث الذاتي الصريح في هذا الشعر: أمواجي ذهبت ـ أمواجي انتبهت ـ كنت أغازل ـ قال البحر ـ حدثك صديقك ـ كان صديقك ـ تصافح أهرام ـ تشهر أحزان ـ يأتيك الآن ـ كان أبوك ـ إن البحر ـ إن النيل ـ إن سماء. غير أن هذه السردية أو الشفوية وهي تتملى تفاصيل المشهد الشعري ـ الواقعي ـ تطل أسيرة عدم اكتفائها أو ثقتها برؤيتها الأوحدية، فهي في محاولة دائمة لاختراق اللحظة أو الحدث والغوص فيه بما كان من شأنه أن يحقق أمورا منها على سبيل المثال:
1 ـ تجسيد العلاقة العضوية بين الذات الشاعرة والآخر (عناصر ـ طبيعة ـ بشر).
2 ـ التعبير عن شمولية الرؤية، أو بتعبير آخر كونيتها.
3 ـ تصعيد الدراما للرؤى المواقفية، أي التي تبلور موقف الشاعر بما يحقق ترسيخا أقوى لمضامين النصوص الشعرية.
الملاحظة الثالثة: هي مصداقية السعي والانتظار والتخاصم الرومانسي، فتلك مصداقية متحققة بسهولة ملحوظة، وربما كان ذلك بديهيا في إطار تعرفنا على المناخ الذي تتحرك فيه النصوص فكريا وفنيا، وهو المناخ الذي أسسته حميمية الخطاب الواقعي الشعري الذي يتوجه به الشاعر والذي يغلب عليه أحيانا الحس العدمي إن صح التعبير، والأدق ديمومة الوجع: أكلنا من خشب السفن الغرقى
كذب القلب وخانته الرؤية
يتخطفنا الموت / يحط قوادمه فوق الأحلام
لم يعد بحرنا من بلاد الرؤى أو بلاد المنافي
إننا تائهون / في ضباب السكون
هل يتوالى الرحيل المرير؟
من فراغ يصاحب أهواءنا / المائلات عن الافتراض الأخير
ذهب البحر / لم يتعاقد مع اسكندرية
تجرثم الدم
انهمرت دموع وردة الصباح
اندثرت بلاد / وانطمست أمامنا ملامح العباد
أو يغلب عليه أحيانا أخرى عذاب التوزع بين ارتقاب الفرح، ويقين الموت أو الانتهاء، وهو ما يتحقق عادة بصيغة السؤال:

لمن نردد الأغاني / في مسيرة الشروق / ونكتب القصائد ؟
لمن تجئ هذه البروق ؟
لمن سيكون المحار ـ الزبد ـ مويجات هذا الحنين ـ ..
عندليب البحار / يعود إلى شاطئ الانتظار / يتساءل / عن موعد الانشطار . إلى آخره.

أو يلجأ إلى تقمص روح الحكيم الذي يحاول النصيحة أو الرجاء:

فاقرءوا الفاتحة
علَّه يتذكرنا
وهو يسبح في مسكه ..

وهو في كل هذه المواصفات يمارس ولعه الخاص باجتراح حضور الشاعر الغيور على بيته، وطنه، مدينته، حضور القول الحزين أو المُحرّض أو حتى اليائس، هذا الحضور الذي يظل بالنسبة لأحمد شبلول حضورا متسائلا أو محبطا أو إراديا .. فقط هو يقف أمام واقعه المغترب مادا بكلتا يديه في وجه هذا الواقع غير المفرح.
وإذا كنا على وعي بالمشاطرة الفكرية لعذابات الشاعر، وهو يتأرجح بين الرجاء والانتهاء، بين التحدي والاستنامة، وفي ظل مشهد آخر خارجي يجاهد لصبغ المشهد التاريخي والإنساني العربي بصبغة مُضللة من مدعي حداثات زائفة، فإنما واضح في وعينا تماما حيثيات ظمأ قصيدة أحمد فضل شبلول إلى فرح أكثر توثبا وأكثر جرأة على المغامرة في اللغة وليس بها .. هذا الفرح الذي يتخلق بالضرورة من العلاقة بين خارج المشهد الشعري الاجتماعي وداخله، كذلك العلاقة الدلالية والجمالية، ففي الشعر، وفي الشعر تحديدا، وعلى وجه الخصوص، ثمة تجربة ينصهر فيها الشاعر ويطل منها عبر فيض التلهف، ويغزوها من خلال الدخول الظاهري في دوامة الشعور، فتغزوه هي من خلال الانفلات الباطني لبعض التراكمات الحسية والمعنوية والقناعات المترسخة داخليا، وتلك هي حال شاعرنا مع تجربة الغربة أو التجربة الأم حتى الآن لمشروعه الشعري.
وبعد ..
تبقى هذه القراءة السريعة مجرد تحية متواضعة من صديق شاعر ـ أو يدعي أنه شاعر ـ يحاول أن يرفرف بروحه الظمأى على واقع أكثر عدلا وإنصافا وتحررا وإنسانية .. إلى قصيدة أكثر فرحا بشعريتها .. صديق يشعله الحلم الجميل الصعب لكنه ليس الحلم المستحيل. محمود عبد الصمد زكريا