المدخل للمبادرة السعودية، إنهاء الاحتلال أولاً

بقلم: حنا عميره

عِشنَا وشفنا حكومة شارون تدافع عن قرار مجلس الأمن 242، والمقصود طبعاً بهذا الدفاع، ليس القرار بجميع أجزائه وبنوده، وإنما ما يخدم تفسيرها المنقوص وغير المتوازن لهذا القرار.
ففي تعقيبه على المبادرة السعودية، أشار شارون إلى أنها غير مقبولة عليه، ثم قال رعنان جيسين، مستشار شارون، بأنها تبطل مفعول القرار 242، الذي لا يتحدث من وجهة نظره عن انسحاب اسرائيل الى حدود الخامس من حزيران عام 1967. كما وردت مثل هذه العبارة على لسان جدعون ساعر سكرتير الحكومة الإسرائيلية.
وفي نفس هذا السياق، جاءت ردة فعل شمعون بيرس وزير الخارجية الإسرائيلية، الذي تحدث عن الفارق بين القرار 242، وبين الانسحاب الاسرائيلي الشامل من المناطق الفلسطينية المحتلة. لكنهم جميعاً تحدثوا عن أهمية فتح قناة تفاوضية علنية أو سرية إنفرادية ومباشرة، مع المملكة العربية السعودية لمعرفة تفاصيل هذه المبادرة.
ماذا يعني ذلك؟ انه يعني ان الحكومة الإسرائيلية، تريد تجزئة هذه المبادرة، بالتفاوض على تفاصيلها وتفاصيل تفاصيلها، وسيستغرق ذلك بعض الوقت تستطيع من خلاله، تسوية علاقاتها مع السعودية ومن بعدها مع دول الخليج، ومن ثم مع باقي الدول العربية، واستبعاد مبدأ الانسحاب الشامل من المبادرة، والابقاء على مبدأ التطبيع الشامل، أي وضع عربة التطبيع امام حصان الانسحاب، وبالتالي تفريغ المبادرة السعودية من مضمونها، وتجريدها من أية قيمة عملية او ذات فائدة.
ويبدو ان موقف الادارة الاميركية، لا يبتعد كثيراً عن الموقف الرسمي الاسرائيلي. فعلى الرغم من وصف الرئيس جورج بوش للمبادرة بأنها مشجعة، الا أن الناطق باسم البيت الأبيض، عاد وأكد أن المدخل يجب ان يكون من خلال تطبيق خطة تينيت وتوصيات لجنة ميتشيل. وتحدث ايضاً عن ضرورة الاتصال مع المسؤولين السعوديين للحصول على تفاصيل اضافية!
نحن خبرنا هذه المواقف الأميركية – الاسرائيلية منذ سنوات طويلة، وخاصة تلك المحاولات التي تسعى لجني المكاسب دون دفع الاستحقاقات، ولقلب الحقائق رأساً على عقب. وحتى الآن لا نزال نذكر، حجم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على جميع الدول العربية، بعد التوقيع على اتفاق اعلان المباديء قبل تسع سنوات. وكان العنوان الرئيس لهذه الضغوط، مكافأة اسرائيل لموافقتها على اتفاق اوسلو، بتطبيع العلاقات معها ورفع المقاطعة العربية عنها وذلك قبل تنفيذها للإستحقاقات المترتبة عليها.
لقد كان هذا ولا يزال، هو المطلب الأول للإدارة الأميركية، الذي ترفعه في وجه الدول العربية، وقبل أن تقوم اسرائيل بأية خطوة عملية، لتأكيد نواياها الجدية والحقيقية في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والإيفاء بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها، بموجب الاتفاقات المعقودة معها.
ومع ذلك يتوجب القول ، بأن المبادرة السعودية ليست بحاجة، الى محادثات او مناقشات او اتصالات انفرادية، كما انها ليست بحاجة الى أي لقاء مسبق، على أي مستوى بين السعودية واسرائيل، فالعنوان الرئيسي الذي يجب أن تتفاوض معه الحكومة الإسرائيلية هو القيادة الفلسطينية.
لذلك فإن الخطوة الأولى لتنفيذ هذه المبادرة، تتطلب اعلاناً اسرائيلياً رسمياً بالاستعداد، للانسحاب من جميع الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ومن ثم يكون التفاوض على جدولة الانسحاب وبعد ذلك أو خلاله يأتي التطبيع، وحسب هذا التسلسل يمكن للولايات المتحدة وللمجتمع الدولي أن يقوما بدورهما.
ان الكرة يجب ان تبقى في الملعب الاسرائيلي، ونقطة الانطلاق في المبادرة السعودية يجب ان تكون انهاء الاحتلال أولاً وحل قضية اللاجئين. وهذا ما يتطلب من القمة العربية القادمة في بيروت، بلورته في مبادرة سياسية عربية شاملة، تساند الشعب الفلسطيني، وتدعم نضاله من أجل تحقيق اهدافه.
وهنا يتوجب التأكيد، بأنه لا يمكن لهذه القمة، أن تنجز مهمتها بمعزل عن أصحاب القضية المباشرين، أي الشعب الفلسطيني وقيادته، وبدون حضور الرئيس ياسر عرفات للقمة العربية، وهذا أقل ما يمكن تقديمه لتعزيز الموقف السياسي الفلسطيني.
إن تحويل المبادرة السعودية، الى مشروع عربي جماعي في القمة القادمة، على أساس شرط الإنسحاب الشامل، من شأنه أولا أن يضع حداً للهرولة العربية نحو التطبيع مع إسرائيل، قبل انسحابها من جميع المناطق الفلسطينية والعربية المحتلة، وثانياً أن يقدم تفسيراً واضحاً ومحدداً للقرار 242، يزيل الغموض أو سوء التفسير المتعمد لبنوده، وثالثاً أن يؤكد الحاجة للحل العادل والشامل، وليس لأي حلول مرحلية جديدة، تقوم على نصف انسحاب أو ربع انسحاب اسرائيلي مقابل السلام الشامل.
وسيبقى التحرك الأميركي – الإسرائيلي ، الرامي الى جني المكاسب دون دفع الاستحقاقات، والى الحصول على التطبيع دون الإنسحاب، مصدراً للقلق العميق، وهذا ما يتوجب الاحتياط له ومواجهته بمختلف الوسائل. حنا عميره، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني