تحليل: هل سيحاول العسكريون الاسرائيليون السيطرة على السلطة

بقلم: الكسندر كوليك

يجري السياسيون الاسرائيليون والرأي العام الاسرائيلي تقييما لسياسة ادارة حكومة اريل شارون بعد سنة من تقلدها السلطة، وكما يظهر من استطلاعات الرأي فان غالبية الاسرائيليين اليساريين منهم او اليمينيين مقتنعون بان رئيس الحكومة لم ينفذ اي من وعوده الانتخابية، فهو ينتقد بسبب فشله في القطاعات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية وفي قطاعات اخرى, الا ان الاتهام الرئيسي مرتبط بعدم قدرة الحكومة الائتلافية لشارون وبيريز على حلّ مسألة ضمان الامن للسكان الاسرائيليين.
ان حلّ هاتين المهمتين الاساسيتين من قبل ادارة النخبة الحاكمة القيت على عاتق القوات المسلحة والاستخبارات, التي تنسق نشاطاتها مع القيادة العامة للقوات المسلحة برئاسة الجنرال شاوول موفاز.
الا ان الاجراءات التعسفية لم تعط النتائج المتوخاة فقمع الانتفاضة الفلسطينية لم يتحقق، واكثر من ذلك فالمقاومة تزداد، وفي هذا السياق فان وضعا غير سهلا بدأ ينشأ داخل القوات المسلحة الاسرائيلية.
ومع تحليل قدراتها القتالية ودرجة استعدادها للنشاطات العسكرية الواسعة ضد "عدو محتمل" كالدول العربية المجاورة بالدرجة الاولى فان المحللين السياسيين الاسرائيليين والخبراء العسكريين يشيرون الى التفوق العسكري الاسرائيلي الذي لا جدال حوله.
وفي الواقع فبفضل التعاون الاستراتيجي العسكري الطويل الامد والثابت مع الولايات المتحدة والمساعدات المالية والعسكرية الضخمة الاميركية ووجود اسلحة نووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل لدى اسرائيل اضافة الى غياب الوحدة في العالم العربي يبقي الجيش الاسرائيلي احد اقوى الجيوش في منطقة الشرق الاوسط والادنى.
الا انه وبالرغم من ذلك ولسخرية القدر ففي داخل اسرائيل وحول قيادة القوات المسلحة الاسرائيلية يزداد الوضع تفاقما عاما بعد عام. فمنذ زمن ليس بالبعيد قدم اليهود الاسرائيليون الدعم لفكرة ضرورة وجود جيش قوي لان اسرائيل حسب رأيهم محاطة بالاعداء.
إلا ان انخفاض التهديدات العسكرية الواقعية من جانب الدول العربية بعد حرب أكتوبر العام 1973 وعقد معاهدة الصلح مع مصر والبدء بمسيرة السلام الشرق اوسطية في العام 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي الحليف الرئيسي للعرب اضعف الدور الهام للجيش في المجتمع والدولة.
فالقوات المسلحة الاسرائيلية تفقد دورها تدريجيا كسند للدولة في معركتها من اجل البقاء وضمان امن السكان. وتقوى بوادر الاستياء من تدخل العسكريين في حياة المجتمع وعمليا تعتبر الخدمة الإلزامية لدى كل من بلغ سن الرشدعبئا ثقيلا، ولم تعد تعني الواجب الروحي والوطني.
وأدى نمو الاتجاهات الليبرالية بما في ذلك تحت تأثير المهاجرين من الدول الاشتراكية السابقة إلى نشر المزاج المعادي للجيش. فـ "اليهود السوفيات" بدأوا اولا بمعارضة الرقابة العسكرية المتشددة ودعوا الى حرية الاعلام. وهم بالذات طرحوا فكرة الغاء التجييش العامة.
وبالرغم من اندلاع العنف الاسرائيلي الفلسطيني حاليا فان موقف عامة السكان في اسرائيل يفضل التخلص من المنازعات الدائمة مع العالم الخارجي مع السعي للحياة الطبيعية ويحاولون التهرب من الخدمة في الجيش.
وتعترف وزارة الدفاع بان 16 بالمائة فقط من الاحتياطيين النظاميين يخضعون سنويا للتأهيل، وان عددا اكبر من الشباب الاسرائيلي يرفض الالتحاق بالخدمة وقد سئمت الكوادر العسكرية من تنفيذ الوظائف البوليسية المذلة في قمع المظاهرات الفلسطينية العامة.
وبسبب ان معظم وسائل الاعلام الخاضعة لتأثير "الليبراليين الديمقراطيين" فغن ذلك خلق مزاج معاد للجيش وهي ساهمت في افقاد معنويات العسكريين الاسرائيليين الذين كانوا يعتمدون على ذلك البريق المفعم بالبطولة وعدم الشعور بالذنب.
وتسوق الصحف اعترافات لكوادر عسكرية بأنهم توقفوا عن الاعتزاز بالخدمة في الجيش وقد اضطروا للباس البزات المدنية أثناء خدمة الاحتياط من اجل تجنب الاهانات من جانب مواطنيهم.
وتنشر وسائل الاعلام الاسرائيلية بسعادة خاصة تفاصيل الفضائح المتعلقة بالعسكريين، ومرد ذلك يعود لحقيقة أن قيادة الجيش في الفترة الاخيرة اضحت بايدي السفارديم اي اليهود المتحدرين من الدول العربية وغيرها من "الدول الشرقية". وفي الماضي كانت المناصب العسكرية العليا هي للاشكناز الذين يمثلون المتحدرين من روسيا والدول الاوروبية.
وأصبح هذا العامل يستغل من قبل وسائل الاعلام ذات الاتجاهات المعادية للجيش ومن بعض الكوادر العسكرية الاشكناز من اجل التأكيد على ان الجيش يجري احباطه لان قيادته بها "اكراد جاهلون".
وتلعب الصحافة ايضا على واقع ان قائد هيئة الاركان الحالي شاوول موفاز هو من السفارديم، حيث تعود اصوله إلى إيران "العدو الشرير" للولايات المتحدة والمدرج اسمها في قائمة ما يسمى بـ "محور الشر".
وتسعى الصحافة الاسرائيلية بشكل متواصل لاقناع قراءها بان انتقال الجنرالات السابقين الى السلطة ولا سيما اسحاق رابين وايهودا باراك واريل شارون اوصل الى تعقيد الاوضاع السياسية الداخلية وحسب وهو السبب الرئيسي في استمرار الازمة السياسية لمدة طويلة.
وفي الحقيقة ففي الفترة الاخيرة وتحت تأثير الهجمات الفلسطينية الكثيرة على الاحتلال الاسرائيلي فان اوساط "الليبرالية الديمقراطية" ووسائل الاعلام التي تخضع لسيطرتها خفضت من مزاج معاداة الجيش الا ان هذا المزاج يبقى مستمرا في اشكال متخفية.
والتأثير الجدي على الوضع حول القوات المسلحة الاسرائيلية اظهره عدم رغبة العسكريين والسياسيين من القادة في البلاد بالاعلان عن حقيقة نتائج الصدامات العسكرية مع الدول العربية المحيطة.
فالسياسيون والعسكريون الاسرائيليون يركزون على ان الجيش انتصر في كل الحروب الواسعة مع العرب /1948 - 49, 1956, 1967 وفي العام 1973.
وفي الواقع فان الامر هو كذلك ولكن ذلك ليس الحقيقة كلها. فقد كان هناك ما يسمى بحرب الانصار وخاصة مع الفلسطينيين وقوات المقاومة اللبنانية التي جابهت الاسرائيليين في جنوب لبنان وكل هذه الحروب خسرتها اسرائيل.
لقد جرى الامر على هذا النحو في زمن الانتفاضة الفلسطينية الاولى ضد المحتلين، فالجيش الاسرائيلي المسؤول عن السيطرة الادارية والعسكرية على الاراضي المحتلة لم يتمكن من تجنب وقمع الاعمال الشعبية والعصيان المدني من جانب الفلسطينيين بالرغم من ان الشباب العربي كانوا "مسلحين" بالعصي والحجارة وحسب.
وانتهت الانتفاضة حينما اعترفت اسرائيل بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد له، وانتهت المحادثات مع هذه المنظمة التي يرأسها ياسر عرفات كما هو معروف بنصر للفلسطينيين من خلال التوقيع في 13 ايلول العام 1993 على اتفاقية سلام في واشنطن.
والخسارة الثانية للقوات المسلحة الاسرائيلية كانت في حرب الانصار في جنوب لبنان التي خاضتها المقاومة اللبنانية ضد الاسرائيليين ابتداء من العام 1978 بدعم من سوريا وايران. في هذه الحرب شارك العسكريون الفلسطينيون الموجودون في لبنان بنشاط ومن اجل قمع المقاومة قامت اسرائيل في العام 1982 بهجوم واسع على لبنان. والمبادر والمنفذ لهذه العملية كان اريل شارون الذي كان حينها على رأس وزارة الدفاع. ووفق تقديرات العديد من الخبراء العسكريين فان نشاطه هذا عرض النظام السياسي الاسرائيلي لتجربة قاسية وقد وصفها المحلل السياسي الاسرائيلي زائيف شيف بـ "الانقلاب العسكري الاول في تاريخ اسرائيل".
وبالطبع لم يكن ذلك بانقلاب بالمعنى التقليدي. فشارون لم يستخدم الجيش لحل البرلمان ولم يعتقل زملاءه الوزراء كما ان النظام السياسي في البلاد بقي من دون مساس وحتى ان قرار الهجوم على لبنان اتخذته الحكومة الاسرائيلية، الا ان "الانقلاب" يتمثل في ان شارون لم يطلع الحكومة على المهمات الواقعية التي وضعها كوزير للدفاع امام الجيش.
واضافة لذلك ففي خلال النشاطات العسكرية اتخذ القرارات التي تعارض الاوامر الحكومية. فالجيش الاسرائيلي ومع تنفيذه لاوامر وزير الدفاع داس عمليا على المؤسسات السياسية في البلاد خدمة لمصالح الاطراف الاكثر تطرفا في قيادته. فالعسكريون برئاسة شارون سعوا لتحطيم قوات المقاومة الفلسطينية واللبنانية وفرض "نظام جديد" في لبنان وايصال القوات اليمينية المسيحية الى السلطة والتوقيع معها على معاهدة صلح.
فالام انتهت "الحرب القذرة" في لبنان امر معروف، وبالمحصلة فان شارون لم يدعمه حتى رفاقه في نخبة القوات المسلحة واضطر الى الاستقالة الا انه ومع اقالته من الجيش ليس بسبب مخالفته للاوامر الحكومية ولكن عمليا بسبب ما اشير حينها الى مشاركته "غير المباشرة" في مجازر مخيمات الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا التي نفذتها تشكيلات مسلحة من اليمينيين المسيحيين. واستمرت المقاومة المسلحة بالرغم من اضعاف القوات الفلسطينية واللبنانية بشكل كبير في العامين 1982 - 1983. فصيف العام 2000 اضطر الجيش الاسرائيلي للانسحاب من لبنان معترفا بهزيمته.
ومثل هذا الوضع يتكرر الان في الضفة الغربية وفي قطاع غزه. فالظاهر يبدو وكأن الجيش الاسرائيلي هو المنتصر على الفلسطينيين الا ان القيادة العسكرية الاسرائيلية برئاسة موفاز وضعت في موقف حرج: فهي لم تتمكن من قمع الانتفاضة وايقاف الهجمات الفلسطينية ضد السكان والعسكريين الإسرائيليين. ويؤكد العسكريون على ان بامكانهم حل المهمة فقط في ظروف اعادة احتلال الاراضي الفلسطينية مجددا ومع اعطائهم "كامل الحرية في تنفيذ مهامهم" الا ان شارون والمقربين منه وكما يبدو ادركوا ان "الجيش ليس بوسعه قمع انتفاضة شعب.
واضافة لذلك فان شارون يخشى بان تدفع الاوامر السياسية باعادة احتلال كاملة للاراضي الفلسطينية حزب العمل للخروج من الائتلاف الحكومي الحالي. وفي هذه الحالة فان حكومة شارون ستكون مهددة بالاستقالة وبالاضطرار للاعلان عن الدعوة لانتخابات برلمانية غير مستعدة لها النخبة السياسية حاليا.
وعليه فق اصبح الوضع أشبه بالمأزق وبات "المسؤول عن كل هذه الخطايا" هو الجيش مجددا ويبدو ان دور "كبش المحرقة" قد اعدّ له وفي هذه الحالة فان مثل هؤلاء العسكريين المطيعين كموفاز بدأوا يتعرضون لانتقادات من النخبة السياسية بسبب "غياب إستراتيجية دقيقة وتكتيك في مواجهة الفلسطينيين".
وحسب رأي مصادر مطّلعة فان كل ذلك يدفع للتأكيد بان القيادة العسكرية يمكنها انتهاك مبدأ "الجيش خارج السياسة" وان تسيطر على السلطة من اجل "فرض النظام" على الحلبة السياسية الاسرائيلية واخراج النزاع الفلسطيني الاسرائيلي من مأزقه الحالي. فمن المحتمل اذا ان الانقلاب العسكري محتمل بالكامل. فبالنسبة للجيش الاسرائيلي فان مثال تركيا يمكن ان يصيبه بالعدوى حيث العسكريين استولوا عدة مرات على السلطة في الثمانينات بسبب عدم قدرة البنية المدنية السياسية على "فرض النظام".
الكاتب مراقب سياسي في وكالة الأنباء الروسية الروسية