مؤرخو اسرائيل الجدد يرفضون اساطير الدولة العبرية

المؤرخون يرون أن اسرائيل قامت على ارهاب الفلسطينيين وطردهم

لندن - فجرت كتابات ما عرف في الدولة العبرية بالمؤرخين الجدد الكثير من الجدل في الأوساط الإسرائيلية بسبب ما قام به هؤلاء المؤرخون من مراجعات للتاريخ الرسمي للدولة العبرية وخاصة لمرحلة تأسيسها مما أضفى على تلك المرحلة هالة من الأسطورة والقداسة في عيون الإسرائيليين.
وكشف التأريخ الجديد حجم العنف والإرهاب والمجازر التي رافقت قيام هذه الدولة كما كشف أيضا عن الرفض المستمر لقيادتها لمحاولات السلام مع العرب إذا كان من شأن ذلك أن يحد من توسعها على حسابهم.
ففي النصف الثاني من الثمانينيات ظهر في الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية نوع جديد من الكتابات التاريخية التي تتناول نشأة الدولة العبرية، قامت على دحض الرواية الرسمية لهذه النشأة وقدمت بدلا منها رؤية أكثر نقدا للحركة الصهيونية سواء بالنسبة لعلاقة الحركة باليهود المهاجرين أو بالنسبة لعلاقتها بالشعب الفلسطيني.
وقدمت تلك الكتابات رؤية أكثر اقترابا من وجهة النظر العربية في سردها للأحداث التي صاحبت قيام إسرائيل. وقد أثار وجود هذه الدراسات ردود فعل قوية بين المؤرخين الإسرائيليين خاصة المخضرمين منهم والمفكرين بصفة عامة بحيث لم يقتصر الجدل على الساحة العلمية فقط، بل تعداه إلى الساحة الثقافية بشكل عام، وأصبح يطلق على أصحابها اسم "المؤرخين الجدد".
وفي دراسة لها تحت عنوان "المؤرخون الجدد وإعادة النظر في المسلمات الصهيونية" تذهب الدكتورة إيمان حمدي أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة إلى أن بروز ظاهرة "المؤرخين الجدد" ترجع في وجه من وجوهها إلى قيام الحكومة الإسرائيلية بإلغاء الحظر على الوثائق الرسمية التي مر عليها ثلاثون عاما، مما مكن هؤلاء المؤرخين من الاطلاع لأول مرة على وثائق الفترة التي صاحبت قيام الدولة العبرية والتعرف على الكثير من الحقائق التي كانت خافية وراء الروايات الرسمية للدولة.
واعتبرت الدكتورة حمدي أن نضج المجتمع الإسرائيلي وتطوره خلال العقود السابقة وتأثره بالكثير من الأفكار الغربية، خاصة في ما يتعلق بالمبادئ الليبرالية، وتحوله إلى الرأسمالية بما تحويه من تشجيع للنزعة الفردية يسّر ظهور العديد من الأفراد الذين تخلوا عن النظرة الأيديولوجية للمجتمع لصالح رؤى أكثر براغماتية وواقعية، وتزامن ذلك مع تراجع احتكار الدولة والمؤسسات الرسمية لكتابة التاريخ وسرد العلاقة بين اليهود وغيرهم، الأمر الذي مهد في الثمانينيات لظهور رؤية نقدية للتاريخ اليهودي المعاصر.
وتذهب الدكتورة حمدي إلى أن هؤلاء المؤرخين الجدد يتميزون بصفة عامة بخاصيتين أساسيتين مكنتهما من الخروج من حصار الثقافة الرسمية للدولة أولاهما أنهم من مواليد الأربعينيات، أي أنهم لم يشهدوا قيام الدولة ويتأثروا بـ "معجزة الميلاد"، بل على العكس نضجوا في ظل مجتمع ينتقل ما بين الاشتراكية والفردية وما بين الانتصار المبهر في عام 1967 إلى الانكسار العسكري في عام 1973 وعام 1982، مما جعلهم يتشككون في القيم التي تلقنها لهم الدولة.
أما السمة الثانية كما ترى الدكتورة حمدي فتكمن في أن معظمهم عاش فترة طويلة خارج الدولة العبرية لإتمام دراساتهم العليا في الغرب، وأن هذه التجربة جعلتهم ينظرون إلى ظواهر مجتمعهم عن بعد ويتبنون نظرة نقدية تجاهه، فضلا عن تأثرهم بالنظريات الغربية في العلوم الاجتماعية التي ترتبط بظاهرة ما بعد الحداثة، والتي تقوم على رفض وجود حقيقة واحدة للأحداث.
وتضيف أن المؤرخين الجدد يرون أن التاريخ الرسمي للدولة الصهيونية قد عمد إلى تقديم تفسير سطحي ومتحيز للأحداث التي واكبت قيامها وجرى حذف كل ما يمكنه أن يعطي صورة سلبية لها، وذلك لسببين أساسيين: أولهما أن الذين كتبوا هذا التاريخ لم يكونوا مؤرخين بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كانوا مسجلين للأحداث، كما أن معظمهم قد شارك في حرب عام 1948، وبالتالي لم يكونوا محايدين في رواياتهم.
وثانيا أن وجهة النظر الرسمية في الدولة العبرية كانت ترى في كتابة التاريخ بهذا الشكل أمرا ضروريا نظرا لأن استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي كان يحتم رسم صورة إيجابية للدولة العبرية، لأن إبراز أخطائها من شأنه أن يضعف من موقفها السياسي في صراعها مع العرب، أما الآن فيعتقد المؤرخون الجدد أن المجتمع الإسرائيلي قد اكتسب نضجا يجعله في غنى عن الأساطير التاريخية التي عاش عليها والتعرف بصدق على جذور الصراع العربي ـ الإسرائيلي، مما قد يسهم في التعرف على أفضل الحلول له.
ومن هنا جاء تركيزهم على فترة أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، خاصة حرب العام 1948 بصفتها تمثل نقطة مركزية في هذا الصراع وأيضا في ميلاد الدولة، وبالتالي فإن القراءة الصحيحة لما حدث فيها أمر لا غنى عنه إذا أراد أحد تقويم التجربة الإسرائيلية برمتها.
وتذهب الدكتورة حمدي إلى أنه من خلال دراسة هذه الفترة وبالاعتماد على الوثائق الإسرائيلية، دحض المؤرخون الجدد الادعاءات الصهيونية في ما يتصل بعلاقتها بكل من الفلسطينيين والعرب وحتى اليهود.
وترى حمدي أنه نظرا لطبيعة الصراع العربي ـ الإسرائيلي فإن العلاقة بالجانب الفلسطيني كانت هي أكثر اكتشافات المؤرخين الجدد إثارة للجدل داخل وخارج الدولة العبرية، إذ أقر المؤرخون الجدد ببطلان المبررات التي ساقتها الحركة الصهيونية في رفضها الاعتراف بارتكاب أي أخطاء في حق الشعب الفلسطيني والتي كان من أهمها أنها لم تكن تريد طرد الفلسطينيين، بل كانت تريد العيش معهم في سلام، ولكن هم الذين رفضوا قرار التقسيم، وهم الذين شنوا الحرب على اليهود بغرض القضاء عليهم، وهم الذين تركوا ديارهم طواعية ليتركوا الفرصة لتدخل الجيوش العربية لقتال اليهود.
وأثبتت الوثائق التي قدمها الباحثون صحة شهادات الفلسطينيين لما حدث في حرب 1948، خاصة في ما يتعلق بجذور مشكلة اللاجئين. ففي هذه الحرب وعلى الرغم من أن عدد الفلسطينيين كان ضعف عدد اليهود، إلا أن المقاتلين اليهود كانوا الأكثر عددا والأفضل تسليحا وتدريبا وتنظيما وتخطيطا، حتى إنه في أيار (مايو) عام 1948 بلغ عدد الجنود اليهود 35 ألفا وهو رقم يفوق ليس فقط عدد المقاتلين الفلسطينيين ولكن الجيوش العربية مجتمعة، والتي لم يتجاوز تعدادها جميعا 30 ألفا، وأنه نتيجة لهذا التفوق العددي والتسليحي أمكن لليهود خلال المواجهة العسكرية بينهم وبين الفلسطينيين، تشريد حوالي ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني خارج أرضه (650 إلى 750 ألف نسمة) إذ قامت قوات "الهاغاناه" بطرد الفلسطينيين من المدن والقرى في الأراضي التي كانت تستولي عليها إما بشكل مباشر عن طريق القوة أو باللجوء إلى الإرهاب، وفي أحيان كثيرة ـ مثلما حدث في اللد والرملة ـ صاحب عملية الطرد ارتكاب مذابح ضد المدنيين العزل وتعرضهم للنهب والاغتصاب.
كما كشف المؤرخون الجدد حقيقة علاقة القوة بين اليهود والفلسطينيين، إذ عمدوا في تحليلهم لفترة قيام الدولة على هدم الادعاءات الإسرائيلية التي تقول إن إسرائيل ظلت منذ ميلادها تسعى للتوصل إلى سلام مع العرب وأنهم هم الذين رفضوا التعايش معها مما تسبب في استمرار الصراع حتى الآن وتعقيده.
وتقول الدكتورة حمدي إن الوثائق الإسرائيلية ذاتها أثبتت أن بعض الأطراف العربية أبدت استعدادها للتعايش مع الدولة الصهيونية حتى قبل إعلانها، وأنه كان بإمكان إسرائيل التوصل إلى سلام مع العرب بعد انتهاء حرب عام 1948، لكن زعماءها لم تكن لديهم الرغبة في ذلك حتى يحققوا أكبر توسع ممكن لدولتهم في الأراضي العربية.
وتقول إن هذه الوثائق كشفت أن الملك عبد الله ـ ملك الأردن ـ كان على اتصال وثيق بالدوائر اليهودية منذ العشرينيات، وأنه في عام 1947 كان الأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي وافقت على تقسيم فلسطين حتى قبل أن تقره الأمم المتحدة. وتزعم أن الملك اتفق مع اليهود على منع قيام دولة عربية في فلسطين وسيطرة الأردن على الجزء المخصص لها، وذلك في اجتماعه مع غولدا مائير في 17 تشرين ثاني (نوفمبر) من هذا العام، وعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين أبلغ الملك القيادات الصهيونية أن قواته لن تتعدى المنطقة المخصصة للعرب في قرار التقسيم، وبالفعل التزم الأردن بهذا الوعد حرفيا.
وتقول الدكتورة حمدي إنه بعد انتهاء الحرب في منتصف تموز (يوليو) عام 1949 أعرب بن غوريون عن اكتفائه باتفاقات الهدنة وعدم حماسة للتوصل إلى سلام مع العرب، لأن ذلك يعني أن تتخلى إسرائيل عن جزء من الأراضي التي ضمتها إليها أثناء الحرب وهو ما لم يكن على استعداد للقيام به. وعلى هذا تقول حمدي فقد قابل حماس الملك عبد الله للتوصل إلى معاهدة سلام بين بلديهما بفتور أدى إلى فشل الفكرة. وأن نفس هذا الموقف تكرر مع كل من مصر وسوريا، إذ عندما أيقن الملك فاروق خسارة الحرب، أرسل مبعثوين سريين يبلغون بن غوريون ورفاقه باستعداد مصر للتوصل إلى سلام مع إسرائيل إذا ما قبلت الثانية التخلي عن كل أو جزء من صحراء النقب، إلى جانب الاعتراف بضم مصر لقطاع غزة وهو ما رفضه بن غوريون بشكل قاطع.
وقالت إن الرفض كان أيضا من نصيب القائد السوري حسني الزعيم الذي قدم لإسرائيل عدة مقترحات للسلام في حزيران (يونيو) عام 1949، وعرض عليها توطين جزء من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مقابل شريط من الأرض على نهر الأردن.
وتذكر حمدي أن المؤرخين الجدد كشفوا أيضا أن اليهود هم أيضا كانوا في بعض الأحيان ضحايا للصهيونية، وذلك عن طريق تحليل موقفها من "الهولوكوست" ومعاملتها لليهود الشرقيين المهاجرين إليها، فإسرائيل قد استغلت مذابح النازية ضد اليهود بما يخدم أهدافها الخاصة سواء لتعزيز شرعية وجودها، أو كسب تعاطف العالم والغرب بصفة خاصة، وبالتالي الحصول على التأييد السياسي والعسكري والمادي الذي كانت في حاجة إليه.
وتنقل حمدي عن هؤلاء المؤرخين أنه عندما حدثت هذا المذابح تقاعس زعماء الصهيونية وخاصة بن غوريون عن محاولة تقديم العون لليهود وإنقاذهم من هتلر، فقد رأى هؤلاء الزعماء أن مهمتهم تتلخص في إقامة دولة يهودية في فلسطين وليس إنقاذ اليهود، وبالتالي اعتبروا أن ما يحدث لهؤلاء اليهود يعد "كارثة طبيعية" لا حيلة لهم في منعها.
أما بعد قيام الدولة في السنوات الأولى لها وحتى بعد صدور قانون العودة كانت السلطات الإسرائيلية ترفض في كثير من الأحيان السماح للمسنين والمرضى اليهود بالهجرة إليها لأنهم سيكونون عالة عليها، بل وشمل هذا الرفض أيضا المختلفين معها سياسيا مثل الشيوعيين، وهذا يثبت أنه في موضوع الهجرة كانت معايير سلوك النخبة الحاكمة تخضع للمعايير الإسرائيلية وليست الصهيونية.
وفي هذا الإطار تطرق المؤرخون الجدد لمحنة المهاجرين الشرقيين بصفتهم أكثر من عانوا من تفرقة الدولة ضدهم، وهي المشكلة التي لا يزال يعاني منها المجتمع الإسرائيلي حتى الآن.
وتخلص الدكتورة حمدي إلى أن المؤرخين الجدد سعوا إلى تبديد أوهام الإسرائيليين ويهود العالم في ما يتعلق بالأساطير الصهيونية لتاريخ دولتهم، وهم لا يرون في ذلك أي انتقاص لإسرائيليتهم ولكن محاولة لكشف نقائصها من أجل معالجتها ودفع هذا المجتمع إلى التصالح مع نفسه ومع الآخرين.
لكن الباحثة ترى أنه بسبب حداثة هذه الظاهرة فإن تأثير هؤلاء المؤرخين لا يزال مقتصرا إلى حد كبير داخل الدوائر الأكاديمية، خاصة أنهم يتعرضون لحرب شعواء من الدوائر الرسمية في الدولة التي لا تزال ترى في كشف هذه الفصول من التاريخ إضعافا لموقف إسرائيل وحرب شعواء أخرى من كتاب "التاريخ القديم" الذين يتهمونهم بالخيانة والعمل على تقويض دولة إسرائيل.(ق.ب.)