تحليل: اللعبة في يوغوسلافيا مازالت نفسها، ولكن بالجزرة وليس العصا

بلجراد - من بوريس يابيتش
صفقة واضحة: مجرمو الحرب مقابل المساعدات

مع مواجهة يوغسلافيا مرة ثانية لضغوط متزايدة للتعاون مع محكمة الامم المتحدة لجرائم الحرب في لاهاي، قال وزير الخارجية جوران سفيلانوفيتش في تصريح، لم يدهش أحدا، أنه سيتم قبل نهاية الشهر الجاري تسليم عدد آخر من المطلوبين.
وقال في حديث صحفي "يجب أن نوفي بالتزاماتنا حيث أن تسليم المشتبه فيهم هو الاجراء الوحيد للتعاون".
وبرغم ذلك، فإن يوغسلافيا لم تصادق حتى الان على أي قانون بشأن موضوع لاهاي كما أنها لم تتخذ موقفا سياسيا بشأن عدم تسليم أو تسليم جميع المشتبه فيهم - تاركة بذلك في الحقيقة مجالا غير محدد للتكهن بمن سيتم تسليمه ولماذا.
وقال أحد المحللين "إن ذلك يخلق انطباعات سيئة للغاية بأننا لا نرغب في تقديم هؤلاء الاشخاص للمحاكمة، أو أننا لن نفعل ذلك إلا مقابل أموال، وليس لانه يتعين عمل ذلك".
وفي الحقيقة فإن عملية إلقاء القبض على ميلوسيفيتش وتسليمه قد حدثت قبل قليل من انتهاء المهلة الحاسمة، وكان من المفهوم ان تسليم ميلوسوفيتش هو ثمن المساعدات الدولية للصرب.
وكانت مجموعة المعارضة الديمقراطية لصربيا قد بدأت في أعقاب الاطاحة بميلوسيفيتش في تشرين الاول/أكتوبر من عام 2000 وبعد شهور من النشوة الدولية، بالاحساس بالضغط الجدي العام الماضي، وذلك قبل قرار الكونجرس الاميركي في الحادي والثلاثين من آذار/مارس بالاستمرار في تقديم معونات إلى يوغسلافيا.
وكان مبلغ الـ50 مليون دولار كمساعدات، والذي علقه القرار بضرورة تسجيل تقدم ديمقراطي في البلاد، أكثر أهمية عن قيمته ذاتها وذلك باعتباره مؤشرا تنتظره الجهات المانحة الاخرى كضوء أخضر لها من جانب الولايات المتحدة.
وردت صربيا على ذلك باتهام ميلوسيفيتش بالفساد وقامت بإلقاء القبض عليه في الاول من نيسان/إبريل لتتغلب بذلك بالكاد على المهلة التي حددتها واشنطن والغرب ست مرات. واستمرت المعونات في التدفق.
وثار التوتر مرة أخرى حول مصير ميلوسيفيتش مع بدء اقتراب مؤتمر الدول المانحة للمعونات ليوغسلافيا في التاسع والعشرين من حزيران/يونيو حيث رفضت واشنطن ثانية إلزام نفسها بأي شيء قبل أن تقدم بلجراد على عمل شيء ما.
وبرغم الحظر الذي فرضته المحكمة الفدرالية اليوغسلافية على تسليم المشتبه فيهم، قامت صربيا بتسليم ميلوسيفيتش لمحكمة لاهاي في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو.
واوضح رئيس الوزراء الصربي دينديتش آنذاك بصراحة ووضوح انه لابد من تسليم ميلوسوفيتش للحصول على المساعدات الدولية. وبحسب نص كلامه:"لقد كنا سنتعرض لمخاطر مالية ضخمة، إذا ما بدأ المانحون في إلغاء إسهاماتهم".
وفي الوقت الذي كان يتعرف فيه ميلوسيفيتش على زنزانته الجديدة، تعهد المؤتمر الذي عقد في بروكسل، والذي ضم 60 من الدول والوكالات المانحة متعددة الجنسيات، بمنح يوغسلافيا مساعدات تقدر قيمتها بـ1.28 مليار دولار في عام 2001 تختص الولايات المتحدة وحدها بدفع مبلغ 181.6 مليون دولار منها.
وقد أثارت آخر تصريحات وزير الخارجية، سفيلانوفيتش، علاوة على المؤشرات الواردة من مسئولين آخرين بارزين في الجناح "البراجماتي" لمجموعة المعارضة الديمقراطية لصربيا التي تتولى الحكم، موجة تكهنات عاصفة وجامحة حول الشخصيات التي تعتزم بلجراد تسليمها لمحكمة جرائم الحرب.
وتتركز الشائعات على محاسيب وأصدقاء ميلوسيفيتش وشركائه في الجرائم التي ارتكبت في كوسوفو ومن بينهم الرئيس الصربي الحالي ميلان ميلوتينوفيتش ونواب فدراليون ومسئولون سابقون مثل فلايكو ستوبيليكوفيتش ونيقولا سينوفيتش. وكذلك الجنرال اليوغسلافي البارز السابق دراجوليوب أويدانيتش.
ولا يبدو أن هناك أحدا يعتقد بأنهم سيستقلون نفس الطائرة، وليس على وجه الخصوص مع المتهمين الآخرين المعروفين الذين مازالوا هاربين وهم مايل مركزيتش وفيسيلين سليفانكانين وميروسلاف راديتش وجميعهم من ضباط الجيش المتهمين بارتكاب جرائم حرب في الحرب الكرواتية.
كما أنه مازال من غير الواضح ما إذا كان الطرف صاحب السلطة التنفيذية في مجموعة المعارضة الديمقراطية لصربيا - دينديتش - سيحاول الحصول على ثمن أعلى أو ما إذا كان التقدم البطيء الناجم عن المصالح قد يشكل تهديدا للامن.
ومع ذلك فإنه حتى مع ذهاب ميلوسيفيتش فإنه يبدو أن بلجراد مازالت مستمرة في ممارسة اللعبة الدولية بنفس الاسلوب غير المريح الذي كان يقوم به الرجل القوي (ميلوسيفيتش)، وهو أسلوب الاذعان للضغوط في اللحظة الاخيرة، وبرغم أنه ليس هناك في الافق الان أي عصا وإنما جزرة فقط، والجزرة هي المساعدات الدولية التي تدفع بلجراد مقابلها مزيدا من قادة الحرب السابقين للمحاكمة.