تحليل: واشنطن تسعى لاحتواء النزاع الفلسطيني الاسرائيلي قبل ان تشعل الوضع بالعراق

واشنطن - من فيليب دوبوشير
العراقيون غير مكترثين بالتهديدات الاميركية

اكد الرئيس الاميركي جورج بوش تصميمه على اطلاق عملية السلام في الشرق الاوسط ومعالجة "المشكلة" العراقية، دون ان يربط مباشرة بينهما، في وقت يرى محللون اميركيون ان واشنطن تقوم ببادرات بسيطة ازاء الفلسطينيين بهدف اثبات حسن نواياها والتفرغ للتركيز على هدف اخر هو اسقاط الحكومة العراقية.
وعشية عودة المبعوث الاميركي انتوني زيني المرتقبة الخميس الى المنطقة اعرب بوش عن "بالغ قلقه" ازاء تصاعد العنف، وللمرة الاولى ومنذ فترة طويلة انتقد العمليات العسكرية الاسرائيلية الدامية والواسعة النطاق في الاراضي الفلسطينية.
وقال بوش "صراحة، ما فعله الاسرائيليون اخيرا لا يساعد على توفير ظروف مواتية للسلام". واضاف خلال مؤتمر صحافي في البيت الابيض الاربعاء انه يدرك ان البعض يربط بين الجهود الاميركية في الشرق الاوسط والعراق لكنه اكد ان الملفين منفصلان".
وقال "ان التزامنا في الشرق الاوسط هدفه انقاذ حياة الناس. وسنواصل التزامنا. ولكن في الوقت نفسه سنواصل الحديث عن العراق وعن ايران ودول اخرى، وسنواصل الحرب على الارهاب".
ولم يتردد عن الحديث عن رغبته في تعجيل سقوط الرئيس العراقي صدام حسين قائلا ان "انه يطرح مشكلة وسنهتم به".
واضاف "لن اسمح لبلد مثل العراق ان يهدد مستقبلنا المباشر عبر تطوير اسلحة الدمار الشامل".
وقال ان واشنطن لن تتحرك بدون التشاور مع اصدقائها مشيرا الى جولة نائب الرئيس ديك تشيني الحالية في الشرق الاوسط.
الا ان محللين ودبلوماسيين يبدون شكوكا ازاء التأكيدات الاميركية بشأن عدم وجود صلة بين الملفين.
ويرى هؤلاء ان واشنطن، عبر استئناف جهودها بهدف فرض وقف اطلاق نار دائم بين الفلسطينيين والاسرائيليين، تسعى الى برهنة حسن نواياها امام العالم العربي لاطلاق يديها بشأن العراق.
وتقول جوديث كيبر من مجلس العلاقات الخارجية "لا شك ان الولايات المتحدة ستحظى بدعم اكبر لو لم يعد النزاع الفلسطيني الاسرائيلي يتصدر الصفحات الاولى للصحف اليومية".
وجاء التصويت في مجلس الامن الدولي، وبرعاية الولايات المتحدة، على القرار 1397 الذي يشير للمرة الاولى الى دولة فلسطينية، وجولة تشيني المتمحورة حول العراق في المنطقة، وكذلك عودة انتوني زيني، لتعزز كلها تلك الشكوك.
ويؤكد كلوفيس مقصود، سفير الجامعة العربية السابق لدى الامم المتحدة، ان "واشنطن تدرك ان العنف المفرط ضد الفلسطينيين يهدد باحباط الهدف الاساسي من جولة تشيني"، والقائم على الحصول على دعم العواصم العربية المعارضة لتوجيه ضربة للعراق.
الا انه اشار الى ان مستوى الوفود التي ترسلها واشنطن الى الشرق الاوسط تعكس التعارض في الاولويات بين واشنطن والعالم العربي.
ويقول مقصود، المحاضر في الجامعة الاميركية، ان "الولايات المتحدة ترسل شخصية على اعلى مستوى، اي نائب الرئيس تشيني، للتعبئة ضد العراق، وانما شخصية من المستوى الثاني، اي الجنرال زيني، للحديث عما يشغل حقا العرب، اي النزاع الفلسطيني الاسرائيلي".
ويشاطره الرأي بعض الدبلوماسيين في كواليس الامم المتحدة غداة صدور قرار مجلس الامن.
وتساءل دبلوماسي طلب عدم الكشف عن اسمه عما اذا كانت واشنطن تسعى الى "احتواء النزاع الفلسطيني الاسرائيلي قبل ان تشعل الوضع في العراق".
فبعدما رفض مرارا اعادة زيني الى المنطقة طالما لم تخف حدة العنف، قرر جورج بوش فجأة ايفاده، وسط تصعيد لا سابق له مع توسيع اسرائيل نطاق عملياتها وتكثيفها بشكل لم تشهده الاراضي الفلسطينية منذ احتلالها في 1967.
حتى ان واشنطن، وبعدما ايدت سياسة عزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، باتت تمارس ضغوطا غير ظاهرة على اسرائيل حتى يتمكن من حضور القمة العربية نهاية اذار/مارس، في بيروت.
هذا التغير في السياسة الاميركية، قد لا يكون كافيا لاقناع الدول العربية بحسن نوايا واشنطن وازالة معارضتها لانتهاج سياسة اكثر تشددا ازاء العراق، كما يرى ستيفن زونس، استاذ العلاقات الدولية في جامعة سان فرانسيسكو.
ويضيف انه رغم محاولات اعادة التوازن الى السياسة الاميركية فان "الشعور السائد في العالم العربي بان واشنطن تمارس سياسة منحازة الى اسرائيل يجعل من الصعب بمكان سياسيا على العديد من الدول ان تتعاون بصورة اوثق مع الولايات المتحدة".
في المقابل يرى محللون آخرون ان تهدئة الوضع في الاراضي الفلسطينية سيكون له تأثير ايجابي في الحصول على تأييد عربي للتشدد ازاء العراق، لكنه لا يشكل شرطا مسبقا ينبغي تحقيقه قبل توجيه ضربة اميركية للعراق.
وتقول جوديث كيبر ان "الرئيس بوش لم يتخذ بعد قرارا نهائيا بشأن العراق، والسؤال المطروح هو معرفة ما اذا كان من الممكن ازاحة الحكومة العراقية بدون اراقة الكثير من الدماء".
وتضيف "اذا قرر الرئيس التحرك (ضد العراق) فسيكون ذلك قرارا استراتيجيا بالغ الاهمية، ولن يكون مرهونا بتقلبات النزاع الفلسطيني الاسرائيلي".