المبادرة السعودية: لماذا الان؟

بقلم: الكسندر كوليك

بادر ولي العهد في المملكة العربية السعودية الامير عبدالله بن عبد العزيز، وعلى خلاف توقعات الكثير من المراقبين، الى طرح مبادرة تحقيق المصالحة الشاملة العربية - الاسرائيلية. فقد اقترح "مبادلة" الاراضي العربية التي احتلتها اسرائيل منذ العام 1967 بالتطبيع الكامل للعلاقات بين الدولة العبرية والدول العربية المحيطة بها.
وقد حصل اقتراح الامير السعودي على تسمية "خطة عبدالله السلمية" وهي اثارت اهتماما كبيرا في المجتمع الدولي. وقد خلقت هذه الخطة للجانبين العربي والاسرائيلي من انصار التسوية الشاملة في الشرق الاوسط امالا للتحرك نحو السلام في المنطقة التي عانت طويلا, ولا سيما للمسألة الفلسطينية التي تشهد سفك دماء متواصلا منذ 17 شهرا.
ان الاهتمام بـ "خطة عبدالله" يعود لكون صاحبها هو من ابرز الشخصيات الحكومية السعودية, فهو عمليا من يدير المملكة منذ العام 1996. والجدير ذكره ان المملكة العربية السعودية تبقى الحليف الاهم للولايات المتحدة في الشرق الاوسط, وهذا الامر ركز عليه الامير عبدالله بشكل خاص في حديثه الاخير للمجلة الاميركية "تايم". وكما هو معروف فان الاميركيين بالذات، ومنذ العام 1967، اخذوا على عاتقهم دور الوسيط الخارجي في مسألة المصالحة العربية - الاسرائيلية. وحتى في الوضع الحالي المتفاقم في المنطقة فان واشنطن تبدي مقاومة واضحة لاي شكل من اشكال محاولات التدخل من قبل الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وروسيا في هذا النطاق من سياستها.
والجدير قوله ان المبادرة السعودية اعلنت في الوقت الذي يجري فيه حسم المصير المستقبلي لائتلاف محاربة الارهاب الدولي الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة والذي أسسه فريق الرئيس بوش بعد سحق نظام طالبان والقواعد الاساسية للمنظمة الارهابية "القاعدة" في افغانستان. ويتوقف الكثير في مخططات الادارة الاميركية ان في ما يتعلق بتشكيل ائتلاف مكافحة الارهاب عامة او في ما يتصل بمسائل الضغط العسكري على العراق وايران الدولتين اللتين ادرجهما الاميركيون على لائحة "محور الشر", على موقف المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية الاخرى, ولا سيما في منطقة الخليج العربي.
فمشاركة او عدم مشاركة الرياض مع قواعدها العسكرية التي جهزها البنتاغون بشكل جيد في تنفيذ مآرب الولايات المتحدة هذه (خاصة مع احتمال القيام بشن عمليات عسكرية ضد العراق) تكتسب بالنسبة للسياسيين والعسكريين الاميركيين اهمية عملية. ففي هذا السياق يجد فريق بوش نفسه مضطرا للاخذ بالاعتبار الموقف الذي ما زالت تشغل فيه القيادة السعودية وعلى الاقل على المستوى الرسمي موقفا متحفظا للغاية من مسألة استخدام اراضي المملكة وقواعدها العسكرية من قبل العسكريين الاميركيين, في اطار خططهم القصيرة والطويلة الاجل لمكافحة "الاممية الارهابية الدولية". ان هذا الموقف يلقى اهتماما خاصا لانه يفسر بعض اسباب طرح "خطة عبدالله" الآن بالذات.
فعدم رغبة القيادة السعودية بمنح الحق للاميركيين باستخدام اراضي المملكة في خلال العملية العسكرية ضد افغانستان عقّد العلاقات السعودية - الاميركية. فالسلطات الرسمية في الرياض اتضح انها الآن عمليا على مفترق طرق. فمن جهة, تدرك العائلة السعودية المالكة اهمية توطيد التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة الاميركية كضمان لحفاظها على السلطة في المملكة, بيد ان السعوديين يدركون ايضا بان استقرار نظامهم الحالي وفي المجال الطويل الامد مرتبط بعلاقات المملكة بالعالم العربي بشكل لا يقل قدرا ايضا, ولا سيما مع العراق ومع دول قريبة غير عربية كايران ايضا. ففي قيادة المملكة اولى وليّ العهد الامير عبدالله بشكل خاص هذا العامل حقه من الاهمية اثناء اعداد استراتيجية السياسة الخارجية. وأكثر من ذلك فهو مقتنع بانه ومن دون التسوية الشاملة في الشرق الاوسط وبشكل اساسي للمسارات الفلسطينية واللبنانية والسورية فان حلّ المهمتين الآنفتي الذكر مرتبط بخطر كبير محدق بالعائلة المالكة في المملكة.
وهكذا, فان ولي العهد السعودي طرح مبادرته عشية اجتماع القمة العربية. ومن الواضح بانه سيجري في هذه الندوة الواسعة التمثيل البحث في مسائل متعددة كالمواجهات الفلسطينية - الاسرائيلية وفي امكانية الضربات العسكرية الاميركية على العراق وفي التسوية الشاملة في الشرق الاوسط وان انشاء ائتلاف واسع لمحاربة الارهاب الدولي سيكتسب اهمية اولية وحيوية للعالم العربي.
فالعوامل التي سميناها تعطي الاساس للتأكيد بان "الخطة السلمية لعبدلله" جاءت في وقتها ويمكنها ان تترك تأثيرا على تطور الاوضاع المستقبلية في منطقة الشرق الاوسط. الا ان السؤال حول ما اذا كانت النتائج العملية التي ستنتهي اليها المبادرة السعودية ستكون ايجابية او سلبية يبقى مفتوحا, لان "خطة عبدالله" ما زالت في طور البحث والتمحيص.
ومع الاخذ بالاعتبار ان الامير عبدالله طرح اقتراحه على شكل افكار, تحتاج بدورها الى تفصيل. ونلفت الانتباه على سبيل المثال الى نظريته حول استعداد العرب للتطبيع الكامل للعلاقات مع الدولة العبرية مقابل انسحابها من الاراضي العربية التي احتلتها. ومن حيث التجربة فان ذلك يعني الاعتراف النهائي باسرائيل كدولة شرق اوسطية واقعية والتخلي عن اي محاولة لـ "الالقاء بها في البحر" بالطرق العسكرية, واقامة العلاقات الديبلوماسية والتجارية والاقتصادية والثقافية وغيرها من الروابط معها وايضا التوقيع على معاهدات سلمية من قبل غالبية الدول العربية مع الدولة العبرية على غرار ما قامت به مصر والاردن. ومع طرحه مبادرته فان الامير عبدالله مقتنع بشكل واضح بان العالم العربي مستعد لمثل هذه التطورات للاحداث.
ويبدو بان القيادة السعودية تأخذ بالاعتبار واقع انه وبعد "حرب تشرين" العام 1973 حدث في مواقف مصر, وسوريا والاردن ولبنان والفلسطينيين الواقعين في خطوط المواجهة الاولى مع اسرائيل, وايضا في دول عربية اخرى تغييرات راديكالية من مسألة الحرب والسلام مع الدولة العبرية. ونذكّر بان اول من تخلى عن فكرة "القاء اسرائيل في البحر" كانت مصر من خلال عقدها معاهدة سلام مع اسرائيل في العام 1979. وفي التسعينات اعلنت سوريا والاردن ولبنان وقسم كبير من الدول العربية ولا سيما دول الخليج العربية وشمال افريقيا عن الاعتراف باسرائيل كواقع قائم في الشرق الاوسط. وفي ايلول العام 1993 وقعت منظمة التحرير الفلسطينية على الاتفاقية السلمية الفلسطينية - الاسرائيلية مما فتح امكانية انشاء الادارة الفلسطينية الوطنية الحالية على اراضي الضفة الغربية لنهر الاردن وفي قطاع غزة.
والمبادرون الى خط السلام السعودية يدركون بان نار عدم قبول اسرائيل ما زالت تلتهب في محيط المواجهات العربية - الاسرائيلية: في العراق وليبيا واليمن وبين المنظمات الفلسطينية والعربية الراديكالية المتعددة. الا ان قيادات غالبية الدول العربية، وان كان من دون حماس يذكر، الا انها تعترف باسرائيل كواقع شرق اوسطي قائم وهي تبدي الاستعداد لتطبيع العلاقات معها, وهذا ما تشهد عليه المبادرة السعودية.
وبسبب المبادرة السلمية السعودية واطلاق حملة دعائية في الآونة الاخيرة في وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية بشكل واسع للتشهير برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات فمن الضرورة تقييم الوضع الناشئ حوله بصورة منفصلة. فالانتقاد الموجه الى الزعيم الفلسطيني وبشكل رئيسي من قبل عدد من الاسرائيليين المعادين لاقامة السلام مع العرب الذين يؤكدون انه تخلى عن فكرة التسوية السلمية للعلاقات الفلسطينية - الاسرائيلية, وانه يشجع الاعمال المعادية لاسرائيل التي تقوم بها المنظمات الفلسطينية, وبانه يتحمل شخصيا المسؤولية عن تفاقم الاوضاع حاليا في الضفة الغربية وقطاع غزه. واضافة لذلك فانهم يؤكدون بشكل دائم بان عرفات فقد شعبيته بين الفلسطينيين, وليس بقدرته حتى السيطرة على الاوضاع داخل قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية, التي وعلى حد زعمهم يتعزز في صفوها المزاج المعارض.
وقد بحث المقربون من رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون عن مرشح للحلول مكان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يكون مستعدا لـ "التعاون". الا ان المبادرين للحملة التي تشن ضد عرفات يصورون الرغبات وكأنها حقائق كما يبدو.
فوضع عرفات في القيادة السياسية الفلسطينية وشعبيته في صفوف الفلسطينيين ما زالت ثابتة وهي تعطيه الامكانية كما في السابق لاتخاذ القرارات الاستراتيجية والتكتيكية, وايضا التوصل الى تحقيقها. فمعارضو عرفات لم يأخذوا بالاعتبار واقع انه وبالرغم من الحصار والتهديدات الواقعية له بالتصفية الجسدية بقي في وسط الحدث, في وسط جماهيره قائدا لمسيرته نحو اقامة الدولة الفلسطينية. فـ "الحجز المنزلي" الذي فرضه ارييل شارون على ياسر عرفات انتقاما منه على الخسارة الشخصية التي لحقت به في "الحرب القذرة" في لبنان العام 1982 عززت في الواقع من شعبية عرفات ليس فقط بين الفلسطينيين بل على الساحة الدولية.
فالتطبيق العملي للمبادرة السلمية السعودية ترتبط ليس فقط بالجانب العربي. فالدور الهام حول ما اذا كانت "الخطة السلمية لعبدالله" ستؤدي الى تغييرات ايجابية او سلبية على الاوضاع في المنطقة, ستلعبه الاوساط الحاكمة الاسرائيلية والاميركية ولا سيما حكومة شارون وفريق الرئيس بوش. وللاسف فيتعين الابلاغ بان القيادة الاسرائيلية الحالية تواصل الاعتماد على الخيار العسكري لـ "تسوية" العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية وهي تنزع عمليا بعملها هذا لاعادة احتلال كل الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزه, وايضا للقضاء على ادارة الحكم الذاتي الفلسطيني واجهزة قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية.
وتقوى في الاوساط السياسية الاسرائيلية مواقع انصار انشاء "اسرائيل العظمى" من النيل الى الفرات, الذين يعارضون طبيعيا المبادرة السعودية والذين يقفون ضد الانسحاب من كل الاراضي العربية المحتلة. وفي الحقيقة, فقد انتعشت في الآونة الاخيرة بعض الشيء نشاطات ممثلي النخبة السياسية الاسرائيلية واوساط الرأي العام وحتى الدوائر العسكرية التي تدعو الى السلام مع العرب. ومؤخرا جرى تأسيس كتلة السلام الاسرائيلية - الفلسطينية المشتركة والتي قام وفد منها نهاية شباط الماضي بزيارة الى موسكو. ومن الهام الاشارة الى ان في عدادها يوجد يوسي بيلين, عضو قيادة حزب العمل الاسرائيلي. والذي اعرب عن استعداده منذ نهاية الثمانينات بداية التسعينات للعب دور جدي في ارساء ما يسمى بـ "معسكر السلام" ويعتقد بيلين بان "الخطة السلمية لعبدالله" اذا عرضت في اجتماع قمة الدول العربية يمكن ان تجعل "فكرة السلام مع العرب أكثر جاذبية في صفوف الاسرائيليين".
وتوطد المبادرة السعودية بشكل واقعي مواقع نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير الخارجية شيمون بيريز الذي يناصر منذ زمن المصالحة العربية - الاسرائيلية الشامل, ومن البديهي في حال تمكنه من استخدام هذه المبادرة لصالح الدولة العبرية وليس لصالح اعتباراته الخاصة.
ومن ناحية اخرى فان "خطة عبدلله" تعقّد بشكل ملحوظ الوضع المحيط برئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون. ففي آذار تنتهي مدة السنة الاولى من عمر حكومة شارون في السلطة. وان نتائج عملها في المضامير السياسية والاقتصادية والمالية وفي السياسة الخارجية وغيرها من القطاعات الحياتية للدولة الاسرائيلية وخاصة في مسائل الامن تثير عدم رضى متنام لدى غالبية الاسرائيليين سواء اليمينيين منهم او اليساريين.
فشارون عمليا لم ينفذ اي من وعوده التي قطعها اثناء الحملة الانتخابية في شباط العام الماضي. وحسب تقديراتنا فان المبادرة السلمية العربية يمكن ان تفاقم الأزمة السياسية الداخلية في اسرائيل التي تسود عمليا منذ تشرين الثاني العام 1995 اي عندما اغتيل رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين على يد اصولي يهودي بسبب سياسة المصالحة التي اعتمدها مع العرب. ومن الطبيعي بانه وفي الافق القريب فان مثل هذه التطورات في الداخل الاسرائيلي يمكن ان تجمد تنفيذ المبادرة السلمية السعودية.
اما في ما يتعلق بامكانية تأثير الادارة الاميركية على الظروف المحيطة بهذه المبادرة فان الموقف الحالي للولايات المتحدة من مسألة التسوية الشرق اوسطية يبعث على الامل الضئيل. ففي فريق بوش يقوم معارضو اي ضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بسبب الخشية من اعمال مقابلة من الاوساط اليمينية الاسرائيلية واللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة, بالدور الرئيسي حاليا وان ذلك يسمح بالتأكيد بان الكثير سيكون مرتبطا بالموقف السياسي الموحد الذي ستصوغه القمة العربية من مسألة التسوية في الشرق الاوسط وايضا بالوضع السياسي الداخلي في اسرائيل وبالطبع بالموقف الاميركي من عزم العرب على تحقيق المصالحة الشاملة مع اسرائيل.
* الكسندر كوليك، مراقب سياسي روسي