الاقتصاد العماني ينجح في تجاوز ازمة الركود العالمي

لندن - من عبد الكريم حمودي
النمو في قطاع الخدمات عوض بعض الخسارة بقطاع النفط

على الرغم من تأثر الاقتصاد العماني كغيره من اقتصاديات الدول العربية بأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، وركود الاقتصاد العالمي، إلا أن المسؤولين العمانيين لا يشعرون بقلق كبير جراء التأثيرات السلبية لهذه التطورات، فالنتائج الإيجابية التي حققها الاقتصاد العماني خلال العام 2001 وخاصة في القطاعات غير النفطية قللت من الخسائر التي تكبدها قطاع النفط وبعض القطاعات الاقتصادية الأخرى في الربع الأخير من العام الماضي، فيما يتوقع هؤلاء المسؤولون أن تساهم الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة في تنشيط الاقتصاد وتعويضه عن الخسائر التي لحقت به.
وقد ألقت الأحداث والتطورات التي شهدها العام 2001 بظلالها على الأداء المالي والاقتصادي في السلطنة وجاء قطاع النفط في مقدمة القطاعات الاقتصادية التي أصيبت بخسائر باهظة وبشكل خاص في الربع الأخير منه، حيث تراجعت أسعار النفط العالمية بمقدار 30 في المائة، لكن خسائر السلطنة كانت أقل من ذلك، إذا تراجع متوسط سعر البرميل من 26.9 عام 2000 إلى نحو 23 دولارا خلال العام الماضي، وبالتالي فإن مقدار الخسارة في كل برميل بلغت نحو 3.9 دولاراً، وإذا علمنا أن عمان تصدر نحو 900 ألف برميل يومياً، فإن الخسائر اليومية تبلغ 3.5 مليون دولار، أي أن الخسائر السنوية بلغت نحو 1.27 مليار دولار.
وجاء قطاع النقل الجوي العماني في المرتبة الثانية بين القطاعات التي تأثرت بالأحداث العالمية من خلال تراجع السياحة وأعداد المسافرين وإشغال الفنادق، كما تأثر قطاع النقل الجوي بقرار الوكالة الفيدرالية الأميركية القاضي بضرورة تصليح بعض محركات طائرات الايرباص، حيث تم إنفاق 2.5 مليون ريال عماني لهذا الغرض، وعلى الرغم من ذلك فإن الخسائر التشغيلية للطيران العماني انخفضت عام 2001 مقارنة مع عام 2000. ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي ومما قلل من خسائر الاقتصاد العماني النتائج الإيجابية التي سجلها خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، فقد أكدت إحصاءات رسمية أن إجمالي الناتج المحلي للقطاعات النفطية وغير النفطية ارتفع في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بنسبة 4.3 في المائة ليصل إلى نحو 5.582 مليارات ريال عماني مقابل 5.583 مليارات ريال في الفترة نفسها من عام 2000.
وأشارت الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني العماني إن إجمالي الأنشطة النفطية التي تشمل استخراج النفط الخام والخدمات الثانوية المتصلة به واستخراج الغاز الطبيعي بلغ 2650.6 مليون ريال مقارنة مع 2769 مليون ريال خلال عام 2000 بنسبة ارتفاع قدرها 4.3 في المائة.
وأضافت هذه الإحصاءات أن ذلك يرجع إلى ارتفاع الناتج المحلي لاستخراج النفط الخام والخدمات الثانوية المتصلة باستخراج النفط والغاز بنسبة 6.4 في المائة حيث بلغ الإجمالي بنهاية العام الماضي حوالي 2528.8 مليون ريال مقارنة ب 2701.2 مليون ريال خلال عام 2000.
وكان تقريرا صادرا عن البنك المركزي العماني أكد أن إجمالي الناتج المحلي للسلطنة بالأسعار الجارية قد سجل ارتفاعاً ملحوظاً بلغ معدله 26.7 في المائة في عام 2000، فبلغ 7.6 مليار ريال مقارنة بالسنة السابقة. كما نجحت الحكومة في وضع التضخم تحت السيطرة حيث يبلغ معدل التضخم حالياً دون 1 في المائة.
وأظهرت إحصاءات رسمية أن الميزان التجاري للسلطنة سجل فائضاً بقيمة 2.111 مليار ريال (5.41 مليار دولار) في العام 2001 بحسب أرقام أولية متجاوزاً بشكل كبير الفائض الذي كان متوقعاً في الأساس وهو 1.429 مليار ريال (3.66 مليار دولار). ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية وحقق الناتج الإجمالي للقطاعات غير النفطية في سلطنة عمان في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي نمواً بنسبة 13.46 في المائة أي بما يزيد على ثلاثة مليارات ريال (نحو ثمانية مليارات دولار)، وهو ما يشكل نسبة 54.5 في المائة من مجمل الناتج المحلي.
وأشارت نشرة إحصائية لوزارة الاقتصاد الوطني في سلطنة عمان إلى أن مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي في الأشهر التسعة الأولى من عام 2000 بلغت نحو 2.84 مليار ريال عماني.
ومن أجل تجاوز الآثار السلبية لتراجع عائدات النفط على الاقتصاد العماني بادرت السلطة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتعزيز الاقتصاد وتحفيز نموه خلال العام الجاري ومنها:

1 - خفض الإنتاج: تصنف سلطنة عمان ضمن المنتجين المستقلين ولا تنتمي إلى منظمة أوبك حيث تنتج نحو 900 ألف برميل يومياً.
ومن أجل مواجهة تراجع أسعار النفط أجرت السلطنة تخفيضات في إنتاجها النفطي كان آخرها الذي بدأ العمل به مطلع العام الجاري بمقدار 40 ألف برميل يومياً ليصل الإنتاج في الوقت الحالي إلى نحو 815 ألف برميل بدلاً من نحو 850 ألف برميل أواخر العام الماضي، وأعلنت السلطنة مؤخراً عن استعدادها لمد مدة الخفض حتى نهاية العام الجاري بدلاً من منتصفه وذلك لدعم مساعي أوبك من أجل تعزيز الأسعار والحيلولة دون انخفاضها، وتتوقع المصادر الرسمية أن تدر عليها الصادرات النفطية 1.8 مليار ريال أي نحو 73 في المائة من إجمالي الإيرادات. وفي المقابل تعمل السلطنة على زيادة احتياطها النفطي بمقدار أربعة مليارات برميل ليصبح تسعة مليارات برميل خلال السنوات الخمس القادمة، مع الإشارة إلى أن الاحتياطي النفطي المثبت يقدر بحوالي خمسة مليارات برميل حالياً يتوقع أن ينضب بحلول العام 2017.
2 - زيادة إنتاج الغاز: تخطط السلطنة إلى رفع إنتاجها من الغاز الحر إلى نحو عشرة ملايين طن سنوياً بدلاَ من نحو 6.6 ملايين طن.
وتقول مصادر صناعة النفط إن اكتشاف حقلين جديدين من الغاز في السلطنة هما خزان وكوثر سيرفعان احتياطات عمان من الغاز بمعدل 25 في المائة من نحو 30 مليار قدم من الغاز. وأوضحت ارتفاع مساهمة الناتج من استخراج الغاز الطبيعي بنسبة 79.6 في المائة حيث بلغ الإجمالي بنهاية شهر أيلول (سبتمبر) من العام الحالي 121.8 مليون ريال مقارنة مع 67.8 مليون ريال خلال نفس الفترة من عام 2000.
وتملك الحكومة 51 في المائة من شركة عمان للغاز المسال التي بدأت إنتاجها في نيسان (أبريل) 2000 في حين تملك شركة شل الهولندية الملكية 30 في المائة.
3 - زيادة الإنفاق في الميزانية: تعتمد سلطنة عمان مثل باقي دول الخليج على عائدات النفط في تمويل الإنفاق الحكومي، ومن أجل تعزيز النمو خلال العام 2002 أعلنت السلطنة عن زيادة في الميزانية بمقدار 2 في المائة عن ميزانية العام 2001 ليبلغ حجم الإنفاق فيها 2870 مليون ريال عماني (7.358 مليار دولار)، وقيمة العائدات 2.490 مليار ريال (6.384 مليار دولار)، وتساهم عائدات النفط بنحو 73 في المائة من العائدات المتوقعة في الميزانية للعام الجاري حيث تتوقع المصادر الحكومية أن تبلغ 1.819 مليار ريال (3.05 مليارات دولار) تم احتسابها على أساس 18 دولاراً للبرميل الواحد.
فيما قدرت العائدات غير النفطية بنحو 671 مليون ريال (1.72 مليار دولار) أي 27 في المائة من الواردات المتوقعة. كما زادت الميزانية الإنفاق في مشروعات البنية التحتية والتنمية بنسبة 12 في المائة.
4 - محاربة الفساد: أطلقت سلطنة عمان خلال العام الماضي أوسع حملة لمحاربة الفساد بغية تعزيز الشفافية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، حيث أصدرت المحاكم العمانية أحكاماً بسجن أكثر من 20 مسؤولاً حكومياً، وصيارفة بارزين بتهم اختلاس أموال عامة، في محاكمات علنية شهدتها السلطنة للمرة الأولى.
وقال مسؤول حكومي عضو بلجنة لمكافحة الفساد "لقد بلغ الأمر مداه.. نود أن نقضي على الفساد في المستويات العليا وشبكتنا كبيرة بالدرجة الكافية لصيد مسؤولين أياً كانت مناصبهم".
وقال محللون إن حملة مكافحة الفساد في عمان تهدف أساساً إلى جذب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها بشدة لتنويع اقتصادها، وتعزيز ثقة المستثمرين الأجانب وخاصة بعد انضمت عمان إلى منظمة التجارة العالمية العام الماضي، ويقول مسؤولون إن الحكومة تعلق آمالها على ثمانية مشاريع ضخمة تهدف إلى جذب استثمارات خاصة بقيمة 2.93 مليار ريال (7.6 مليارات دولار) لتعزيز الاقتصاد.
5 - تمويل عجز الميزانية من الاحتياطي: يقدر العجز بميزانية عام 2002 بحوالي بمبلغ 380 مليون ريال عماني (987 مليون دولار). وهو ما يزيد عن عجز العام الماضي بنسبة 17 في المائة، وسيتم تمويل هذا العجز عن طريق السحب من الصندوق الاحتياطي العام للدولة، وهو صندوق أنشئ لهذا الغرض ويتم تمويله من فائض أسعار النفط في حال ارتفاعها عن السعر المقدر في الميزانية حيث تصل احتياطات عمان من العملة الصعبة إلى سبعة مليارات دولار.
وقال وزير الاقتصاد الوطني العماني إن ذلك العجز يعتبر عالمياً في الظروف الحالية إلا أن ضرورة المحافظة ومقتضيات التنمية ولتحقيق معدل نمو جيد للاقتصاد الوطني ارتأت الحكومة ضرورة المحافظة على معدل الإنفاق لاسيما الإنفاق الإنمائي الذي سيكون له دور في تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد، مشيراً إلى أن أي زيادة في الإيرادات النفطية ناتجة عن تحسن الأسعار ستوجه إلى تخفيض العجز الفعلي.
6 - خفض الإنفاق الدفاعي: كما أقدمت سلطنة عمان على خطوة أخرى من أجل تفادي ارتفاع العجز في الميزانية وتخصيص المزيد من الأموال للمشروعات الاقتصادية، فقررت الحكومة للمرة الأولى منذ أربع سنوات خفض الإنفاق الدفاعي بمقدار 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي الأمر الذي يعني أن المزيد من الأموال ستتاح لدعم الاقتصاد.
7 – تعزيز نشاط الاستكشاف:‏ وضمن نشاط السلطنة لدعم موارد الدولة وتنويع مصادر الدخل القومي تمكنت السلطنة من ‏‏اكتشاف كميات جديدة من خام الذهب والنحاس تقدر بأكثر من أربعة ملايين طن.
وقال مدير عام المعادن بوزارة التجارة والصناعة العماني الدكتور هلال بن محمد ‏في السادس من آذار/مارس الجاري إن الاكتشافات تمثل إضافة جديدة إلى ‏احتياطات السلطنة، مشيراً إلى أن هناك عدداً من المواقع الأخرى بسلطنة عمان يتم دراستها ‏وتقييمها حالياً.
8 - خفض الفائدة على القروض الشخصية: خفض البنك المركزي العماني سقف الفائدة السنوية التي تتقاضاها المصارف على القرض الشخصية بمقدار واحد في المائة وذلك إلى 12 في المائة من 13 في المائة.
وأصدر البنك المركزي مطلع العام الجاري مرسوماً رفع بموجبه السقف الخاص بحجم القروض الشخصية إلى ما يعادل 40 في المائة من إجمالي محفظة القروض الخاصة بأي بنك، وذلك بدلاً من 35 في المائة على أن يسري هذا الإجراء فوراً.
وقالت الوكالة إن هذا المرسوم يأتي تماشياً مع جهود البنك المركزي الرامية لزيادة الأموال المتاحة للقروض الشخصية لتنشيط التجارة وربحية المصارف.
وأفاد تقرير البنك المركزي عن عام 2000 الذي صدر حديثاً أن القروض الشخصية التي قدمتها البنوك التجارية بلغت 2.381 مليار ريال (7.75 مليارات دولار)، أي ما يعادل ثلث إجمالي القروض وأفاد التقرير أن المخصصات زادت بنسبة 13 في المائة إلى 41.9 مليون ريال في عام 2000 من 37.1 مليون ريال في العام السابق.
بكلمة أخيرة إن الانعكاسات السلبية للأحداث الدولية التي جرت العام الماضي كانت محدودة التأثير على الاقتصاد العماني، ومن المتوقع أن يتجاوزها خلال هذا العام في ظل الإجراءات التي اتخذتها السلطنة لتعزيز النمو وتوجيه الإنفاق خاصة وأن أسعار النفط بقيت أعلى من السعر المحدد في الميزانية وليس من المتوقع أن تنخفض عنه. (ق.ب)