«غسيل الأموال» لماذا؟ وكيف؟

أبو ظبي – في أحدث الدراسات الصادرة عن مركز زايد للدراسات بدولة الإمارات العربية المتحدة صدرت مؤخرا دراسة تتناول ظاهرة "غسيل الأموال" من حيث نشأتها وأسباب ظهورها ومدى تأثيرها على اقتصاديات الدول.
وتعرف الدراسة "غسيل الاموال" بأنه محاولة إعطاء الصفة الشرعية للأموال الناتجة عن نشاطات غير مشروعة.
ونشأت الحاجة وفقا للدراسة "لغسيل الأموال"كنتيجة للتضخم الهائل في أموال النشاطات الإجرامية في العالم والتي يجد أصحابها صعوبة في تبرير الحصول عليها مع إصرارهم على الاستفادة منها واستخدامها في أغراض تجارية واستثمارية عبر وسيلة قطع الصلة بين أصل المال غير المشروع ووضعه النهائي بعد إتمام كافة مراحل الغسل.
والمعروف أن عملية غسل الأموال تتم خارج إطار الإحصائيات التي يشملها الاقتصاد المعلن للدول، وحسب تقرير صندوق النقد الدولي- كما تذكر الدراسة- فإن حجم الأموال التي يتم غسلها في العالم تتراوح ما بين 2 إلى 5% من الناتج الداخلي الخام العالمي، وهو مؤشر على كبر حجم الظاهرة وبالتالي خطورتها المتزايدة في الإخلال بالسير الطبيعي للاقتصاد العالمي ولاقتصاديات الدول والشعوب·
وتؤكد الدراسة أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في ظاهرة غسل الأموال واتسع نطاق انتشارها بفعل العولمة التي بسطت نفوذها المادي على الإنسان والمكان، وعلى القيم التي أعادت صياغتها أو صياغة معظمها بطريقة قسرية صارت معها هذه القيم قابلة وجاهزة للتصدير، وأصبحت الجريمة كقيمة لاأخلاقية منبوذة، محررة هي الأخرى تماما كالسلع والخدمات من الحدود القيود، ومتجاوزة في تعاملاتها الأعراف و المبادئ والقوانين التي تنظم السلوك البشري.
واستفاد مجرمو غسل الأموال من حدث الوسائل التكنولوجية وطوعوها لخدمة أغراضهم، دون اكتراث لنتائجها السلبية على البيئة الإنسانية، إذ أن ميكيافلية غاسلي الأموال لا تتورع عن ركوب أي مطية أو اتخاذ أي وسيلة في سبيل الاستزادة من المال والثراء الفاحش، والذي يكون لا محالة على حساب الآخرين وسلامتهم.
وعلى الصعيد الاقتصادي يؤدي تسرب الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي للدول إلى حدوث تشوه في نمط الإنفاق والاستهلاك، مما يؤدي إلى نقص المدخرات اللازمة للاستثمار، وبالتالي حرمان النشاطات الاقتصادية المهمة من الاستثمار النافع للمجتمع، ومن جهة أخرى فإن نجاح حركة الأموال المغسولة في الاقتصاد القومي للدول يؤدي إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات وحدوث أزمة سيولة في النقد الأجنبي مما يهدد احتياطات الدولة لدى البنك المركزي من العملات المدخرة· كما يمكن أن تؤدي عملية غسل الأموال إلى انهيار البورصات التي تستقبل الأموال الناتجة عن الجرائم الاقتصادية، حيث يكون اللجوء إلى شراء الأوراق المالية ليس بهدف الاستثمار، ولكن من أجل إتمام مرحلة معينة من مراحل غسل الأموال، ثم يتم بيع الأوراق المالية بشكل مفاجئ مما يؤدي إلى حدوث انخفاض حاد في أسعار الأوراق المالية بشكل عام في البورصة ومن ثم انهيارها بصورة مأساوية·
وعن الآثار الاجتماعية لظاهرة غسل الأموال تشير الدراسة إلى أن تسرب الأموال غير المشروعة إلى المجتمع يقلب ميزان البناء الاجتماعي في البلاد، بصعود المجرمين القائمين على عملية غسل الأموال إلى هرم المجتمع في الوقت الذي يتراجع فيه مركز المكافحين والمجدِين إلى أسفل القاعدة، كما تقود عملية غسل الأموال إلى تفشي الجرائم في المجتمعات بشتى أشكالها، حيث يصبح المعيار الاجتماعي لقيمة الفرد هو المال، بصرف النظر عن مصدره وأوجه نشاطه،وهو تشجيع للسلوك المنحرف وقلب للقيم الاجتماعية السامية وللفطرة التي تمقت الإجرام والمجرمين.
وتعدد الدراسة الأنشطة ذات العلاقة بعملية غسل الأموال، كالاتجار في المخدرات وفي الأسلحة وفي البشر، والفساد السياسي والمالي والغش والتزييف والإرهاب، والعديد من الأنشطة الأخرى، وتُعطي بيانات ومعلومات عن هذه الأنشطة وارتباطها الوثيق بتبييض الأموال·
وقد انشأت عدة هيئات لمكافحة ظاهرة غسيل الأموال بدءا من فريق العمل المالي لمكافحة غسل الأموال(FATF) الذي تأسس في مؤتمر قمة الدول الصناعية السبع في باريس عام 1989، والذي يضم في عضويته حاليا حوالي 26 دولة إضافة إلى منظمتين هما: مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، كما أن هناك آليات أخرى فعالة تستخدم في مكافحة غسل الأموال كالبنوك والتشريعات القانونية الخاصة، وتجنيد رجال الأمن والشرطة، وغيرها من الآليات التي تنزع إليها الدول وتتبادل التجارب والخبرات بشأنها للحيلولة دون تفشي الظاهرة واستئصال جذورها·
وتتطرق الدراسة إلى مكافحة الظاهرة في دولة الإمارات العربية المتحدة التي أقرت السلطات فيها سلسلة إجراءات وتشريعات باشرتها قبل سنوات عديدة، وأصدرت توجيهاتها الى الجهاز المصرفي للانتباه إلى الظاهرة، وأخذ كل وسائل الحيطة التي تحول دون تسرب ''الأموال القذرة'' إليها، كما قامت بتأسيس لجنة وطنية لمواجهة غسل الأموال.
ومؤخرا تم اقرار القانون الاتحادي رقم(04) لعام2002، والمتعلق بتجريم غسل الأموال، ويشتمل القانون على أركان جريمة غسل الأموال، والأفعال التي تدخل في نطاقها، والعقوبات المقررة على مخالفة القانون، ويُغطي القانون جميع القطاعات الاقتصادية و الجهات الخاضعة لرقابة وتفتيش المصرف المركزي، وكذا المنشآت المالية التي لا تخضع لرقابته، كالتأمين والأسواق المالية، وكذا المنشآت التي تقع في المنطقة الحرة.
وتشير الدراسة إلى عدد من النماذج والطرق المستعملة في دول عربية وأجنبية، والاستراتيجيات المتبعة لعزل الظاهرة وحصر قنواتها وآثارها، سيما وأن تبادل التجارب والخبرات في هذا الموضوع يقود إلى نتائج عملية أكثر نجاعة وفعالية·
وعلى مستوى دول الخليج العربية تؤكد الدراسة أن مجلس التعاون الخليجي يبذل جهودا مكثفة من خلال مجالس وزرائه والجهات المختصة لتعزيز التعاون المشترك في مجال مكافحة الجريمة الوافدة والمخدرات والجرائم المنظمة وخصوصا جريمة غسل الأموال، التي تم بحثها في أكثر من اجتماع خليجي، ولا تعتبر الجهود الخليجية في مكافحة غسل الأموال وليدة السنوات الأخيرة فقط، وإنما بدأ التنسيق في هذا المجال منذ أن أُنشأ مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينات، حيث تعمل اللجان الأمنية التابعة للمجلس الأعلى على تبادل المعلومات ،خاصة منها المتعلقة بالصفقات المالية المشبوهة التي تتم في أي من الدول الخليجية.
وتؤكد الدراسة التي أصدرها مركز زايد للتنسيق والمتابعة على أن التصدي لظاهرة غسل الأموال لا يمكن أن يتم من منظور واحد يقتصر على إجراءات الرقابة والتشريع، من دون تحصين المجتمع فكريا وتوعيته بأشكال وأضرار هذه الظاهرة حتى لا يتعاطاها بأي صورة من الصور، وكي لا يقع في حبائلها، وهو ما يستوجب وجود نسق تربوي وثقافي وإعلامي يسلط الضوء مليا على الظاهرة وانعكاساتها، وتكون له مهمة إرشاد المجتمع نحو الفضيلة.