لماذا لا ينظم الفلسطينيون نقاشا عاما حول قضاياهم؟

بقلم: ماجد كيالي

لم يعتد الفلسطينيون، حتى الآن، على مناقشة قضاياهم مع بعضهم البعض، بمسؤولية وانفتاح وشفافية ، برغم أنهم أحوج من غيرهم إلى ذلك بسبب تشتتهم وظروفهم غير الطبيعية والتحديات الصعبة والمعقدة التي تواجههم، وهم في ذلك لم يخرجوا على الإجماع العربي من حول هذه القاعدة‍!
فالعرب، أيضا، لا يناقشون قضاياهم المصيرية مع بعضهم البعض، معتبرين أن هذه القضايا شأنا خاصا بالحكام وسرا من أسرار "الأمن القومي" وحقا من حقوق السيادة الوطنية.
ومثلا فهم غير مستعدين لإبداء أي "تنازل" بما يتعلق بتنسيق السياسات العربية سواء لمواجهة التعنت الإسرائيلي أو لجهة تحقيق السوق العربية المشتركة‍، أو حتى لتوحيد مناهج التربية والتعليم، ولكنهم مستعدون لغض النظر عن شؤونهم السيادية (الأمنية والاقتصادية وحتى القيمية) إذا تعلق الأمر بدعم الحرب الأمريكية ضد الإرهاب أو إذا تعلق الأمر بالدخول في منظمة التجارة العالمية‍!
المهم أن الفلسطينيين ليسوا أحسن حالا من غيرهم في هذا المجال، فمثلا إذا تجاوزنا الوقائع السرية لعقد اتفاقات أوسلو (1993) فإنه وعلى مدار عشر سنين من عمر مسيرة التسوية لم تجر القيادة الفلسطينية أي حوار جدي أو مسؤول حول القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين، لا في ورشات عمل مختصة ولا في هيئات تشريعية مسؤولة.
والمؤسف أنه بدلا من ذلك يتم الاكتفاء بعرض نتائج السلسلة الطويلة والمضنية من المفاوضات، بشكل شفوي، على اجتماعات القيادة الفلسطينية التي باتت بمثابة ناد، مفتوح، يسمع المشارك فيه من دون أن يتحدث أو يوافق من دون أن يجادل ويأخذ علما من دون أن يكون له الحق بصوغ السياسات.
الأنكى من ذلك أن هذا الوضع لا يقتصر على تعاطي القيادة الفلسطينية مع المنظمات أو الشخصيات العاملة في الحقل السياسي، وإنما هو ينسحب أيضا على طريقة تعاطي هذه القيادة مع الشعب الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، برغم من أن هذا الشعب، وخصوصا في الأراضي الفلسطينية المحتلة في هذه المرحلة، يدفع ثمنا باهظا لحماية الحالة الفلسطينية ومن ضمنها دعم خيارات هذه القيادة.
في المقابل يمكن ملاحظة أنه ثمة جهدا دؤوبا وحرصا كبيرا، من قبل القياديين الفلسطينيين، على إجراء نقاشات مطولة ومعمقة مع العديد من القياديين الإسرائيليين، في غرف مغلقة. وفي هذا الإطار، مثلا، سمعنا طوال المرحلة الماضية عن تفاهمات أبو مازن ـ بيلين، ثم عن تفاهمات بيريز ـ قريع، وعن مفاوضات جرت، بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، في السويد والنرويج وجنوب أفريقيا وفرنسا وألمانيا. وكنا شهدنا، أيضا، مفاوضات على غاية في الأهمية في كامب ديفيد ( أواسط العام2000) وفي طابا (مطلع العام 2001). ولكن وبرغم من كل هذه المناقشات والتفاهمات والمفاوضات فإننا لن نعثر على وثيقة رسمية، فلسطينية، تحدد القضايا التي تم التوافق أو الخلاف عليها بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، خارج الروايات الصحفية الموظّفة.
وفي الآونة الأخيرة جرى تطور جديد على أسلوب مناقشة القضايا الخلافية، حيث أدلى الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، برأيه في العديد من المسائل، المتعلقة بقضايا الخلاف مع الإسرائيليين، في مقال نشر باسمه في صحيفة نيويورك تايمز (3/2). وفي مقاله هذا تحدث عرفات عن رؤية فلسطينية للسلام تتأسس على قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، في كل ما يتعلق بشؤونها، في نطاق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 على أن تكون القدس عاصمة للدولتين (إسرائيل وفلسطين). وفي مقالته أكد عرفات على حق العودة للاجئين الفلسطينيين بموجب القرار 194 ولكنه استدرك، بالنسبة لتطبيق هذا الحق، بإبداء الاستعداد لتفهّم الوضع الديمغرافي الخاص لإسرائيل، وهو ما فهم منه في الساحة الفلسطينية على أنه استعداد من قبل القيادة للتنازل عن حق العودة؛ خصوصا وأن توقيت نشر هذا المقال جاء بعيد إدلاء سري نسيبة (مسؤول ملف القدس في السلطة الفلسطينية) لوجهة نظر، اعتبرها محض شخصية، مفادها أن السلام مع الإسرائيليين لا يمكن أن يقوم من دون التخلي عن حق العودة الذي لم يعد، برأيه، عمليا أو ممكنا.
وقبل الحديث عن الإشكاليات التي تخلقها هذه الممارسات والتوجهات في الساحة الفلسطينية ينبغي هنا التأكيد أولا، على ضرورة مواصلة الحوار والمفاوضات مع الإسرائيليين باعتبار ذلك شكلا من أشكال العمل السياسي، خصوصا أن الزمن هو زمن التسوية والمفاوضات، على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ والتأكيد ثانيا، على حق أية قيادة بهامش من المناورة والمرونة في خطاباتها وعلاقاتها.
أما الإشكاليات الأساسية التي تحيط بهذه الممارسات والتوجهات فهي تتعلق: أولا، بالانعكاسات السلبية لإصرار القيادة الفلسطينية على ممارسة حق احتكار القرار بما يخص القضايا الأساسية التي تمس بمستقبل الشعب الفلسطيني، ولاسيما منها قضايا: اللاجئين والقدس والعلاقات المستقبلية مع الإسرائيليين. إذ أن الحق في احتكار القرار يستدعي من القيادة الفلسطينية، قبل ذلك، الالتزام بواجباتها وفي مقدمة ذلك احترام الهيئات الشرعية الفلسطينية التي ينبغي أن تدرس التوجهات السياسية الجديدة وأن تفحص الخيارات المتاحة، لتنتقل بعدها لإقرار هذا التوجه أو ذاك، بما يخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
ثانيا، من الطبيعي أن تخضع كافة قضايا الصراع، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى عملية مراجعة على ضوء تغيّر المعطيات لدى كل منهما، بعد أكثر من خمسين عاما على قيام دولة إسرائيل، واختلاف الظروف العربية والدولية، وأخيرا بسبب ضغط موازين القوى غير المواتية بالنسبة للفلسطينيين. ولكن المشكلة هنا أن عملية المراجعة بالشكل الذي يتم إخراجها به تظهر الفلسطينيين بصورة غير لائقة وتوحي بأن الضغط عليهم يؤتي ثماره، ما يشجع على طلب المزيد منهم، كما حصل مرارا. كما أن عملية المراجعة التي تتم بهذه الطريقة "القيصرية" تؤدي إلى الإضرار بعملية التفكير الحقيقية التي يحتاجها الفلسطينيون، اليوم، لصوغ استراتيجية نضالية وسياسية جديدة لهم.
ثالثا، وفي واقع معقد، مثل الساحة الفلسطينية، فإن انتهاج مبدأ الصدمة السياسية، بين فترة وأخرى، يؤدي لاضعاف الثقة بالقيادة ويساهم بإشاعة روح الإحباط والهزيمة واللامبالاة وسط الشعب. والمعنى أنه لا ينبغي الركون إلى إجراء نقاش ما في الإطارات السياسية الرسمية والمغلقة، فقط، وإنما يجب أن تطلق، بالتوازي مع ذلك، حملة نقاش واسعة في مختلف التجمعات الفلسطينية وبمختلف الوسائل، من أجل خلق قاعدة شعبية عريضة متفهّمة للتوجهات التي يتم التوافق عليها، في الأطر السياسية.
أخيرا إن مبادرة القيادة الفلسطينية لإطلاق نقاش سياسي عام حول قضايا العمل الفلسطيني، تصارح فيه شعبها بالمعطيات الصعبة والمعقدة المحيطة بالقضية الفلسطينية، هو الأمر الطبيعي والمفترض، خصوصا وأن الفلسطينيين، الذين يدافعون بالنفس والنفيس عن حقوقهم وحريتهم وكرامتهم، لهم حقا على قيادتهم، طال انتظاره، في المصارحة والمكاشفة. ومبادرة مثل هذه من شأنها تجنيب الساحة الفلسطينية الخلافات، وتحصينها تجاه أية توترات أو مداخلات مضرة، كما من شأنها تعزيز ثقة الفلسطينيين بأنفسهم وبسلامة مسار قيادتهم.