الله وحده يعلم!

بقلم: ليندون لاروش

طالما أنني أنقل إليك ما يتم الحديث عنه صراحة في الدوائر السياسية والعسكرية والمالية في معظم أرجاء العالم، فإن عليك أيها القارئ تقبل لجوئي إلى استخدام لغة بسيطة وشائعة الاستخدام حتى تتمكن من استشعار نكهة ما يقوله هؤلاء الحمقى لبعضهم البعض.
لا تدع استخدامي لبعض الكلام الخشن يغشك. فالقضايا التي اطرحها هنا هي قضايا جدية جدا واكثر عمقا مما يمكن لجمهرة عباقرة المؤسسات الحكومية والبحثية أن يفهموه. أبدأ أولا بالكلام الخشن ثم أعرج وأركز على الدليل القوي الذي يثبت أنهم حقا حمقى يثرثرون بعد أن أسكرهم صنف زبيجنيو بريجينسكي من الإستراتيجيات الجنونية الطوباوية المصنوعة منزلياً.
بعيدا عن الكلام المزدوج، أقول بالبساطة التي كان سيستخدمها فرانسوا رابيليه لو كان مكاني، أن هؤلاء المجانين حول العالم قد أنهكوا أنفسهم باجترار "أحلامهم المبتلة" حول الهيمنة الإمبريالية الأميركية على كل العالم الذي أثقلته الأزمات والمفلس في الأساس. الله وحده يعلم ما سيقود إليه ذلك، إذا لم تتم السيطرة على هؤلاء المجانين!
الخطة الحالية هي تنفيذ خطة بريجينسكي ـ هنتنجتون ـ بيرنارد لويس لشن حرب عالمية للسيطرة على العالم بدءا من العراق. الخطط الحالية تشير إلى أن الهجوم على العراق سيقع في نهاية الصيف الحالي إن لم يقع قبل ذلك. القضية هي ليست العراق. فصدام حسين ليس هو القضية. المغفلون السخفاء فقط الذين يصدقون هراء مراسلة "سي أن أن" كريستيان أمانبور يعتقدون أن ما فعله العراق وصدام حسين أو ما يمكن أن يفعله أو ما لا يفعله هو القضية. القضية هي إشعال شرارة الحرب العالمية الجديدة. لكي تُحدث انفجارا عليك إيجاد صاعق مناسب. لقد وقع الاختيار على الهجوم على العراق لكي يكون الصاعق المناسب.
تلك هي الكرة المجازية. لا تدعها تغيب عن عينيك. أي كلام عكس ذلك فهو ثرثرة تمويهية تنشرها وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية لتشويش أعضاء الكونجرس وغيرهم من المغفلين.
بادئا ذي بدء، انظر إلى حملات القصف الأخيرة على أفغانستان البلد القليل السكان والمتحول إلى جحيم بسبب القصف في الحروب السابقة. كم من الناس هم من البلاهة إلى حد تصديق أن الولايات المتحدة قد فازت في حرب هناك أو أن البلد تحت سيطرة الحكومة أو أنه ليس على وشك الانفجار مجددا؟ لنطرح السؤال بصيغة أخرى: هل أخضعت الولايات المتحدة الأميركية هذا البلد فعلا؟ أو، ألم تدمر إمكانياته كاقتصاد وطني ليس لأي غرض إلا إنتاج وتصدير كميات هائلة من المخدرات؟ إن العباقرة الستراتيجيين المزعومين الذين جاءوا بمثل هذا النوع من أساليب الحرب قد تجاهلوا كل درس من الدروس السياسية الاقتصادية المتعلقة بطرق خوض الحروب عبر التاريخ الإنساني كله إلى اليوم. هذا هو نوع العباقرة الذين اعتقدوا أن شركة انرون وما يسمى "الاقتصاد الجديد" هما موجة المستقبل. كم من الطاقة سيتم إنتاجها من أجل التصدير من اقتصاد قد تم تدميره ماديا؟
في هذه الأثناء، دراكيولا وحده، الذي يتخفى أحيانا في هيئة رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي ألان جرينسبان، سيستمر في ترديد وعوده بانتعاش اقتصادي في منتصف الليل للمغفلين السائرين ورائه.
بعد أن قلنا ذلك، ألق نظرة على الواقع الاقتصادي لمحصول الأحلام المبتلة الاستراتيجية للمحاربين العالميين. درس في الهندسة إن تعليقي المقتضب على غباوة الموقف الرسمي في واشنطن ولندن في ظل حكم بلير هو التالي. إن الخاصية المميزة للطوباوية الستراتيجية في مرحلة ما بعد الجنرال ماك آرثر كانت ولا تزال محاولة فصل المسائل الستراتيجية عن تلك المتعلقة باقتصاد الولايات المتحدة والعالم كما كان الرئيس فرانكلن روزفيلت يعرف تلك العلاقات على سبيل المثال. إن المثال الذي يميز الإستراتيجيات المهووسة الخطرة لهؤلاء الطوباويين هو إصرار هنري كيسنجر على تجاهل دروس اتفاقية ويسفاليا لعام 1648.
خذ مثالا واحدا على هذه المشكلة، وهو دور تطوير وسائل تحلية المياه وإنتاج الطاقة في الشرق الأوسط. إن النقطة الأساسية في غباوة مفاوضات كلنتون ـ باراك ـ عرفات في كامب ديفيد كانت استبعاد قضايا التنمية الاقتصادية الإقليمية والبرامج الكبرى لتحلية المياه من المناقشات منذ البداية. كانت طريقة كلينتون محكوم عليها بالفشل من البداية. إن الواجبات التي التزم بها كلينتون تجاه رئيس الوزراء باراك، وكأنه أحد زبائنه، شوشت رؤيته ودفعته إلى التغاضي عن حقيقة أن مسئوليته في تلك المفاوضات كانت العمل وفقا لمصلحة الولايات المتحدة وكممثل لها.
كانت مصلحة الولايات المتحدة ولازالت اليوم تكمن في ضمان صيغة دائمة لسلام حقيقي في الشرق الأوسط وليس الفوز بغنيمة دبلوماسية قصيرة العمر للرئيس. لقد كتبت مرارا محذرا من هذا الخطأ في طريقة الرئيس ولكنه لم يستمع لكلامي، ولذلك فشل. لقد وقع كلينتون، كما وقع باراك، في شرك الطوباوية، شرك السياسات التي لا تولي أي اعتبار لمبادئ الاقتصاد الفيزيائي التي تعتبر الأساس الذي لا يتغير لأي منظور لإحلال سلام في أية حالة مشابهة أخرى. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن باراك كان يشعر بمسدس الجيش الإسرائيلي موجها إلى مؤخرة رأسه أثناء المفاوضات، فإن كلينتون وليس عرفات هو المسؤول الحقيقي عن فشل تلك المفاوضات. إننا ندفع اليوم ثمن حماقة كلينتون.
لا بد من الاعتراف بأن عددا قليلا جدا من المفكرين الستراتيجيين العسكريين في مجتمعنا المعاصر قد أتقنوا المبادئ المؤسسة لعلم الاقتصاد بينما جميع القادة العظماء والمفكرين الإستراتيجيين من ليوناردو دافنتشي وماكيافيلي وإلى القادة العسكريين الذين سبقوا مدة الخمسينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة كانوا مدركين بشكل حاد لرؤية أهمية دور الهندسة العسكرية للقضايا اللوجستية باعتبارها أساس أي تخطيط ستراتيجي كفء. بصعود الجناح الطوباوي في جيشنا حل تعليم الأنواع المريضة لعلم الاجتماع وعلم النفس محل المؤهلات التقليدية لتقاليد كلية ويست بوينت العسكرية West Point التي وضعها سيلفانوس تايير Sylvanus Thayer. إن أتباع هذه التعاليم المريضة غير المجدية "للعمليات العسكرية الخاصة" الذين هم اليوم في موقع المسؤولية عن وضع السياسات العسكرية الطويلة الأمد هم وراء التركيز الحالي لاستهداف العراق.
إن أولئك الذين لديهم رغبة جادة في متابعة هذه النقطة عليهم أن يدرسوا بشكل دقيق مقالتي الأخيرة "علم الاقتصاد: عند نهاية وهم" ( "Economics: At The End of Delusion." موجود باللغة الإنجليزية فقط على الموقع: www.larouchein2004.com ). الحكومات العاقلة ستحاول قراءة تلك المقالة بانتباه شديد، وإلا فإن جملة "عند نهاية وهم" ستكون مناسبة لتوضع على شواهد قبورها.
سيكون هنالك المزيد لنقوله قريبا حول هذا الموضوع المهم. Executive Intelligence Review
www.larouchepub.com
www.nysol.se/arabic
eirarabic@nysol.se