تحليل: هل تسبق عربة التطبيع العربي حصاني السلام السوري والفلسطيني؟

بيروت- من محمد سلام
المبادرة السعودية تقلق سوريا

هل رؤية ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز حول التطبيع العربي الكامل مع إسرائيل مقابل انسحابها الكامل هي صيغة سابقة للسلام السوري-الاسرائيلي أم لاحقة له؟
السؤال، تؤكد دوائر دبلوماسية عربية وغربية، هو لب اللغز الذي سيطر على الاجواء العربية خلال الاسبوعين الماضيين منذ طرح الامير عبد الله رؤيته في مقابلة مع صحيفة أميركية، وما تلاها من ردود فعل عربية تراوحت بين الترحيب والترقب، وبين السؤال عما إذا كانت الرؤية ستتحول إلى مبادرة في قمة بيروت المقبلة، وبين الصمت الحذر.
والجواب الذي سعى الرئيس السوري بشار الاسد للحصول عليه من السعودية هذا الاسبوع يعكس الحرج الذي عانت منه أنظمة العقائد القومية من مبادرة الامير عبد الله، خوفا من أن تكون صيغة لمبادرة سابقة لاتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل، وفق المعلومات المتداولة لدى الدوائر الدبلوماسية الراصدة لاتجاهات عملية السلام في الشرق الاوسط.
سوريا، قبل زيارة الاسد للسعودية، التزمت الصمت. أما الزعيم الليبي معمر القذافي فإنه لاذ بالفضاء الافريقي تحاشيا للاحراج العربي الذي شكلته له رؤية الامير عبد الله.
ومن دون محاولة الخوض في معرفة تفاصيل ما أبلغته السعودية للاسد، الذي أعلن ترحيبه بمبادرتها بعد محادثاته في الرياض، فإن مصدرا دبلوماسيا واسع الاطلاع يجزم بأن المملكة "طمأنت الاسد إلى أنها لن تضع عربة التطبيع الاقليمي أمام جواد السلام السوري، ولكن شرط أن لا يتخلف الحصان السوري عن جر العربة".
بكلام أقل رمزية، يوضح المصدر الاوروبي أن رؤية الامير عبد الله هي "سيف ذو حدين، من جهة هي مبادرة أعدت لتطرح على المفاوضات المتعددة الجنسيات لتكون المدخل إلى معاهدة سلام نهائي في المنطقة، وبالتالي فإنها حالة لاحقة لسلام فلسطيني-إسرائيلي، سوري-إسرائيلي، ولبناني-إسرائيلي".
ويضيف المصدر "هذا أحد الحدين، أما الحد الثاني للرؤية، فهو أن الاطراف العربية الثلاثة مدعوة إلى أن تستبق، عبر المفاوضات الثنائية، المبادرة النهائية. أي أنه لم يعد هامش الوقت مفتوحا أمام سوريا، وفلسطين ولبنان. يجب أن يتحرك شيء، لانه إذا لم يتحرك شي فإن المنطقة غير قادرة على الانتظار إلى ما لا نهاية".
"إنها مسألة توقيت، وسباق مع الزمن. لا تستطيع كل الدول العربية أن تعيش في عالم متغير وضعا غير مستقر على وقع صراع بين كل من ثلاثة دول وإسرائيل، علما أن الصراع بمعناه العنفي الدموي لم يعد قائما إلا بين فلسطين وإسرائيل. لا تستطيع كل الدول العربية أن تنتظر مفاعيل اللاءات التقليدية لكل من سوريا ولبنان"، وفق رأي المصدر.
ولا تكتمل الصورة إلا بمحاولة معرفة ما قدمته السعودية من وعود للاسد في شأن رؤية الامير عبد الله. فالسؤال الثاني الذي لا يقل أهمية، بل، يعتبر المصدر أنه "قد يكون أكثر أهمية، هو: ما هي الوعود التي قدمها الاسد للسعودية؟"
الاجابة الاولية عن التساؤل قد تظهر من القمة العربية المقبلة التي تنعقد في بيروت في الاسبوع الاخير من آذار/مارس الجاري والتي ستحدد المدى الزمني الذي يتحمله العرب لانتظار نتائج المفاوضات الثنائية.
ويقول المصدر الاوروبي أن العرب أعطوا المفاوضات الثنائية "تقريبا 11 سنة عزيزة من عمر دولهم وشعوبهم واستقرارهم، منذ انطلقت العملية التفاوضية في مؤتمر مدريد العام 1991 والعرب ينتظرون. بعض العرب حقق خروقا، الاردن أنهى المسألة، الرئيس الفلسطيني سار على الدرب، وعليه أن يكمل، لبنان تأمن الانسحاب الاسرائيلي منه، رغم تأكيده على مسألة استعادة مزارع شبعا، أما سوريا فلم تحقق شيئا في 11 عاما!"
ويشدد المصدر على أن "مسؤولية إسرائيل في عدم التوصل إلى حل نهائي لا يمكن إنكارها. والمجتمع الاسرائيلي يدفع الثمن الآن، كما دفعه في جنوب لبنان قبل الانسحاب منه في أيار/مايو من العام 2000 ولكنه سيظهر حلا، كما أظهره في لبنان".
"يجب أن نتذكر بوضوح شديد،" يؤكد المصدر، "أن الرئيس بشار الاسد استلم الحكم منذ أقل من سنتين فقط، وليس مسؤولا عن السنوات التسع السابقة. من المنطقي الاعتبار أن الرئيس السوري قرر أن يمتطي مركبة الزمن. قد تكون وعوده للسعودية ضمن هذا الاطار".
ولحظ المصدر أن الخطاب السياسي السوري حيال رؤية الامير عبد الله، والذي انطلق بعد محادثات الاسد في السعودية، لم يضف إلى "مفردات رؤية ولي العهد السعودي أي جديد باستثناء التشديد على حق العودة" حيث أن التشديد السوري على الانسحاب من مرتفعات الجولان المحتلة كان متضمنا في الرؤية السعودية تحت عنوان الانسحاب الكامل.
أما حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي تم تهجيرهم منها منذ قيام دولة إسرائيل في العام 1948 واحتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة بعد ذلك بتسعة عشر عاما، والذي يصر عليه لبنان للحؤول دون توطين نحو 370 الف لاجئ فلسطيني على أرضه، فإنه وفق المصدر "حق. والحق في المفهوم القانوني له ثمن. وهذا المبدأ مارسه لبنان على أرضه وعلى شعبه".
وتساءل "ألم يكن لمواطنين لبنانيين حقوق، عينية واعتبارية، في وسط بيروت التجاري وجاءت الحكومة بداية التسعينات ووضعت اليد عليها بعد أن حددت لها قيما مادية، وأعطت أصحابها بدلا منها أسهما يتم تداولها في البورصة لقاء إطلاق مشروع سوليدير؟". والاشارة هنا إلى مشروع إعادة إعمار وسط العاصمة اللبنانية بعد الحرب الاهلية التي دامت 17 عاما.
وأضاف "ألا يوجد في لبنان، حتى الآن، من يطالب بحق العودة إلى الوسط التجاري، ويعتبر أنه لم يحصل على حقه؟ ومع ذلك فما أقر قد أقر. حق العودة الفلسطيني ليس استثناء. له محفظته، وله دوله المانحة، وليس بحاجة إلى اكتتاب مثل شركة سوليدير. وأصحاب حق العودة، على ما يعرف الجميع، معظمهم يفضل ثمن هذا الحق على ممارسته".
هل يعني ذلك أن قرار التوطين قد اتخذ؟
إذا كانت أرض السلطة الوطنية الفلسطينية التي يجري تدميرها في الصراع بين دبابات رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون وبنادق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سيعاد إعمارها على طريقة وسط بيروت، التي يفتخر رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بأنها زهرة المدائن الجديدة، فإن الجواب ليس بحاجة إلى مخيلة واسعة.