«الكاشي الكربلائي» مهنة الأسرار في العراق

بغداد - من هاني عاشور
لمسة فنية وصلت الى اطراف اسيا القصية

في كربلاء يوجد صانعوه ومن بين أيديهم ينتشر في كل مكان، في مدن العراق والدول الإسلامية.. إنه السيراميك أو ما يطلق عليه العراقيون تسمية "الكاشي الكربلائي" وهو فن عراقي ارتبط بالتراث العربي الإسلامي وبالأماكن الدينية وبشكل خاص المساجد، والأضرحة، والمدارس الدينية.
ومنذ سنوات طويلة أصبح لهذا الفن حرفيون معروفون احتفظوا بأسرار الصنعة لينقلوها إلى أولادهم وأحيانا إلى بناتهم لتصبح عائلات عراقية معينة هي القادرة وحدها على صناعة النقوش على الطين المفخور يطرزون به المنائر وواجهات المساجد، ولتجعل هذه العائلات من بيوتها التي تحتضن مصانعها الصغيرة مدارس لأسرار مهنة (الكاشي الكربلائي)، وتستقر هذه العوائل في مدن كربلاء والنجف وبابل بشكل رئيس في العراق ومن هنا جاءت التسمية.
والكاشي الكربلائي كما يؤكد بعض المختصين هو الفن الفلكلوري الموغل في القدم في حضارة وادي الرافدين فقد وجد في العصر البابلي وهو يزين القصور والمعابد ويبدو ذا قيمة فنية عالية.
وقد ارتبطت صناعته بفن العمارة واجتمع فيه ثالوث الفن: الخط والرسم والزخرفة، واختص بصناعته فنانون مبدعون وموهوبون بالفطرة أجادوا تنسيق الخطوط ومزج الألوان لتظهر بمستوى راق.
وقد اشتهرت كربلاء بهذا الفن التراثي، واقترن اسمه باسمها. ومن أهم الفنانين والنقاشين المختصين عباس الموسوي. ويقول الموسوي وهو يخرج يديه من آخر خلطة للألوان يستعد لنقشها ومن ثم نقلها إلى أحد المساجد في بغداد "لقد توارثت عوائل معدودة أسرار هذه المهنة التي تتطلب قدرا وافيا من الحرفية ومزيجا من الخبرة والمهارة والذوق الرفيع والصدق في التعامل مع المادة الأولية".
ويضيف قائلا "يعد النقاش إبراهيم ونجله جليل وعبد المجيد أشهر من أتقنوا هذا الفن. وتميزت كربلاء بالنوعية ذات القيمة العالية في الإنتاج فكانت الجودة والإتقان هما الهاجس الوحيد الذي يجعل الكاشي يقاوم مختلف الظروف البيئية وقد نجحنا في تطوير العمل من خلال إدخال الآلات الحديثة في غسل وتخليص التربة من الأملاح إضافة إلى طحن التربة".
وعن مراحل العمل للوصول إلى إنتاج القطع المختارة يقول الموسوي "كان هناك اعتقاد قديم ان هناك خلائط تدخل في تحضير الألوان التي تكسب السيراميك لونه النهائي، ولكن نحن نعمل على مزج الألوان واستخلاصها بطريقة فنية حديثة مما يؤدي إلى تباين في جودة الصناعة".
لكن أهم شيء كما يقول الموسوي في هذه الصناعة هو نقاوة التربة من الأملاح واستخدام الألوان من مناشئ تمتاز بجودتها في المزج. ومن أهم مقومات العمل هو انتخاب التربة الصالحة ويأخذ بنظر الاعتبار أن يكون التراب (الحر) الذي يؤخذ من الأرض (البكر) غير المزروعة ومن ثم تغسل التربة لتنظيفها من الشوائب والأملاح وتجفف لتقطع بقياسات حسب الطلب بعد ذلك تفخر في أفران بدرجة حرارة عالية، ثم تطلى بعدها بلون أبيض هو لون الأساس ثم تدخل قاعة النقش والرسم وتدخل بعدها إلى أفران أخرى لتأخذ الشكل النهائي.
وتعد الرطوبة والأملاح من أشد أعداء الكاشي ويصل عمر الكاشي عالي الجودة من 500 إلى 1000 عام. وعندما تشاهد نموذجا من الكاشي يبلغ عمره أكثر من 30 عاما فإنه يبدو لك جميلا جدا وكأنه صنع توا.
وحين يسأل الموسوي لماذا تحتفظون بأسرار هذه الصنعة من دون الناس؟ قائلا: "قبل كل شيء لابد أن أوضح أن هناك مزايا معينة يجب أن تتوفر في العاملين في هذه المهنة: أولها إتقان قراءة القرآن الكريم أو حفظه لأن الكثير من النقوش تعتمد على نقش آيات معينة على الكاشي الكربلائي إضافة إلى المعرفة بأنواع الخطوط الكوفي والثلث والنسخ وغيرها من أنواع الخطوط التي غالبا ما تستعمل في رسم حروف الآيات القرآنية، ومثل هذه الميزة لا تتوفر في الكثير من العاملين".
ويستطرد قائلا إنه "يضاف إلى كل ذلك أن عمليات تنفيذ القطع الفنية تتطلب دقة ومهارة عالية, لا يمكن معرفتها خلال أيام أو أسابيع ولهذا فإن العاملين في هذه المهنة اليوم هم ممن تعلموها وهم مازالوا صغارا من آبائهم أو أجدادهم وخاصة أسرار صناعة الألوان".
ويضيف القول "تلتحق بهذه المزايا مزايا أخرى فالعمل لا يقتصر على صناعة الكاشي فقط, وإنما على وضعه في الأماكن المحددة التي تبلغ أحيانا ارتفاعات عالية جدا مثل المنائر وقباب المساجد وهذا يتطلب من العاملين بذل جهد كبير وخطورة أكبر لتحقيق النموذج الفني الراقي الذي نحافظ فيه على سمعة المهنة وأسرارها".
وحين يسأل هل هذه هي كل الأسرار؟ يقول الموسوي بثقة "بالطبع لا.. فهناك أسرار أخرى وهي أن هذه المهنة تدر أرباحا كبيرة جدا وهذا يعني أن الذين يعملون فيها يتفرغون إليها بشكل نهائي لما تدره عليهم من مبالغ كبيرة، مما يجعلنا نحرص على أن تكون في أيدي أناس معدودين، لأن المبالغ الكبيرة قد تجعل الآخرين يسيئون للصنعة بهدف كسب المزيد من المال فلا يفرقون بين المال والمهمة التي تقتضيها المهنة التي غالبا ما تكون مهنة محافظة والعمل فيها يجري في أماكن مقدسة وهو أهم ما فيها".