«مستعربون» و«واقعيون»: ادارة بوش غير قادرة على اخراج المواجهة الاسرائيلية

بقلم: الكسندر كوليك

من السابق لأوانه التحدث عن نتائج الحرب الشاملة التي اعلنها الاميركيون ضد الارهاب. ولكن في السياسة الخارجية الاميركية اتجاه واحد على الاقل يمكن ومن الضروري استعراض نتائج النشاطات من خلاله. المقصود هو مهمة الوساطة الاميركية لتسوية العلاقات العربية - الاسرائيلية.
ويتقدم الى الصف الاول في الوضع الراهن في الشرق الاوسط مصير الشعب الفلسطيني باعتبار ان المواجهة الاسرائيلية- الفلسطينية المستمرة منذ ايلول العام 2000 تتخذ طابعا دمويا اكثر فاكثر. ان الائتلاف البرلماني الذي شكل في آذار العام الماضي والحكومة برئاسة رئيس الوزراء شارون اختارا الطريق العسكري لتسوية علاقات اسرائيل مع الفلسطينيين. ويتوجب القول ان القيادة الاسرائيلية الحالية تدفع بالقضية الى التخلي النهائي عن اتفاقات اوسلو والاتفاقات السلمية الاخرى والى اعادة احتلال الاراضي الفلسطينية التي تشرف عليها الادارة الوطنية الفلسطينية.
ان مثل هذه السياسة التي تمارسها حكومة شارون تؤدي الى تنشيط القوى المتطرفة في الوسط الفلسطيني المستعدة لاستخدام كل الوسائل في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. وان الراديكاليين الفلسطينيين الذين لا يملكون امكانات خوض مقاومة مسلحة واسعة ضد المحتلين، وخصوصا الاسلاميين، اختاروا تكتيك الارهاب بما في ذلك ضد السكان المدنيين. وفي حال استمر تطور الاحداث حسب سيناريو "الصقور" الاسرائيليين والفلسطينيين فان المجتمع الدولي يمكن ان يصبح شاهد زور على جريمة ثقيلة بحق البشرية هي ابادة الشعب الفلسطيني. ان القوى متفاوتة جدا بين اسرائيل التي تملك احد اقوى الجيوش في الشرق الاوسط وبين الفلسطينيين العزل تقريبا. ومن المهم القول لاسباب موضوعية ان مسؤولية مثل هذا التطور للاحداث تقع بشكل اساسي على عاتق ادارة الرئيس بوش.
ونذكر بأن الاميركيين اخذوا على عاتقهم في العام 1967 المسؤولية عن دور الوساطة الخارجية في تسوية النزاع العربي-الاسرائيلي. وابتداء من ذلك الوقت قاومت جميع الادارات الاميركية عمليا كل محاولة من قبل قوى خارجية اخرى بما في ذلك حلفاء اميركا في حلف شمال الاطلسي، للتدخل في نشاطات الوساطة التي تقوم بها هي. ان مثل هذا الموقف المستمر طوال سنة يواصل التمسك به فريق الرئيس بوش ايضا. وما يشهد على ذلك هو رفضه تأييد المبادرات الحالية التي قدمها الاتحاد الاوروبي لحل القضية الفلسطينية نهائيا.
الاوساط الحاكمة الاسرائيلية التي تعترف بالاميركيين بمثابة ضمانة فعلية لأمن اسرائيل و"صانعي سلام" اساسيين، تقاوم بصرامة بدورها مساعي الولايات المتحدة لفرض ارادتها عليها، بل لتنفيذ رغبة الاسرائيليين.
ان هذه الخلافات بين الولايات المتحدة واسرائيل وجدت وتوجد دائما في حقل رؤيا السياسيين الاميركيين والاسرائيليين وممثلي طبقة المثقفين والمراكز العلمية والخبراء في شؤون الشرق الاوسط. وحتى ان مناقشات هذه المسائل قسمت المنظرين والتطبيقيين الاميركيين المعنيين بشؤون الشرق الاوسط الى ما يسمى "مستعربين" و"واقعيين". واشتدت الخلافات بينهم بعد الاعمال الارهابية في الولايات المتحدة يوم 11 ايلول من العام الماضي.
وينسب الى "المستعربين" في ما وراء المحيط علماء السياسة والتطبيقيين الذين يقيمون سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط ويقدمون مشاريعهم بشأن تسوية التناقضات العربية-الاسرائيلية انطلاقا من تلك الاسس السياسية والايديولوجية والدينية وغيرها من اسس التعايش الانساني التي يسميها الاميركيون انفسهم "القيم الديمقراطية الانسانية العامة". الميل العام لدى "المستعربين" بشأن مسائل التسوية الشرق اوسطية يمكن اصطلاحا تلخيصه بالتالي. انهم يعتبرون ان عدم حل القضية الفلسطينية يعتبر المصدر الاساسي لعدم الاستقرار في الشرق الاوسط. ويعتقدون بأن العالم العربي مستعد للتسوية السلمية للعلاقات مع الدولة اليهودية. وحسب رأي "المستعربين" ان انسحاب اسرائيل الى حدود العام 1967 مع تعديلات طفيفة يتفق عليها خلال المفاوضات، واقامة دولة فلسطينية مستقلة، ستؤدي الى تسوية النزاع العربي-الاسرائيلي. الشيء الوحيد الذي يعترض طريق مثل هذه التسوية هو مقاومة تل ابيب لهذه الفكرة بحد ذاتها بشأن تقرير مصير الشعب الفلسطيني.
ويعتقد "المستعربون" بأن المصالح الاميركية في الشرق الاوسط تتطلب تعزيز فعالية الدبلوماسية الاميركية بهدف تسوية النزاع العربي-الاسرائيلي، اذ في غير هذه الحالة سيزداد التوتر في المنطقة باستمرار ويزداد باطراد خطر اندلاع اعمال عسكرية واسعة النطاق. ان مهمة واشنطن الرئيسية ، في رأي "المستعربين" هي حمل اسرائيل على تقديم تنازلات، وتملك الاوساط الحاكمة الاميركية امكانات غير قليلة للقيام بذلك. وهم يعتبرون ان الادارات الاميركية لا تنفذ هذه المهمة بسبب ضغوط اللوبي الموالي لاسرائيل الذي يملك مواقع قوية على الساحة السياسية الداخلية الاميركية ويعمل بخلاف ما تقتضي المصالح الاميركية الوطنية الحقيقية.
يقول "المستعربون" ان المصالح الاميركية الاساسية في العالم العربي يجب لهذا، ان "تبتعد" بقدر معين عن الدولة اليهودية. ان اصحاب وجهة النظر هذه يلحون على ان مثل هذا الموقف ككل يعكس الموقف الاكثر انتشارا في العالم من النزاع العربي- الاسرائيلي ومن سبل تسويته. للوهلة الاولى قد يبدو مثل هذا التأكيد معاديا لاسرائيل. ولكن الامر ليس كذلك. المسألة هي ان الاسرائيليين شاءوا ذلك ام لا فان التاريخ عين عليهم ان يعيشوا في الشرق الاوسط. لا احد يختار جيرانه، ومصير اسرائيل كان ويكون وسيبقى مرتبطا بالعالم العربي الذي تخدم المصالحة معه مصالح الشعب الاسرائيلي.
ولكن موقف "المستعربين"، مع انه يعكس موضوعيا مصالح الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني وتؤيده اغلبية الدول الاعضاء في الامم المتحدة، لا يلقى التأييد لدى الاوساط الحاكمة الاميركية. ان تحليل سياسة الولايات المتحدة يحمل على التأكيد ان المستعربين" لم يتمكنوا حتى الآن من ادارة اتجاه السياسة الاميركية. ان النشاطات العملية للادارات الاميركية في الشرق الاوسط خلال السنوات الثلاثين الاخيرة لم يحددها هم، بل "الواقعيون".
وينسب الى هؤلاء ممثلو ذلك الجزء من النخبة السياسية الاميركية الذي يدرك اهمية الاعتماد على "القيم الديمقراطية الانسانية العامة"، والذي يعتبر ان السياسة الاميركية الشرق اوسطية يجب ان ترتكز على "وقائع الوضع في هذه المنطقة". وهذه الوقائع تؤدي في رأيهم، الى ما يلي: اسرائيل تعتبر "الدولة الديمقراطية" الوحيدة في الشرق الاوسط، وتبقى حليفا وفيا للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو. والعلاقات العسكرية-السياسية وحدها مع هذه الدولة يمكن ان تضمن وصول الاميركيين دون عراقيل الى الثروات النفطية للدول العربية وفي الخليج العربي، ووضع العالم العربي برمته تحت الاشراف.
اضافة الى هذه الذرائع "العالمية" يعترف "الواقعيون" بأنه يتوجب على الادارات الاميركية ان تحسب حساب تبعيتها لدورة الانتخابات كل اربع سنوات سواء الرئاسية او في الكونغرس. وفي الحملات الانتخابية هذه فان الجالية اليهودية الاميركية واللوبي الموالي لاسرائيل لعبت وتلعب دورا مهما.
وفي مجال تحليل السجال بين "المستعربين" و "الواقعيين" يمكن الاقرار بانه في مجرى الخلافات السياسية كان من الصعب دائما على "الواقعيين" تأكيد صحة موقفهم، ولكن على الصعيد العملي وخصوصا قبل الانتخابات العامة الدورية، فهم كانوا المنتصرين دائما.
وفي فريق الرئيس بوش حاليا ينتصر "الواقعيون" ايضا. ومن ضمنهم نائب الرئيس تشيني، ووزير الدفاع رامسفيلد, ومساعدة الرئيس لشؤون الأمن القومي رايس واعضاء آخرون نافذون في ادارة بوش. وبالنسبة الى هؤلاء ان الاهم ليس "القيم الديمقراطية الانسانية العامة" ولا مصير التسوية في الشرق الاوسط، وانما المسائل المتعلقة بالحملة الانتخابية في مجلس الممثلين وجزء من اعضاء الكونغرس في تشرين الثاني من العام الجاري التي بدأت عمليا. ويشار في هذا السياق ايضا الى الصراع وراء الكواليس بين الديمقراطيين والجمهوريين على الفوز في الانتخابات الرئاسية في العام 2004. وفي هذا الصدد ان "المستعربين" امثال وزير الخارجية باول، يبدون اقلية. انهم يخشون من ان النشاط الزائد بشأن قضايا الشرق الاوسط يؤلب ضدهم اللوبي الموالي لاسرائيل القوي جدا. ولا يزال "المستعربون" يتذكرون ان مثل هذا النشاط ادى الى هزيمة الرئيس بوش الأب في انتخابات العام 1992.
وبالنظر الى ما ذكر يمكن الوصول الى خلاصة مفادها ان فريق الرئيس الحالي بوش غير قادر على اخراج المواجهة العربية-الاسرائيلية من المأزق الحالي الخطر وتخفيف التوتر في العلاقات الاسرائيلية-الفلسطينية. ولا يمكن حل هذه المهمات الا بشرط تنشيط جهود الوساطة من جانب الامم المتحدة والبلدان الاوروبية. الكسندر كوليك، معلق سياسي روسي