عزمي بشارة.. فارس الجليل

بقلم: نضال حمد

في السابع والعشرين من شباط/فبراير تبدأ اولى جلسات محاكمة المناضل الفلسطيني الشجاع والجريء الدكتور عزمي بشارة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي. وتعد هذه المحاكمة مخالفة للقوانين والاعراف الاسرائيلية اولا والعالمية ثانيا والاخلاقية والانسانية ثالثا ورابعا..
ما الذي تريده حكومة اسرائيل من محاكمة بشارة؟
هذه الحكومة العنصرية التي تعبر عن حالة الفوضى والتطرف التي تعم الحياة الاسرائيلية والتي اخذت تتوسع لتشمل قطاعات واسعة من هذا المجتمع المركب بشكل عجيب, والذي هو عبارة عن فندق مؤلف من طبقات عديدة ومن غرف كثيرة, في هذا الفندق تجد الجناح السفارديمي والاخر الاشكنازي. وفي كلا الجناحين تجد ايضا الفرقة والتباعد والتناحر وعدم الانسجام الا فيما يخص العداء للفلسطينيين. فالروسي الاتي من عهد "تجار الشنطة" على غرار معظم بلدان اوروبا الشرقية سابقا يبقى يفكر بنفس طريقة البيزنيس التي تعلمها وتربى عليها في المعازل الشرق اوروبية وحملها معه لشرق المتوسط كي يستفيد منها في استيطانه الجديد على ارضنا.
وهذا ينطبق على القادمين الجدد من بلاد اوروبا الشرقية التي تحولت بعد انهيار النظام الاشتراكي الى دول تبيع كل شيء ولا تشتري سوى بقايا الصناعات الاميركية والاوروبية. كما ان "تجار الشنطة" في اوروبا الشرقية تحولوا مع الايام ليصبحوا رجال اعمال كبار في مجتمعاتهم الداخلة حديثا على لعبة البرلمانات والانتخابات الديمقراطية على طريقة اوروبا الغربية واميركا اليانكية.
لهؤلاء الذين تصح تسميتهم بقادة المصادفة ينتمي ميلوس زامان رئيس وزراء تشيكيا المتصهين وممثلي المهاجرين الروس في الكنيست الاسرائيلي وحكومات اسرائيل المتعاقبة, ولهؤلاء طريقة تفكير واحدة وحسابات مماثلة تبدأ بالعملة الصعبة وتنتهي ببيع المواقف حسب العرض والطلب والدفع.
هؤلاء المنتفعون, عبيد الدولار، هم من يجب ان يوضعوا في قفص الاتهام ومعهم رؤساء وزارات اسرائيل الذين تلطخت اياديهم كلهم بدماء ابناء الشعب الفلسطيني والشعوب العربية, منذ بداية اغتصاب فلسطين وقيام دولة اسرائيل على تلك الارض, التي شاءت الاقدار ان يولد فيها عزمي بشارة وان يصبح مع الايام واحدا من قادة شعب تلك الارض, الذي بقي متشبثا بارضه وصامدا في وطنه, والذي تحول بفضل عبقرية اليهود العنصرية بحرب سريعة وخادعة ودموية استلهمت من جزاري الحرب العالمية الثانية اساليب القتل والابادة والتصفية وعملت بها واذاقت اهالي فلسطين الابرياء عذابات وصنوف من الارهاب الحقيقي لم تكن المنطقة رأت مثيلا لها من قبل.
بفضل عقلية الصهيونية العنصرية, الاستعمارية, الاستعلائية و الدموية تمت اكبر عملية احتيال وتزوير للحقائق. حيث تم اغتصاب فلسطين بالقوة وتحويلها بالقوة ايضا لاسرائيل, وتم اقناع الدول والامم بان هذه الارض هي ارض بلا شعب لشعب بلا ارض, اي لشعب الله المختار كما يدعي اليهود.
اليست هذه الكلمات تعبر عن نهج عنصري يلتقي في استعلائه وشوفينيته مع كلام كثيرين من الطغاة في العالم من فرعون الى هتلر, حيث كان كل منهما يعتبر عرقه هو الافضل وهو المختار لقيادة البشر؟ وهذا الكلام ينطبق على النهج الصهيوني الذي يعتبر نفسه مختارا ومميزا وافضل واذكى وارقى من البشر, كما انه على هذه الخلفية يمارس ابشع انواع الترهيب والترغيب بحق الشعب الفلسطيني وبحق مواطني اسرائيل الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم وعلى ارضهم ولم يبدلوا جلدهم بل حافظوا على انتماءهم الوطني وعملوا في ظل نظام جديد فرض عليهم بفعل غياب فلسطين عن الخريطة السياسية والجغرافية وولادة دولة اسرائيل على حطام دولتهم.
ان محاسبة ومحاكمة عزمي بشارة على خلفية تأييده للمقاومة ضد الاحتلال امر يثير الشفقة على النظام البرلماني والسياسي والقانوني في دولة تدعي انها الواحة الديمقراطية الوحيدة في العالم.
كيف يجرد عضو برلمان منتخب من حصانته النيابية ويقدم للمحاكمة لمحاسبته على موقف ابداه وهو يعبر به عن رأي منتخبيه من مواطني تلك الدولة؟
بصراحة هذه محاكمة محروقة ومكشوفة ومفضوحة وهي مبنية على حقد مسبق وتتعامل بعداء وعنصرية وبغضاء مبيتة, وهي تريد الانتقام من عزمي بشارة ومن الذين انتخبوه, ومن الفلسطينيين من مواطني دولة اسرائيل الذين كتب عليهم ان يبقوا مواطنين من الدرجة الرابعة او الخامسة في الكيان العبري المختار ليهوده فقط, والذي لن يتسع ولن يشمل كافة سكان تلك الارض. وتاريخ التعامل الاسرائيلي مع الشعب الفلسطيني في المثلث والنقب والجليل مليء بالامثلة التي تؤكد عنصرية اسرائيل وقادتها من بنغوريون حتى الضبع شارون.
بن غوريون قاد مع بيغن وشامير وعصابات الهاغاناه والشيترن وجيش الدفاع الاسرائيلي "تصوروا هذا الاسم الجميل جيش الدفاع الذي قضى العمر ولازال يهاجم جيرانه.." المجازر والمذابح وحملات التهجير والتدمير التي شملت حوالي450 مدينة وقرية فلسطينية, فدمرت ما دمرت وقتلت ما قتلت واحتلت ما احتلت وصادرت ما صادرت وكل يوم تصادر الجديد. حتى ان اهالي بعض القرى الفلسطينية لازالوا يعيشون لاجئين في القرى المجاورة لقراهم وسلطات اسرائيل تمنعهم من العودة لبيوتهم الباقية او شبه الواقفة كما هو الحال مع اهالي قرية اكرث. كما ان الكثير من القرى العربية موجودة بسكانها واسرائيل لا تعترف بها قرى شرعية وتمنع عنها الماء والكهرباء والخدمات. تصوروا هذه الواحة الديمقراطية, تعطي المهاجرين اليهود كل مستلزمات العيش الكريم وكل مستحقات المساعدة والتوفير والتامين والخدمات, من اجلهم تصادر الاراضي الجديدة وتبني المستعمرات والمستوطنات والمحميات الامنية, بينما اصحاب الارض واهل البلد الاصليين ممنوعون من التنفس ومن الشرب ومن البناء والحركة والتمدد, فاذا اراد الفلسطيني في الناصرة او دير حنا او سخنين ان يبني منزلا على ارضه لا يستطيع لان القوانين العسكرية والامنية والعنصرية تمنعه من ذلك, بل تفرض عليه ان يبني البيت ولكن بعد 50 سنة من البناء يصبح البيت والارض ملكا للدولة وبهذه الطريقة اللصوصية والعنصرية تضع الدولة يدها على ما تبقى من اراضي فلسطين التاريخية والتي ورثها الفلسطينيون ابا عن جد, وهكذا تواصل تهويدها للبلاد وتضييقها على حياة العباد الشبيهة بالجحيم والاقرب الى جهنم منها الى حياة النعيم. وهكذا تكون حكومات اسرائيل ترتكب مخالفات دستورية تتعارض مع وثيقة "استقلال اسرائيل= اغتصاب فلسطين" التي جاء فيها:
"تدأب" دولة اسرائيل "على ترقية البلاد لصالح سكانها جميعا وتكون مستندة الى دعائم الحرية والعدل والسلام ... نقيم المساواة التامة في الحقوق اجتماعيا وسياسيا بين جميع رعاياها من غير تغيير في الدين والعنصر والجنس وتؤمن حرية الاديان والضمير والكلام والتعليم والثقافة وتحافظ على الاماكن المقدسة لدى كل الديانات وتكون امينة لمبادئ وميثاق الامم المتحدة.... اننا ندعو ابناء الشعب العربي سكان دولة اسرائيل الى المحافظة على السلام والقيام بنصيبهم في اقامة الدولة على اساس المساواة التامة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع مؤسساتها المؤقتة والدائمة".
اين اسرائيل اليوم من اعلانها هذا؟
وهل هي فعلا دولة لكافة مواطنيها؟
التجربة علمتنا العكس, اسرائيل نظام ابارتهايد متطور ويشكل خطر كبير على الاستقرار والسلم والعدالة والمساواة في العالم. لانها بنظامها العنصري الحالي تخالف انظمتها القانونية والسياسية وتفترس الحريات وتكاد تخنقها مما يضعها في خانة الانظمة المتوحشة.
هذا النهج العنصري هو الذي يجب ان يحاكم اليوم وليس المدافع عن شعبه وارضه والذي نادى وينادي بمحاكمة قتلة مواطني الدولة من ابناء شعبه.
يجب محاسبة باراك و بن عامي على اعطاءهما الاوامر باطلاق النار وقتل المواطنين الفلسطينيين ال13 اثناء تظاهرهم للتضامن مع اخوانهم الفلسطينيين في الضفة والقطاع.
يجب محاسبة الارهابيين من المواطنين اليهود في اسرائيل واولهم شارون ورفاقه امثال جماعة غولديشتاين منفذ مجزرة الحرم الابراهيمي في الخليل عام 1994 والمستوطنين الذين يعيثون في الارض فسادا وخرابا ويحفرون قبر من جلبهم لبلادنا بايديهم.
عزمي بشارة يتهمهم كلهم ويضعهم في قفص الاتهام والمحاكمة والمحاسبة, لانه صاحب حق وصاحب ارض, جذوره وجذور شعبه الفلسطيني ضاربة عميقا في ارض الوطن الفلسطيني, في الجليل والناصرة عاصمته المباركة.
عزمي بشارة هو بشارة خير ونصر لهذا الشعب الماضي في نضاله حتى دحر العنصرية والصهيونية.
عزمي بشارة فارس الجليل الشهم يحاسبهم ويحاكمهم باسم شعبه المتهم والذي يتهم ولا بد له ولشعبه ان ينتصروا في هذه المعركة المصيرية..