تحليل: القادة الاميركيون يضيقون باي رفض اوروبي لسياساتهم

واشنطن - من هربرت فينكلر
باول لم يتحمل بعض عبارات النقد من فيدرين

إن فكرة قيام "إمبراطورية رومانية جديدة" في اميركا ليست بالشيء الجديد، كما أنه ليس هناك شك في ان القوة الحقيقية الان، وبعد انتهاء الحرب الباردة، تكمن في واشنطن . إلا أن هناك أشياء لم تظهر بعد حول مدى أبعاد التفوق الاميركي.
فمنذ بدء رئاسة جورج دبليو. بوش وبعد مساس هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بالعصب الوطني، اشتكى النقاد من "الغطرسة الاستبدادية" بالبيت الابيض التي تعيد إلى الذاكرة أيام الامبراطورية الرومانية.
وقد أصبح شعار الرئيس ببساطة: إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا، وذلك لانه ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرئيسية المدافعة عن قيم الغرب الاساسية التي تتعرض للخطر في مواجهة "الشر".
وتعتمد أميركا على موارد لا نظير لها في ملاحقتها لقضيتها، فقد خصص الرئيس لعام 2003 فقط، موازنة قدرها 2.13 تريليون دولار من بينها مبلغ 379 مليار دولار سيذهب إلى وزارة الدفاع (البنتاجون)، أي نسبة 40 بالمائة تقريبا من إجمالي الانفاق العسكري في العالم أجمع.
وقد علق جيم هوجلاند كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست على ذلك قائلا "إن ذلك سيجعل من الولايات المتحدة ماردا عسكريا ضخما لا يباريه أحد على مدى التاريخ الانساني". وتحدث هوجلاند عن محاولة جسورة لفرض السيطرة على البلاد (الولايات المتحدة) والعالم.
ويحذر هوجلاند قائلا "يتعين على إدارة بوش وشركائها الاوروبيين أخذ الحيطة في آلا يصبح العراق وإيران كوريا الشمالية رموزا في حوار مقنع أوسع بشأن برنامج الولايات المتحدة السياسي لقيادة العالم".
أما توماس فريدمان، فيشير من جانبه في صحيفة نيويورك تايمز إلى أن "المارد" الاميركي يتقدم كثيرا بالفعل في مجال التكنولوجيا العسكرية عن شركائه في حلف شمال الاطلنطي (الناتو) لدرجة تتيح له خوض حرب خارجية منفردا تماما دون أي مساعدة منهم. ومشيرا إلى اتجاه إدارة بوش إلى العمل منفردة، يتساءل فريدمان "هل هي نهاية الناتو؟".
وربما يكون وزير الخارجية الاميركي كولن باول قد كشف عن مدى إيمان الحكومة بالتعددية عندما رفض أمام إحدى لجان الكونجرس اتهامات "المفكرين" للبيت الابيض بعدم استشارة شركائه. غير أنه اعترف بأنه عندما يصل الامر إلى الاختلاف في الرأي مع المجتمع الدولي فإن القيادة لن تتردد في اتباع ما يحقق مصالحها. ويرقى ذلك وفقا لما قاله ريتشارد هاس مدير التخطيط السياسي لباول إلى ما يمكن وصفه "بالتعددية حسب الطلب".
أما بالنسبة للعالم السياسي هيلموت سونينفيلد من معهد بروكينجر، فإن هذا الامر ليس بجديد، حيث يقول أن استعداد واشنطن للتعاون دوليا لم تكن له الاولوية مطلقا على العمل الاصلي الذي يخدم المصلحة الوطنية. ويؤكد سونينفيلد أنه حتى في ظل إدارة الرئيس كلينتون فإن الحديث عن الدولية كطريق سياسي، نادرا ما تحول إلى عمل إيجابي.
ولا يحاول غالبية خبراء السياسة الخارجية في العاصمة الاميركية إخفاء إيمانهم بأن الولايات المتحدة هي القوة القائمة على فرض النظام في العالم. وقد أصبح التعاطف مع مشاعر عدم الارتياح وأصحاب الشكوى والمترددين وغير الاصلاحيين في أوروبا في حالة تقلص.
وبأي حال من الاحوال فإن ليس كل ما يقدمه أتباع بوش يلقى استحسانا من جانب مواطنيه الاميركيين. ويشكل رفض بروتوكول كيوتو حول مقاومة ارتفاع درجة حرارة الارض وقرار إلغاء معاهدة عام 1972 لمنع انتشار الاسلحة النووية المبرمة مع موسكو، نموذجين أساسيين للمفهوم الحماسي الجديد الخشن إزاء المشاعر الدولية.
ومازالت هناك حالة عدم اقتناع من جانب بعض المراقبين بالسياسات غير المؤثرة. فمن جانبهما يرغب كل من ريتشارد سوكولسكي وجوزيف مكميلان من جامعة الدفاع الوطني في رؤية عملية "إعادة دعم" للمعونات الخارجية لمعالجة المشكلة من جذورها. ويشير الرجلان إلى أن نسبة الـ0.7 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي المخصصة لهذا الغرض إنما تعني أن برنامج المعونات يتلقى أقل من واحد بالمائة عن دولار في الموازنة الاميركية.
غير أنه وبصورة موازية فإن هناك أيضا هؤلاء الذين يرفضون رؤية شرطي العالم جورج بوش وهو يقوم بدورية في العالم والعصا في يديه. ويقول سونينفيلد أنه إذا ما كان الرئيس قد أظهر غضبة وتشدده علنا فإن ذلك كان مجرد استجابة لما تمليه عليه السياسة المحلية.
ويزعم سونينفيلد أن بوش كان مستعدا تماما للتأكيد على ضرورة التشاور حيث أن ستار الدخان الذي شمل وابلا من الشتائم والنقد اللفظي الانفعالي يعطي فكرة خاطئة عن رغبة كبيرة في التعاون. ويقول سونينفيلد أنه في عالم يزداد تعقيدا فإنه حتى القوة العظمى لا يمكنها التحرك والسير منفردة.
وحتى قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر انتقد وزير الخارجية الاميركي السابق هنرى كسينجر طريقة طرح الولايات المتحدة لسياستها على العالم الخارجي. وقال "لقد كانت هناك حالة من عدم الاتقان التكتيكي من جانب واشنطن".
وقال بطل السياسة الواقعية لمجلة نيوزويك "في واقع الامر فإن قبول هيمنتنا كأمر واقع آخذ في التآكل".
ويتفق سونينفيلد في هذا الشأن مع رئيسه السابق في وزارة الخارجية. ويقول أن هناك سحابة سوداء تلوح في الافق تحمل رياح التحول من جانب الحليف الاوروبي القديم.