أمريكا والناتو: حليفان عسكريان أم ائتلاف سياسي فضفاض؟

بروكسل - من توماس بي سبيكر
واشنطن لم تعد بحاجة إلى الناتو فعليا

خيم الهدوء على الاروقة المتصلة بمقر حلف شمال الاطلنطي (الناتو) في بروكسل خلال الاشهر الاخيرة وذلك بالرغم من وضع الحلف الفقرة الخامسة بشأن الدفاع المشترك موضع التنفيذ لاول مرة في تاريخه بعد الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة.
وقد أجبر قرار واشنطن بأنها لا تحتاج ولا تريد الحصول على مساعدة الاعضاء الآخرين في الحلف، الخبراء الاستراتيجيين في مكاتبهم ببروكسل على التفكير بشأن مستقبل الحلف على المدى البعيد.
ويعتقد الكثيرون بأن حلف شمال الاطلنطي قد أجبر على الابتعاد عن الاضواء بعد الهجوم العسكري والسياسي الذي بدأته الولايات المتحدة.
وقد انبثقت المؤشرات المؤيدة لوجهة النظر هذه، من واشنطن. فمن جانبه يسعى الرئيس الامريكي جورج دبليو. بوش إلى تمرير نظامه المثير للجدل بشأن الدفاع الصاروخي بدون استشارة الاوروبيين المتشككين وذلك على أساس أن الاتفاقات المتصلة بهذا الشأن تخص فقط الولايات المتحدة وروسيا على أي حال من الاحوال.
وفي الحملة ضد الارهاب ينتقي بوش حلفاءه طبقا لاحتياجاته الخاصة، وشعاره في ذلك هو أن "المهمة هي التي تحدد الائتلاف وليس الائتلاف هو الذي يحدد المهمة".
وعسكريا، فإن الانطباع يبدو أكثر وضوحا في أن الناتو قد فقد أهميته،فهناك فجوة ضخمة بين القدرات العسكرية لهؤلاء على ذلك الجانب من الاطلنطي وبين الولايات المتحدة على الجانب الاخر وليس بإمكان الشركاء الاوروبيين سوى السعي تدريجيا للحاق بالولايات المتحدة وبتكلفة ضخمة.
ومعظم الدول الاوروبية إما غير راغبة أو غير قادرة على إنجاز ذلك وحيث أن واشنطن تسعى بحزم إلى زيادة إنفاقها العسكري بصورة ملموسة، فسوف يكون من شأن ذلك زيادة الانقسام.
ويتفق سكرتير عام الناتو جورج روبرتسون مع المنتقدين الامريكيين للموقف الاوروبي الممتنع عن زيادة الانفاق على التسليح، غير أنه يحذر أيضا الولايات المتحدة من خطورة زيادة تفاقم هذا الاختلاف.
ويقول العاملين في مقر الناتو "إن أحداث أفغانستان تظهر أنه حتى القوى العظمى تحتاج إلى حلفاء من أجل إقامة قواعد وتوفير الوقود واستخدام المجال الجوي والحصول أيضا على جنود".
ويعتقد روبرتسون أنه إذا ما استمرت القدرات العسكرية للولايات المتحدة في التطور بمعدل أسرع كثيرا من الآخرين فإن التعاون سيصبح مستحيلا حينئذ، وقد تواجه واشنطن الاختيار بين أن تعمل بمفردها أو ألا تعمل على الاطلاق.
وتحتاج القوة العظمى الوحيدة أيضا لحلف الناتو سياسيا وذلك لان الحلف هو ضمانة الاستقرار في أوروبا، كما أنه يطلق يد الولايات المتحدة في التحرك في أي مكان في العالم دون أي قلق إزاء ساحتها الاوروبية الخلفية.
وقال روبرتسون أن لعملية توسيع الحلف باتجاه الشرق، دورا أيضا يتعين القيام به هنا فدول الحلف التسع عشرة أصبحت الان مرتبطة بسبع وعشرين دولة أخرى وهو ما يجعل الحلف "أكبر التحالفات المستمرة في العالم".
غير أنه كلما اتسع إطار الحلف كلما أصبح أكثر تعقيدا. فسوف يتعين اتخاذ القرارات بإجماع الآراء، مع أن وحدة هذا التحالف الذي كان تحالفا غربيا خالصا ستأخذ في التضاؤل مع دخول دول أخرى ذات خلفية تاريخية مختلفة.
ويتطور حلف الناتو تدريجيا من تحالف عسكري رسمي إلى ائتلاف فضفاض يرتكز على التعاون السياسي. ولذلك فإنه ليس باستطاعة واشنطن بعد الان أن تتوقع تأييدا غير مشروط لاهدافها من قبل الحلف.