تحليل: فرنسا تقف وحيدة في وجه الهيمنة الأميركية

باريس
فرنسا الوحيدة التي جاهرت بانتقاد سياسات واشنطن

بعد مرور خمسة أشهر كاملة على هجمات 11 أيلول/سبتمبر الارهابية في الولايات المتحدة، تخلت باريس عن لباقتها الدبلوماسية التي اتسمت بها بعد الهجمات.
فبعد غضبها الواضح من تصريحات الرئيس جورج دبليو. بوش بشأن "محور الشر" والاسلوب الذي يفصح به البيت الابيض عن نواياه، نأت باريس بنفسها عن الولايات المتحدة.
وعبر سلسلة من الانتقادات راح رئيس الوزراء ليونيل جوسبان ووزير الخارجية هوبير فيدرين ووزير الدفاع آلان ريشار يهاجمون الحل الامريكي لبلاء الارهاب الدولي وبسط واشنطن يد الحماية على إسرائيل. وترى باريس أن الاسلوب الفظ الذي أبدته الولايات المتحدة في اتخاذ القرارات دون استشارة آخرين سيفضي إلى كارثة.
ولا ينظر في الكي دورساي، مقر وزارة الخارجية، إلى واقع أن باريس صارت مجددا القوة الاوروبية التي تبدى مقاومة للولايات المتحدة، على أنه يمثل إشكالية، والانتقادات الموجهة لواشنطن والصادرة عن سياسيين حكوميين بارزين، إنما هي بمثابة تقليد قديم تحب قوة نووية أن تنتهجه كتعبير عن شكوى من أمور لا تستطيع أن تغيرها.
وموقف واشنطن المتشدد ولا سيما ضد بغداد، واهتمام بوش المحدود بالمصالح الفلسطينية وموقف واشنطن الغير متعاون في أمور مثل اتفاقية كيوتو الخاصة بالمناخ، إنما مجرد عينات للنقاط المزعجة. وأخيرا وليس آخرا، فإن المراحل المبدئية لحملة الانتخابات الفرنسية تشي بملامح انتقاد شديد من جانب باريس للعولمة، وهي ظاهرة ينظر إليها على نطاق واسع على إنها تعني الأمركة.
إن باريس تلفظ بكل وضوح، بما لا يقدم آخرون على البوح به وعلى النحو التالي استهل وزير الخارجية الكلام "إننا نواجه تبسيطا جديدا يبدو أنه ينظر إلى كافة مشاكل العالم من منظور مكافحة الارهاب فحسب".
وأعقبه جوسبان قائلا "ليس بوسع المرء أن يختزل مشاكل العالم في بعد واحد هو مكافحة الارهاب" ولم يدع وزير الدفاع ريشار الامر يمر دون أن يدلى بأقواله، ومن ثم عقد المقارنة التالية "إننا أيضا لم نتفق مع رونالد ريجان".
ولم تلق هذه الآراء التأييد من جانب استراتيجيين اشتراكيين بارزين فحسب، بل أيضا لقيت الاحترام من جانب أساتذة العلوم السياسية.
ويقول دينيس لاكورن مدير البحوث بمركز الدراسات والبحوث الدولية وهو معهد بحثي أتهم واشنطن بالعودة إلى نوع من "الرئاسة الإمبريالية"، أن صياغة بوش الخاصة "بمحور الشر" إنما هي "مثال آخر على عدم كفاءته وعجزه عن تصور عالم الغد الذي يتسم بالتعقيد" وأعقب ذلك بمقارنة مع السلطة الاستبدادية الشهيرة وقال "هل بوش أحد مريدي ميكافيللي الجدد؟". وبدا أن تلك النبرة الخطابية قد اختيرت كنوع من الحرص.
وبما أن الفرنسيين يعتبرون أنفسهم منذ زمن بعيد المدافعين البارزين عن حقوق الانسان في كافة أرجاء الارض فقد كانت صحيفة لوموند المستقلة التي تصدر في باريس هي التي انتقدت تحالف بوش الوثيق مع موسكو وبكين مشيرة إلى أنشطة هذين البلدين في التبت والشيشان.
ولا يمكن تفسير تواصل الهجمات الحالية بمعزل كامل عن مشاكل حقوق الانسان ومعاملة أمريكا للاسرى الذين أخذتهم أثناء الحرب ضد الارهاب في أفغانستان والخلاف بشأن إجراءات نزع التسلح الدولي.
إن فرنسا تتأهب لانتخابات رئاسية وبرلمانية ويبدو أن العولمة تتجه لان تكون إحدى القضايا الكبرى لهذه الانتخابات. فحتى الرئيس المحافظ جاك شيراك، لم يفوت الفرصة كي يحذر من تجاوزات العولمة المفرطة، الامر الذي يعتقد كثير من الفرنسيين أنه خطيئة الولايات المتحدة بالاساس.