ليبيا: تغييرات اقتصادية شاملة

لندن - من عبد الكريم حمودي
ليبيا تشهد مرحلة جديدة

تؤكد التقارير والبيانات الإحصائية أن الاقتصاد الليبي هو الأقل تضرراً بين اقتصاديات دول شمال أفريقيا من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وركود الاقتصاد العالمي، فالسياحة غير موجودة أصلاً، وأسطوله الجوي ما زال يعاني من العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا منذ عشر سنوات، وصادراته محدودة باستثناء النفط الذي يشكل 80 في المائة من الصادرات، والذي تراجعت أسعاره بسبب الأحداث بأكثر من 30 في المائة، وهو ما زاد من الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد الليبي.
ومع تراكم الانعكاسات السلبية للعقوبات وتراجع عائدات النفط بادرت السلطات الليبية إلى إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، فبادرت إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي كان الكثير منها في السابق يعد من المحظورات، حيث قامت خلال العام الماضي ومطلع العام الجاري بإزالة العوائق التي تعترض تدفق الاستثمارات الأجنبية بما في ذلك رفع الحظر عن المصارف الأجنبية والسماح للشركات الأميركية بالعودة إلى ليبيا. مع الإشارة هنا إلى الاقتصاد الليبي يتصف بصغر الحجم وقلة عدد السكان والأيدي العاملة وهيمنة قطاع النفط على الدخل القومي وضعف مساهمة القطاعات الأخرى. والهدف هو خلق المزيد من فرص العمل لتحسين مستوى المعيشة ومواجهة مشكلة البطالة التي تزيد نسبتها عن 30 في المائة، بالإضافة إلى مكافحة الفساد والمفسدين، حيث تقدر بعض المصادر الليبية حجم الأموال المهدرة بأكثر من أربعة مليارات دولار. ويمكن توضيح هذه الاجراءات في الاسطر التالية.

مضاعفة حجم الإنفاق
من أجل مواجهة آثار العقوبات والخسائر التي تكبدها الاقتصاد الليبي قامت الحكومة بمضاعفة حجم الإنفاق العام للدولة المدرج في الميزانية الجديدة لعام 2002 ليصل إلى 4.357 مليار دينار (3.35 مليار دولار). وقال رئيس الوزراء الليبي مبارك عبد الله الشامخ إن الميزانية التنموية لعام 2002 تضاعفت مقارنة بالعام السابق مشيراً إلى ارتفاعها من 2.400 مليار دينار في عام 2001 إلى مستوى تقديري يبلغ 4.357 مليار دينار هذا العام.
وقال الشامخ إنه سيجري استغلال الجانب الأكبر من تلك السيولة الإضافية لبناء المزيد من المستشفيات والمدارس وغيرها من المنشآت الخدمية العامة بغية التخفيف من الضغوط الاجتماعية.

تخفيض قيمة الدينار
في خطوة تهدف الى تهميش السوق الموازي (السوق السوداء) ومواجهة نقص الموارد المالية وتشجيع الصادرات قام البنك المركزي الليبي في مطلع السنة الجارية بتخفيض قيمة الدينار، وإعلان سعر صرف موحد، وقال مسؤول في البنك المركزي إن السلطات النقدية الليبية خفضت سعر الصرف الرسمي للعملة الوطنية "الدينار" بنسبة 51 في المائة مقابل الدولار.
وأضاف أن سعر الصرف الجديد سيكون 1.3 دينار مقابل الدولار بدلاً من 0.64 دينار وأن العمل به بدأ مع مطلع العام الجاري.
وقال اقتصاديون أجانب إنه على الرغم من أن هذا التخفيض ضاعف تقريباً العائدات الحكومية وساعد الحكومة في سد العجز المالي، إلا أنه سيرفع معدلات التضخم، وسيرغم الحكومة على زيادة الأجور زيادة كبيرة.
ويمثل تخفيض سعر صرف الدينار خطوة على طريق توحيد منظومة أسعار الصرف المتعددة، خاصة وإن هذا التوحيد سيساعد الحكومة على المزيد من تحرير الاقتصاد الوطني، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وترشيد استخدام احتياطات البلاد من النقد الأجنبي، كما سيساهم في تضييق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء.
وتقول مصادر اقتصادية مطلعة إن السعر الرسمي لصرف الدينار خفض بنسبة 14 في المائة في العام الماضي 2001. وبذلك تصل نسبة الخفض في قيمة الدينار إلى 65 في المائة. وحتى نهاية عام 1998 كان السعر الرسمي للعملة الوطنية محددا عند مستوى 0.45 دينار للدولار الواحد ثم هبط إلى 0.63 للدولار بحلول أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، وبحلول نهاية العام الماضي استقر السعر عند 0.64 للدولار.

خفض الرسوم الجمركية
ومن أجل تخفيف الانعكاسات السلبية لقرار تخفيض قيمة الدينار وخاصة ارتفاع أسعار السلع الأساسية أصدرت السلطات الليبية، وبعد نحو أسبوعين على قرار تخفيض قيمة العملة، قراراً بتغيير وتعديل بعض بنود التعريفة الجمركية على السلع والبضائع المستوردة، وتضمن القرار إعفاء جميع السلع والبضائع التموينية المستوردة من قبل المؤسسة الوطنية الليبية للسلع التموينية من الجمارك بالكامل.
وقال مسؤولون بهيئة الجمارك الليبية في 16 كانون الثاني/يناير إن الحكومة الليبية خفضت الرسوم الجمركية على معظم السلع الاستهلاكية المستوردة بنسبة 50 في المائة في محاولة لمواجهة تأثير خفض قيمة الدينار الليبي الذي اتخذ في أوائل كانون الثاني/يناير الماضي على المواطنين والحركة التجارية بالبلاد.
وأضاف مصدر مطلع بمصلحة الجمارك الليبية أن السلع والبضائع التي شملها القرار هي من السلع التي تمس بالدرجة الأولى حياة المواطن اليومية مثل الأكل والملابس والمسكن وسيارات الركوب والمواد المنزلية، وتلك التي تدخل في بناء المساكن وتجهيزاتها والسلع المعمرة كالأفران والغسالات والثلاجات والمكيفات بالإضافة إلى الأدوات المدرسية ومواد التنظيف والأثاث بجميع أنواعه.
وأعلن البنك المركزي أن قرار خفض الرسوم الجمركية يهدف إلى منع ارتفاع التضخم نتيجة لخفض قيمة العملة. وقال اقتصاديون إن معدل التضخم في أسعار المستهلكين بلغ نحو 13.7 في المائة العام الماضي مقارنة بـ18.5 في المائة عام 2000، وأن السلطات تستهدف خفضه إلى 12.5 في المائة خلال السنة الجارية.

السماح بعودة المصارف الأجنبية
وضمن إطار الإجراءات أيضاً أعلنت الحكومة عن سماحها بعودة البنوك الأجنبية للعمل حيث تم مطلع العام الجاري افتتاح أول مكتب تمثيلي لبنك فاليتا المالطي كأول بنك أجنبي في ليبيا منذ تأميم المصارف الأجنبية عام 1970.
ومن المقرر أن يقوم هذا المكتب بتقديم خدماته المصرفية لعدد من الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا وتسهيل المعاملات التجارية القائمة بين البلدين وتسهيل العمليات مع المصارف الليبية وتسريع وتقريب هذه المعاملات وتسهيل الإجراءات المالية للاستثمار الأجنبي المباشر.
وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا أممت المصارف الأجنبية فور قيام ثورة أيلول/سبتمبر عام 1969 بامتلاك مصرف ليبيا المركزي 51 ي المائة من رأسمال تلك المصارف، فيما قامت بعد ذلك وفي 1970 بتأميم شامل لتلك المصارف، وأبقت المصارف التجارية الخمسة "الأمة والوحدة والصحاري والجماهيرية والتجاري" مملوكة بالكامل لمصرف ليبيا المركزي.

عودة الشركات الأميركية
كان من الخطوات اللافتة للنظر مطالبة السلطات الليبية بعودة الشركات الأميركية وموافقة الإدارة الأميركية على هذه العودة رغم حالة العداء المعلنة بين الجانبين، فقد أعلن متحدث باسم إحدى شركات النفط الأميركية في الثاني عشر من شباط/فبراير الجاري أن وزارة الخارجية الأميركية سمحت لأربع شركات بإعادة التفاوض على تعاقدات نفطية مع ليبيا مجمدة منذ منتصف الثمانينات.
وقال متحدث باسم شركة ماراثون إن "وزارة الخارجية أعادت تأكيد الصلاحيات السابقة للشركاء لبحث الشروط التي يمكنهم بمقتضاها العودة إلى ممتلكاتهم الليبية." وأضاف المتحدث أن الموافقة صدرت في 22 كانون ثاني/يناير الماضي. وتحتفظ ليبيا بأصول الشركات الأميركية على سبيل الأمانة منذ عام 1986 عندما أمر الرئيس السابق رونالد ريغان الشركات الأميركية بالانسحاب من ليبيا وفرض عقوبات على الشركات المخالفة.
وكان الحظر الأميركي دفع الشركات الأميركية إلى إخلاء الساحة الليبية للشركات الأوروبية المنافسة التي أقبلت على فرص التنقيب والتطوير في ليبيا.
وفي العام الماضي حذرت ليبيا شركات ماراثون أويل واميرادا هيس وكونوكو وأوكسيدنتال التي تضمها مجموعة "اواسيس" من أنها قد تسحب منها تراخيص العمل إذا لم تستأنف العمل في البلاد في أقرب وقت.

تنشيط قطاع الاستثمار
تسعى ليبيا منذ عام 1999 بعد تعليق عقوبات الأمم المتحدة إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية لإخراج الاقتصاد الليبي من حالة الركود التي يعاني منها وتنويع مصادر الدخل.
ومن المزايا الاستثمارية التي تعرضها ليبيا توفر الطاقة الرخيصة، وتمتع السوق المحلية بقوة شرائية كبيرة وكذلك توفر الأيدي العاملة الأجنبية ذات المهارات العالية، وفتح ليبيا حدودها مع الدول المجاورة، والموقع الجغرافي المميز لقربه من الأسواق الأوروبية والعربية والأفريقية، وكفاءة البنية التحتية الأساسية وتوفر المكاتب الاستشارية المحلية والشركاء المحليين، وتوفر الخدمات المصرفية وخاصة في مجال التمويل بالعملة المحلية، والاستقرار الاجتماعي وسهولة دخول وخروج المواطنين العرب ورخص تكاليف المعيشة مقارنة مع البلاد المجاورة.
ويذكر أن ليبيا اتجهت نحو تشجيع الاستثمار الخارجي في عام 1997 فأصدرت قانون تشجيع الاستثمار رقم 5، ودعت الشركات الأجنبية إلى الاستثمار في مختلف المجالات الاقتصادية ولا سيما قطاع الطاقة حيث بدأت العديد من الشركات الأجنبية بالتوقيع على اتفاقيات ومشاريع مع الحكومة الليبية وخاصة في قطاعي النفط والغاز.

الاستثمار في قطاع النفط
يعتمد الاقتصاد الليبي بشكل رئيسي على النفط في تمويل إيراداته، وقد بلغ معدل إنتاج النفط خلال السنوات العشر الماضية نحو 1.4 مليون برميل يومياً.
وتقول مصادر مطلعة إن عائدات ليبيا من الصادرات النفطية تجاوزت عام 1999 مبلغ 14.5 مليار دولار، وساهمت بنحو 67 في المائة من الموازنة العامة، فيما بلغت عام 2000 نحو 16.6 مليار دولار. وتعتبر هذه العائدات مرتفعة جداً بالمقارنة مع عام 1998 حيث لم تتجاوز قيمة العائدات فيه نحو 5.7 مليار دولار منخفضة من 9 مليارات دولار عائدات عام 1997.
وقد بدأت الشركات الأجنبية بدخول ليبيا للاستثمار في قطاع النفط حيث أعلنت شركة "ايني" الإيطالية النفطية مع نهاية كانون الثاني/يناير الماضي أنها وشركة النفط الوطنية الليبية منحتا عقداً بقيمة 1.2 بليون يورو (1.04 بليون دولار) لمجموعة من الشركات تقودها "جيه. جي. سي" الهندسية اليابانية لتخطيط وإقامة منشآت نفطية علي الساحل الليبي. والمجموعة تضم إضافة إلى "جيه. جي. سي" شركة "تكنيمونت" الإيطالية وشركة "سوفرغاز الفرنسية.
وجاء في بيان صادر عن الجانبين أن إقامة المنشآت تأتي في إطار مشروع بكلفة 4.6 بليون دولار لتطوير امتيازات بحرية وبرية تضم 1.8 بليون برميل من المكافئ النفطي. ومن المقدر أن ينتج المشروع 89 ألف برميل من النفط يومياً وعشرة مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً يُستهلك منها مليونان في ليبيا ويُصدر الباقي إلى إيطاليا.

الاستثمار في قطاع الغاز
يأتي الغاز في المرتبة الثانية من حيث الأهمية الاقتصادية بعد النفط، ويستعمل الإنتاج الحالي لثلاثة أغراض أساسية تتمثل في توليد الطاقة الكهربائية، وتسييل الغاز وبيعه في الأسواق، واستعماله في حقن الآبار للمساعدة على استخراج النفط.
وتحاول السلطات الليبية تنشيط هذه القطاع الحيوي لزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وقد بدأت السلطات الليبية قبل فترة قصيرة مع شركة "أجيب" Agip في استغلال حقلين يوجد الأول في البحر "حقل البوري" يمتد على حوالي 100 كلم على الساحل الليبي والثاني "حقل الوفاء" ويمتد على قرابة 115 كلم جنوب مدينة غنامس. وسيجمع الغاز الذي سيستخرج من الحقلين المذكورين على الساحل الليبي غرب طرابلس، حيث ستتم معالجته قبل تصديره عبر الشبكة الإيطالية.
كما تتوقع الحكومة أن تنتج حوالي 10 ملايين متر مكعب سنوياً من الغاز في إطار مشروع "غاز غرب الجماهيرية الاستراتيجي" (Western Libya Gas)، حيث ستصدر ليبيا منها حوالي 8 ملايين متر مكعب في الوقت الذي سيستعمل منها حوالي مليوني متر مكعب لسد الحاجيات الداخلية والتي تخص توليد الطاقة الكهربائية والاستعمالات الأخرى للغاز.
ومما يجدر ذكره أنه يوجد لدى ليبيا احتياطي كبير من الغاز يقدر بحوالي 54 مليار قدم مكعب، ينتج منها الآن حوالي 8 ملايين متر مكعب ومن المتوقع أن يرفع الإنتاج إلى 10 ملايين متر مكعب بعد ثلاثة سنوات و17 مليون متر مكعب في غضون السنوات الخمس القادمة من خلال استثمار ما يزيد على خمسة مليارات دولار.
ووقعت مؤسسة النفط الليبية خلال شباط/فبراير الجاري اتفاقاً مع ائتلاف من الشركات العالمية لتصدير كميات كبيرة من الغاز الطبيعي الليبي لأوروبا الغربية.
وقال الدكتور عبد الحفيظ الزليطني أمين اللجنة الشعبية لمؤسسة النفط إن الاتفاق الذي وقعته بلاده مع ائتلاف من الشركات الفرنسية والإيطالية واليابانية يسري لمدة 20 عاماً وبتكلفة إجمالية تصل إلى خمسة مليارات دولار.
بكلمة أخيرة ما تقوم به السلطات الليبية من خطوات وإجراءات سياسية واقتصادية يعتبر بمثابة انقلاب على الماضي والسير في اتجاه معاكس لمرحلة امتدت ثلاثة عقود حيث يتم تحطيم كل المحظورات السابقة وتقديم تنازلات سياسية واقتصادية كبير للدول الغربية فيما يتعلق بتحرير الاقتصاد وإعادة هيكلته وفتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام الاستثمار والشركات الأجنبية علها تتخلص من عواقب السياسات الماضية المتعلقة بتهم الإرهاب وحيازة أسلحة الدمار الشامل.
ويبدو أن السلطات الليبية تأمل من وراء كل هذه التسهيلات الاقتصادية دفع الولايات المتحدة والدول الأوربية إلى رفع الحظر الاقتصادي عنها بعد أن كبدها أكثر من 35 مليار دولار، فيما ذهبت عشرات بل مئات المليارات من الدولارات على خطط وبرامج كان نتيجتها تفاقم العجز في الميزانية وانتشار الفساد وتراجع البنية التحتية وارتفاع الديون الخارجية وازدياد معدلات التضخم وتوقف المشاريع الإنتاجية فيما لم تظهر لها أي انعكاسات إيجابية للأموال التي صرفت. (ق.ب)