كولين باول يغرد خارج سرب الإدارة الأميركية

واشنطن - من جيم أندرسون
الانسجام بينهما قد لا يدوم طويلا

واشنطن - في الوقت الذي يبدو فيه أن أحد المتطلبات الرئيسية التي يجب أن تتوافر في المسئولين الحكوميين في الادارة الاميركية الحالية هي إبداء الولاء التام للرئيس، يبدو أن وزير الخارجية الاميركي كولين باول قادر على رسم نهجه الخاص حتى لو كان هذا يعني الخروج عن خط غيره من كبار المسئولين.
وفي أحدث مثال على ذلك، انتهز باول فرصة الادلاء بحديث تليفزيوني يبث على مستوى العالم عبر قناة إم.تي.في لتأييد استخدام الواقيات الذكرية، خاصة بين الشباب.
ومن المعتقدات التي تؤمن بها العناصر المحافظة داخل الحزب الجمهوري، بما في ذلك الرئيس جورج دبليو. بوش وزوجته، أن الامتناع التام عن ممارسة العلاقات الجنسية قبل الزواج هو السبيل الوحيد لتجنب الحمل غير المرغوب فيه والامراض الجنسية.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، كان باول من بين الاقلية داخل الادارة الاميركية عندما اختلف مع الادارة حول وضع سجناء تنظيم القاعدة المحتجزين في جزيرة جونتانامو باي بكوبا، وأصر وزير الدفاع دونالد رمسفيلد على أن المحتجزين هم إرهابيين وأنهم لن يعتبروا أسرى حرب. وأثار هذا الموقف غضب بعض الأوروبيين الذين اعتبروا هذا الامر مسألة تتعلق بحقوق الانسان.
وتبنى باول قضية تغيير سياسة الادارة الاميركية. ورأى باول، باعتباره دبلوماسي وجندي له تاريخ حافل في الحياة العسكرية، بوضوح المشكلات في موقف الادارة الاميركية، فقد اعتبر أن موقف الادارة من مسألة الاسرى يهدد تماسك التحالف الدولي ضد الارهاب ويمثل تهديدا محتملا للجنود الاميركيين الذين قد يحرموا من المعاملة كأسرى الحرب في حالة وقوعهم في الاسر.
وربح باول المعركة، وقام الرئيس الاميركي بتعديل سياسته بشأن السجناء.
وفي دوائر السلطة بواشنطن، يعتبر خوض معركة ضد الرئيس في العمل خطوة تنطوي على خطر على مستقبل الشخص المهني، كما يعتبر الفوز في تلك المعركة بصورة علنية أمرا أكثر خطورة. ولكن يبدو أن باول بقي صامدا في موقعه.
فبعد تولي باول منصبه بفترة قصيرة، سرت شائعات أن باول، نظرا لاراءه الاكثر اعتدالا، سيكون أول من يتنحى من أعضاء الحكومة. إلا أنه لم يفعل ذلك، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الود الذي أبداه باول تجاه الرئيس الاميركي وقيامه بلعب دور يكاد يكون أقرب إلى دور العم أو الخال. فقد عمل باول رئيسا لهيئة الاركان المشتركة في حرب الخليج تحت إدارة الرئيس جورج بوش الاب، ولذلك فهو يشعر أنه يجب أن يقدم لابنه بوش النصيحة على مستوى شخصي.
وعندما ظهر الرئيس الاميركي وعيناه تغمرهما الدموع أمام عدسات الكاميرات بعد أيام قليلة من وقوع هجمات 11 أيلول/سبتمبر على مدينتي نيويورك وواشنطن، أراد باول أن يكون بوش أقل عاطفية وأن يبدي المزيد من القوة، حسبما أشارت صحيفة واشنطن بوست. وأراد باول من بوش أن يفعل ذلك بصفة خاصة أثناء الخطاب الهام الذي أدلى به أمام الكونجرس وأعلن خلاله الحرب ضد الارهاب.
ومن ثم، قام باول مباشرة قبل عقد أحد الاجتماعات الهامة للادارة عشية إلقاء الخطاب، بتسليم بوش رسالة بخط اليد تخبره كيف يسيطر هو نفسه على مشاعره في مثل تلك المواقف. ومما يبعث على الدهشة أن بوش قرأ الرسالة الشخصية أمام سائر أعضاء الادارة وأكد لباول أنه لن يسمح لمشاعره بالتغلب عليه أمام الجماهير.
وتتمثل إحدى واجبات باول باعتباره وزير الخارجية إبلاغ بوش عندما لا تقوم السياسة الاميركية بدورها على الوجه الاكمل مع أعضاء التحالف الآخرين.
وبعدما أعرب وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر، بصورة علنية، مثلما فعل غيره من الاوروبيين عن غضبه إزاء العادة التي تتبعها الولايات المتحدة من وضع سياسات التحالف أولا ثم إعلام الشركاء فيما بعد، ضغط باول على البيت الابيض للقيام بدور أفضل في التشاور مع الحكومات الاخرى.
وبالمثل، أعربت حكومة كوريا الجنوبية عن شعورها بعدم الرضا نحو وصف بوش لكوريا الشمالية بأنها جزء من "محور الشر" لان هذا التصريح أنهى أي احتمال في أن تتمكن الدولتان الواقعتان على شبه جزيرة من الحفاظ على حوار بينهما من أجل تحسين العلاقات.
وانتهز باول فرصة الحديث التليفزيوني على قناة إم.تي.في كي يشير إلى إن الولايات المتحدة تعتزم الاستمرار في إرسال المساعدات الغذائية لكوريا الشمالية بغض النظر عن الصفة التي أطلقت عليها.
وفي شهادته أمام الكونجرس، قال باول أن الولايات المتحدة ترغب في التخلص من صدام حسين كزعيم للعراق. وجاء هذا التصريح متماشيا مع خطاب "محور الشر" الذي أدلى به بوش.
ولكن توضيح باول لكيفية اعتزام الولايات المتحدة القيام بتلك المهمة، عبر السبل الدبلوماسية والسياسية إذا أمكن، يتناقض بصورة حادة مع المتشددين في الادارة الذين تحدثوا بصورة علنية عن خطط أخرى أكثر عنفا.
والمعروف من سجلات التاريخ أن وزراء الخارجية الذين يختلفون مع بقية أعضاء حكوماتهم مثل سايروس فانس والكسندر هيج سرعان ما يقدمون استقالاتهم، وحتى الان، يبدو أن باول خالف تلك القاعدة التاريخية.