خربشات حاذقة لعمر عبد العزيز

بقلم: أحمد فضل شبلول

ما بين الذاتية المفرِطة، والموضوعية المحلِّقة، تجئ قصائد ديوان "خربشات" للشاعر الشاب عمر عبد العزيز حاذق، الذي غامر كثيرا بإصدار هذا الديوان، وهو يخطو أولى خطواته الواثقة في عالم الشعر الرحب.
ولاشك أن شاعرنا الشاب يتمتع بموهبة شعرية أصيلة، صقلتها دراسته العلمية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية، الأمر الذي ساعده على الغوص في عالم التراث الشعري، ودراسته دراسة منهجية، أفاد منها إفادة كبيرة، وفي الوقت نفسه كانت عينُه لا تتحول عن إنجازات الشعر العربي الحديث على يد فرسانه الجدد من أمثال: بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل، ومن جاء بعدهم.
لقد استوعب عمر الدرس الشعري الحديث، كما استوعب الدرس الشعري الأكاديمي، ولكنه عندما أراد أن يبدعَ شعرا يحمل اسمه وسَمْته، لجأ إلى عالمه الخاص، ينهل منه قصائده. ولأن تجاربه في الحياة مازالت قصيرة، وحواره مع المرأة لم يزل في بدايته، فإنه يلجأ إلى عالمين محددين واضحين تماما له ولقارئه، هما: عالم الانتفاضة الفلسطينية بكل أبعادها، وعالم الذات بكل هواجسها وإشراقاتها وفيوضاتها وأحزانها الصغيرة والكبيرة.
في قصيدة بعنوان "إبريلزم" (ويلاحظ إضافة اللازمة الإنجليزية "لِزْم" إلى شهر أبريل) أنه يقدمها بقوله: إلى ذكراي شعرا، حيث كتب أول قصيدة في شهر أبريل 1998، وكتب أول قصيدة تفعيلية في شهر أبريل 1999، وبإضافة لِزْم، لأبريل، يدلنا على أن الشاعر يحلم بتأسيس مذهب شعري أو مدرسة شعرية جديدة في الشعر العربي المعاصر، وهو في هذه السن الغضة، ويدل أيضا على التصاق الشاعر الحميم بذاتيته، وحلمه بتحقيق تلك الذات على مستوى أدبي عريض، عن طريق تأسيس مدرسة شعرية أو أدبية جديدة.
يقول في قصيدة "منام غامض في ليل غميق": وأنا في الأثير ..
أتكثَّفُ في ردهات السماء رذاذا من الشبق المعتم
فأرى قدميَّ تسوخان في رملها المتحرك ..
أُعلق في غيمة ..
أستكن ..
أتمدد فوق لزوجتها ..
أتلحف نومي ..
فيصفعني موج حلمي:
(أراهم يبولون خلف حوائط "قسمي"،
يشدون ستراتهم، متغنين للماء والزرع والمستدير الحسنْ:
نظرة فابتسامة
فلقاء !!
.. وكأن لم يكن)
يبرد الجو حول السماء
فتأخذها رجفةٌ ..
تتبولني قطرات زجاجية تتفجر فور ارتطامها بالشوارع
تفرشها بالشظايا،
وتعجن فيها القمامة .. الخ.
لعل هذا المقطع يشي بأسلوب عمر عبد العزيز الشعري، الذي نلاحظ فيه مؤثرات سيريالية في مثل قوله "تتبولني قطرات زجاجية"، كما نلاحظ مؤثرات من شعر الحداثة بعامة، فضلا عن مؤثرات من شعراء سابقين كأحمد شوقي في قول شاعرنا عمر عبد العزيز: نظرة فابتسامة فلقاء. وتتجلى الذاتية المفرِطة في قوله "حوائط "قسْمي". والقِسْمُ الذي يُشير إليه الشاعر، مع إضافة ياء الملكية، هو قسم اللغة العربية بكلية الآداب، الذي كان الشاعر أحد طلابه منذ زمن يسير. وقد لعب هذا القسم دورا بارزا في قصائد الشاعر، لدرجة أنه يكتب أسفل بعض قصائده، أنها كتبت على عتبات هذا القسم يوم كذا، في الساعة كذا. ويبدو أنه لم يكن هناك ود بينه وبين بعض أساتذته في هذا القسم، فهو يلجأ إلى صيغة التصغير (أُسيتذتي) في قوله: وأنا في السرير ..
أتأمل كيف تركَّبُ كِسْراتُ عظمي
كطفل صغيرْ ..
ينحني فوق دميته ..
ويركِّبُ أشلاءها في أسىً وأمومة
وأنا، وأسيتذتي الـ ، وأشعتي المستضامة
في وريقات ذاكرتي بقعٌ من ندامة.

***
هذه الذاتيةُ المفرِطة، يقابلها على الطرف الآخر قصائد كتبت من وحي الانتفاضة الفلسطينية، فقد حرك استشهاد الطفل محمد الدرة، كوامن الشاعر، فتخلص من ذاتيته، وانطلق يكتب عن أطفال الحجارة، وشهداء الانتفاضة بأسلوب شعري جديد، يستخدم فيه تقنية الحذف، أكثر من استخدامه للكلمات، يقول في قصيدة "خربشة على جدار قبر" على سبيل المثال:

لا تصالــ (ولا يكمل فعل النهي: لا تصالح)
يا ليتني كنتُ 000 (ولا يكمل الأمنية)
وكأن استشهاد هذا الطفل الفلسطيني الصغير، جعلنا نُصابُ بالخرس، وقد عبر الشاعر عن هذا الخرس، بحذف كلمات بأكملها كان ينبغي كتابتها، أو حذف جزء من كلمات، وأعتقد أن الشاعر نجح في استخدام أسلوب الحذف هذا، في تلك القصيدة.
أيضا هناك قصيدة أربع خطب عربية بليغة جدا، وهو يلجأ فيها إلى أسلوب التهكم على خطباء أمتنا العربية، وعلى وجه التحديد خطباء المساجد. كما أن هناك قصيدة تحمل عنوان "خربشة بحرية" مهداة إلى الشهداء من بني الرضاعة: ضياء الطميزي وإيمان حجو. وهذه القصيدة تتكون من مقطعين، وكتبت في 23 يوليه 2001 (أي في الذكرى التاسعة والأربعين للثورة المصرية) والمقطع الثاني جاء بعنوان احتفالية لمهرجان 23 يوليه، وبذلك يربط الشاعر بين ذكرى الثورة المصرية والانتفاضة الفلسطينية.
في المقطع الأول الذي جاء بعنوان "شمس وبحر ورمل" اعتمد الشاعر على أسلوب السرد الوصفي التأملي من خلال استخدام الجمل الاسمية:

السماوات مخطوفة اللون
مشبوحة النظرة
الشمس معصوبة العين بالسحب
قرصنة من طراز جديد
تزاول أعمالها
في هذه السطور الخمسة ـ على سبيل المثال ـ لم نجد سوى فعل واحد فقط هو (تزاول) بعكس المقطع الثاني الذي كثرت فيه الأفعال من أمثال (تطفو، تبقبق، تروي، يطَّرحون، يصيرون، يلتمسون، يموءون، يستكشفون، .. الخ). ومن رحلة الأسماء إلى رحلة الأفعال، يكمن الإبداع الشعري، الذي أراد أن يؤكد على الهوية، (هوية الثورة المصرية، ثم هوية الانتفاضة الفلسطينية) فكان لابد من تحديد المسميات في البداية، وعلى سبيل التذكر فإن الله عندما خلق آدم علَّمه الأسماء أولا، بنص الآية القرآنية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها). ثم بعد ذلك يجئ الفعل (فعل الثورة، ثم فعل الانتفاضة) ومن جراء هذا الفعل كانت الشهادة، فإذا لم يكن هناك فعل، ما كانت هناك شهادة. ولو لم تفجر وفاء إدريس ـ على سبيل المثال ـ نفسها، ما كانت هناك شهادة.

***
احتوى الديوان على مجموعة من الصور (أبيض وأسود)، وعلى الرغم من اعتراضي على وجودها كخلفية للقصائد، التي كُتبت فوقها، لأنها طمست بعض الحروف، إلا أن إصرار الشاعر على وجودها، يعبر بطريقة ما على مسألة الذاتية والموضوعية التي تميزت بهما قصائد الديوان، فبعض الصور يواكب إحدى القصائد المكتوبة عن الانتفاضة الفلسطينية، والبعض الآخر كان صورا للشاعر نفسه وهو طفل رضيع، لم يبلغ بعد مرحلة الحبو، حيث يتحدث الشاعر عن طفولته الباكرة.
احتوى الديوان أيضا على نص بعنوان "تروبادور آخر"، وفيه يحاول الشاعر التعامل مع مفردات الحياة اليومية، فيقول:

انتُزعت أجهزةُ التنفس الآلي عن أوردتي المهترئة ..
انفرجتْ ..
هنيهةً .. هنيهةً .. تسرب انتفاخها ..
تفعيلةً .. تفعيلةً تنفستْ
وانبثقت عن صدمات كهربية
تسللت إلى قلبي من بين تجاويف العظام الصدئة
إلى آخر القصيدة التي تحولت في بعض أجزائها إلى نثرية فجة، أو تقريرية بحتة، رغم إقامة الوزن. ويبدو أن الحرية التي منحها الشاعر لنفسه على الورق، من استخدام لمفردات غير شعرية أو غير موحية، ساعده كثيرا في أن ينتج نصا طويلا كهذا النص الذي يحمل عنوانا غير عربي ـ رغم كتابته بأحرف عربية ـ ، وكما هو معروف فإن شعراء التروبادور، هم الشعراء الجوالون في أوربا، وخاصة في منطقة أسبانيا. والشاعر هنا يتطلع لأن يكون واحدا من هؤلاء الشعراء الجوالين، الذين يحملون آلامهم ليضعوها بين أيدي الناس. لذا فإن اختيار الشاعر لقالب تقريري ـ أو غير شعري ـ يصب فيه آلامه، لم يكن موفقا على الإطلاق.


***
لاشك أننا أمام شاعر مبدع يرتقي سلم الإبداع الشعري بخطى ثابتة، ونحن في انتظار الكثير منه، في مستقبل أيامه، وخاصة بعد أن يتخلص من تأثير أمل دنقل عليه، حيث لاحظنا دخول عبارات دنقلية ـ إن صح التعبير ـ مثل (لا تصالح ـ واحد من جنودك يا سيدي ـ هل تريد قليلا من الصبر ـ .. الخ). أما أصوات المتنبي وأبي العلاء المعري، وأبي العتاهية وسواهم من الشعراء القدامى، والتي جاءت جلية في عدد من القصائد، فهو توظيف فني أكثر منه تأثر بطريقة أدائهم الشعري. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية