لمصلحة منْ يسخر الرئيس الفلسطيني من صواريخ القسام؟

بقلم: نضال حمد

في تطور لافت للنظر وغير مشجع، بل ويبعث على التشاؤم, جاءت تصريحات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لصحيفة لا ريبوبليكا الايطالية واسعة الانتشار, حيث قال أبو عمار:
" هل تسمون القسام صواريخ؟ أنها نكتة"
فعلا أنها نكتة عندما يتعلق الأمر بالبيت الفلسطيني الداخلي الذي مطلوب منه أن يبقى بيتا صغيرا بغرفة واحدة ولشخص واحد, وليس مثل كل بيوت الدنيا بغرف عديدة تجمع تحت سقفها العائلة الواحدة والكاملة. فعلا هذه النكتة سوداء: تبكينا ولا تضحكنا, تحزننا ولا تفرحنا, كما أنها تساعد على فرقتنا بدل أن توحدنا وتلم شملنا.
وتابع الرئيس "اسرائيل تستغلها لتبرر عدوانها على الشعب الفلسطيني .. لن ننسى أن حركة حماس هي من صنع اسرائيل".
هنا لا بد لنا من وقفة مع الكلام المر والحقيقة المرة, على الرغم من أننا نختلف مع حماس في العقيدة والفكر لكنا نجتمع وإياها في محاربة الاحتلال والمستوطنين وفي رفض افرازات اوسلو التي هي أيضا صناعة اسرائيلية وبضاعة أميركية. فشارون لا يحتاج لحجة أو لذريعة ليضرب وبقوة وبلا هوادة الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه وليدمر مؤسسات السلطة التي انبثقت عن سلام اوسلو. وهو يقتل ويغتال القادة والكوادر والمدنيين والعسكريين ويعتقل ويسجن الناس بغض النظر عن صفاتهم ومراكزهم وخير دليل على ذلك حجز الرئيس في الاقامة الجبرية في رام الله, كما أنه يقوم بأفعاله الشنيعة منذ مجيئه لسدة رئاسة الوزراء في آذار الماضي. وهو سوف يستمر في نهجه الدموي الى يوم الدين أو اعلاننا الاستسلام والتسليم بما يريده.
السيد شارون جاء على خلفية برنامج سياسي مهمته الرئيسية تدمير السلام وديمومة الاحتلال شاء من شاء وأبى من أبى. وهو مصمم على قبر سلام اوسلو وافرازاته, بعدما نجح ورفاقه في اليمين المتطرف في قبر رابين شريككم في سلام اوسلو وصديقكم (حسب قولكم) الذي أقر لكم وبحضور العاهل الأردني الراحل الملك حسين والرئيس المصري حسني مبارك بأن "حماس كانت خطأنا الأكبر".
فلنفترض أن كلام رابين عن حماس فيه شيء من الحقيقة, فهل تحاسب حماس على أساس ماضيها أم على أساس الموقف الوطني والمصلحة الوطنية؟
واذا حاسبتم حماس أو غيرها على هذا الأساس فمن سيحاسبكم على ما أرتكب "الفؤاد من الأماني" ومن الاتفاقيات المجحفة والظالمة التي نسفت الاجماع الفلسطيني وأدارت له الظهر غير آبهة بالوحدة الوطنية الفلسطينية وبرأي الشعب الذي تم تغييبه والالتفاف عليه بطرق ووسائل منوعة. لماذا لا تدخل السلطة بحوار جاد وحقيقي وليس أعلامي ونظري مع الفصائل الفلسطينية المعارضة ومع قوى الشعب الفاعلة. وكما هو معروف حركة حماس تعتبر اليوم العامود الفقري للمعارضة الفلسطينية وتتمتع بشعبية فلسطينية واضحة.
كلام الرئيس عن الصناعة الاسرائيلية في المجال الفلسطيني وعن اتهام حماس بالعمل لصالح العدو واضح ولا يحتاج لتفسير وكثير من العناء والتحليل, فصواريخ القسام المضحكة قد تكون السبب في بكاء المستوطنين وتخليص شعبنا منهم بعدما عجزت حمامات وصقور السلام المنبثق عن اوسلو عن تفكيك أي من تلك المستوطنات, بل على العكس تحت مظلة اوسلو تم بناء العشرات منها وتم أيضا ضم الأراضي الجديدة وشق الطرقات الالتفافية على حساب شعبنا وقرانا ومدننا التي غدت معازل وكانتونات محاصرة ومغلقة بسبب سلام الشجعان وشجاعة الطرف الفلسطيني المفرطة في التجاوب مع المطالب الاسرائيلية وخاصة الأمنية منها. وهنا لا بد لنا من أن نعود لأقوال السيد رابين في الكنيست الاسرائيلي خلال هجومه على اليمين بعد توقيع اوسلو حيث كان شديد الوضوح في هذا المعنى: "لا شيء سيتغير. سيقومون بعملنا الأمني في الضفة والقطاع من دون أن تزعجنا المحاكم وحركات حقوق الانسان". هكذا يتحدث أعداء شعبنا مع معارضيهم ومع ممثلي الشعب في الكنيست. أما السلطة الفلسطينية من رئيسها الى قائد جهاز أمنها في الضفة يصرون على استعمال تعابير غير محببة وغير مرغوبة وغير مرحب بها لدى الشعب الفلسطيني, من هذه الأوصاف وصف المجاهدين والمقاومين بالارهابيين كما في خطاب العيد ووقف اطلاق النار وفي مقال نيويورك تايمز وكما جاء أخيرا في لا ريبوبليكا على لسان الرئيس عرفات " اسرائيل تطلب مني اعتقال الارهابيين ثم تقصف السجون".
شعبنا الحي والأبي يرفض هذا الوصف الغريب والمعيب لمناضلي شعبنا لأنهم أبطال ومجاهدين ومنهم شهداء فوارس أمثال أبو علي مصطفى ورائد الكرمي وأبو هنود وغيرهم من الذين اغتالتهم أيادي ارهابيي اسرائيل.
الارهابي هو من يدمر قرانا ومدننا ويعيث خرابا في بلادنا وهو أيضا السجان الذي يتجكم بحركة شعبنا وقيادته.
أننا نرفض فتح ملف الخلاف الفلسطيني الفلسطيني ونريد أن نقف مع أبو عمار في حصاره ومحنته في رام الله لكن على الرئيس عرفات أيضا التزامات لشعبنا يجب التقيد بها وعدم تخطيها واحترامها.
ما معنى أصرار السيد عرفات على عدم موت عملية السلام وهي غدت عظام أو قد تكاد تكون أصبحت رميم؟
بصراحة لم يبقى من سلام اوسلو سوى آثاره السيئة وافرازاته العليلة, بقيت المعازل والكانتونات السجون الجماعية الكبرى والصغرى.
أن معركة الفلسطيني الحقيقية هي مع الاستيطان والاحتلال وليس مع السلام لأن السلام مطلب فلسطيني ملح ولأن الشعب الفلسطيني يتوق للأمن والسلام المفقودين بفعل الهيمنة الاسرائيلية والعدوانية الشارونية المدعومة من أميركا والمسكوت عنها عربيا ودوليا.
شعب فلسطين بحاجة لسلام شجعان عادل وحقيقي يحفظ له حقوقه ويعيد له حريته ويعلن رحيل الاحتلال واستقلال دولة فلسطين الفعلية وليس الاسمية والوهمية .
لكن قبل حدوث ذلك يجب اعادة ترتيب البيت الفلسطيني بما يتناسب مع الحدث والحالة الفلسطينية التي اصبحت بحاجة لتصحيح مسار ولقيادة جماعية تضع نصب أعينها المصلحة الوطنية العامة وليس مصلحة أفراد وفئات تريد الحفاظ على وضعها وتتجاهل مصير الشعب كاملا.
فلكي يستمر شهر العسل الفلسطيني على الطرفين أن يبحثا عن حلول وسط وعن قواسم مشتركة واجماع يرضي الجميع ويلبي المطالب العادلة والطموحات الشعبية التي ترقى لحجم التضحيات الجسام المقدمة والتي لازالت تقدم على مذبح الانتفاضة المجيدة.
أخيرا نذكر بأنه مطلوب من السلطة الفلسطينية أن تأخذ العبرة من شركاءها في سلام الشجعان وأن تستفتي شعبنا بالمسائل المصيرية حتى لا تتكرر تجربة اوسلو العتيدة.