مجدي يوسف يواصل الاشتباك: من التداخل إلى التفاعل الحضاري

عرض: أحمد فضل شبلول

اشتباك جديد مع الواقع الثقافي والاقتصادي والاجتماعي المصري والعربي والعالمي في أبرز تجلياته ومشاهده الحضارية، من خلال جدلية الأنا والآخر الأدبي ـ الثقافي والحضاري في عصرنا الحالي. وهو امتداد للاشتباك السابق الذي خاضه الدكتور مجدي يوسف من خلال كتابه "التداخل الحضاري والاستقلال الفكري" ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993 (200 صفحة) ـ. غير أن الاشتباك الجديد، والذي صدر بعنوان "من التداخل إلى التفاعل الحضاري" ـ سلسلة كتاب الهلال العدد 606 (400 صفحة) ـ تتجلى فيه بصورةٍ أكثر اشتباكا مع الواقع، النماذجُ العينية والمداخلات أو المطارحات النقدية والفكرية مع بعض أدبائنا ومفكرينا ومثقفينا، إما على صفحات بعض الدوريات المهتمة، أو في الندوات والمؤتمرات والملتقيات الثقافية في مصر وخارجها، في ظل عولمة معايير وحلول الشمال الغربي. جدلية الأنا والآخر غير واردة في حسبان دول الشمال ويتضح من خلال سياق الاشتباك، أن جدلية الأنا والآخر التي يحاول المؤلف أن يمنهجها، غير واردة في حسبان دول الشمال، ففي الوقت الذي تحتفي فيه البلاد العربية بمفكري الغرب من أمثال ديريدا منظر التفكيكية الفرنسي، جزائري المولد، وتسعى للتفاعل معه، بل وتطبيق مقولاته في النقد الأدبي عند البعض على أعمال كتابنا العرب، يلاقي الإنسان العربي كل التجاهل والرفض من جانب الغالبية العظمى من المجتمعات الغربية، وليس أوضح على ذلك من اعتراض الولايات المتحدة على إرسال قوات تابعة للأمم المتحدة لحماية الإنسان الفلسطيني من حرب الإبادة التي يشنها ضده الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني، هذا بينما تتحفظ البلاد الأوربية عند طرح الأمر للتصويت في مجلس الأمن.

***
التداخل السالب والتفاعل الإيجابي وآليات الإلهاء على هذا ينقسم الاشتباك الجديد إلى ثلاثة أبواب، الباب الأول جاء تحت عنوان "جدل الأنا والآخر" وتحدث فيه الكاتب عن الثقافة العربية في مفتتح القرن 21 موضحا فيه مفهوم التداخل الحضاري الذي طرحه منذ عام 1983 في حولية "دراسات التداخل الحضاري" في بوخوم بألمانيا، لتوصيف ما آلت إليه ثقافتنا العربية الحديثة، باعتبارها نموذجا للثقافات التي لازالت مهمشة في عالم اليوم، والتي تسعى مع ذلك جاهدة، لأن تتخلص من هذا التهميش، لتصبح فاعلة في الثقافة العالمية على أساس الندية الحقة، وبذلك يمكن للتداخل السالب أن يتحول إلى تفاعل إيجابي مثمر. وقد استعار المؤلف مصطلح "التداخل الحضاري" من مفهوم "التداخل" في علم اللغة، وهو الذي يسعى إلى توصيف الأخطاء أو بالأحرى الآثار السلبية المترتبة على استقبال نسق لغوي مغاير بدلالاته ونحوه وصرفه وصوتياته المختلفة. وهو يتحدث في هذا الباب عن درجات التبعية البحثية، ومن أين نبدأ، وكيف نخطط لبعثاتنا العلمية؟ ثم يتساءل هل للعلم أوطان؟ كما يتحدث عن مركزية الغرب ونظرية الأدب، وكيف لاقت فكرة "الأدب الأوروبي" رواجا كبيرا في العصور الحديثة، وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، منتقلا بعد ذلك للحديث عن آليات الإلهاء في منعطف القرن، ويضرب مثلا بفن الإعلان أو استثارة الحاجات الزائفة لدى المستهلكين. أزمة التجريب وآفة التغريب أما في الباب الثاني فيقدم المؤلف نماذج عينية، فيتحدث عن إشكالية النموذج في المسرح المعاصر، أو هيمنة بعض النماذج المسرحية على سواها، وأزمة التجريب وآفة التغريب في مسرحنا العربي، ثم يشير إلى بعض العروض الخاوية من الدلالة، ويخلص إلى أن مأساة المسرح العربي تتلخص في احتذائه النماذج الأجنبية التي يحتك بها، بدلا من أن يصدر في أسئلته عما تمليه عليه تربته الاجتماعية ومشكلاته الثقافية، وفي مقدمتها مشكلة "الهوية".
ومن إشكالية المسرح ينتقل المؤلف إلى إشكالية المصطلح في فنوننا التشكيلية، ويتحدث عن الفنان صبري راغب الذي يقف في مجابهة التجريب الأجوف، وعن الفنان الناقد محمود بقشيش، وعن تفاعل الشرق والغرب في أعمال محمود مختار، محللا تماثيل: "نهضة مصر"، و"إيزيس، و"فلاحة ترفع المياه"، و"كاتمة الأسرار"، و"الخماسين" و"على ضفاف النيل"، و"نحو الحبيب".
ثم ينتقل من عالم الفن التشكيلي إلى عالم الشعر، فيكتب من وحي مهرجان الإبداع الشعري الذي عقد في القاهرة من 23 إلى 27 نوفمبر 1996، عن تهافت الشعر وتوهج النقد.
ثم يولي وجهه شطر الخارج، فيحدثنا عن محنة التبعية في أمريكا اللاتينية، والعنصرية في ألمانيا، والتيار المعادي لها، ونظرية الجنس الآري، وصورة العرب السلبية في المسلسلات التلفزيونية الألمانية، ثم يرسم لنا صورا قلمية من مرارة الوحدة الألمانية، فمنذ أن حلت الوحدة الألمانية في عام 1990 وعامة الشعب الألماني يدفع ثمنها سلبا من الرفاهية النسبية التي كان يتمتع بها قبل الوحدة. نقد مشروع د. أحمد زويل ومن الخارج يعود مجدي يوسف ـ في الباب الثالث ـ إلى مصر من خلال المعارك النقدية التي خاضها على صفحات الدوريات المصرية، وخاصة مجلتي سطور والهلال، فيرد على د. جلال أمين في نقد ثقافة المثقفين، وعلى د. عبد الوهاب المسيري في نقد الجدل السالب وفي منهج القراءة وفي التلاعب بالفلاسفة، وعلى د. فؤاد زكريا في نقد التنوير المنقب، وعلى فتحي أبو العينين في نقد مفهوم الجيل وجماعية الحلم أم فرديته، كما يرد على عزازي علي عزازي في النقد الدون كيخوتي، وعلى إدوارد سعيد في نقد محاكاة المحاكاة، وعلى مهدي بندق في منهجية التفاعل مع ثقافة الآخر، وأخيرا على العالم د. أحمد زويل في نقد لمشروعه الذي يقوم على "مراكز التميز" للخروج من إسار التبعية والتخلف التكنولوجي والعلمي، وهو مشروع يقوم على فكرة مستعارة من المجتمع الأميركي عبارة عن ضرب من الجامعة البحثية لا يؤمها سوى كبار العلماء والباحثين في مختلف التخصصات، كما أنها تدعو الفلاسفة والمفكرين والشعراء الأجانب لمدد قد تصل إلى عام كامل ليقيموا ويعملوا فيها مع نظرائهم من أبناء الوطن. ويرى المؤلف ـ في نقده لمشروع زويل ـ أن التميز الحقيقي في المجتمعات الغربية المتقدمة يرجع إلى ارتفاع مستوى التنظيم الاجتماعي المتميز والدقيق للعمليات الإنتاجية، وبخاصة عمليات إنتاج البحث العلمي، الذي هو جزء يتمخض عن التنظيم السائد للإنتاج والاستهلاك في المجتمع الذي ينتمي إليه، وأن التميز البحثي باعتباره تميزا في المستوى العام لنظام روح الفريق البحثي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل تنظيم اجتماعي علمي أشمل، وإلا فالنتيجة أنه سيذبل ويموت قبل أن ينهض عوده. وفي رأي المؤلف أن هنا يكمن التناقض في مشروع الدكتور زويل، على الرغم من نياته الطيبة. نموذج للمثقف الواعي هكذا يتداخل د. مجدي يوسف، ثم يتفاعل، بل يغوص، في قضايا مجتمعه الثقافية والحضارية المختلفة، فلا يقف موقف المتفرج منها، بل هو يقرأ وينظر ويتأمل ويفكر، ثم يشرع قلمه وفكره للنقد والرد على ما يراه ويسمعه ويقرأه، ولاشك أنه نموذج للمثقف الواعي الدارس الإيجابي، وهو بلا شك أيضا، مستعد لسماع الرأي الآخر فيما يذهب إليه من أفكار وآراء. إنه بذلك يحقق جدلية الأنا والآخر في أنصع تجلياتها. أحمد فضل شبلول - الإسكندرية