عملية بئر السبع افشلت نظرية الردع الشارونية

بقلم: نضال حمد

من جديد تعود المقاومة الفلسطينية المجاهدة لتؤكد سقوط نظرية الامن الاسرائيلي واسس الوجود الشاروني المبني على تلك النظرية. هذا وتعد عملية بئر السبع عملية استشهادية نوعية من حيث التخطيط ونوعية الخسائر والمكان واهميته العسكرية والامنية.
اما الدرس الذي يجب استنتاجه من تلك العملية هو انه لا توجد قوة محتلة تستطيع منع الشعوب من مقاومة الاحتلال وبالنهاية هزيمته وطرده. وبما انه لا يوجد احتلال يختلف عن الاحتلالات الاخرى من حيث اساليب القمع والاهانة والتنكيل, فان الاحتلال اينما وجد وحيث هو موجود لا يمكن له ان يستمر ويقمع ارادة الشعب الخاضع للاحتلال الا عبر استعماله للاساليب الارهابية والاخرى المحرمة دوليا حتى يضمن استمراريته ودوام احتلاله لاراضي الغير بالقوة.
واسرائيل المستلهمة اساليبها القمعية من تراث مرضي خبيث, عنصري وشوفيني، يستمد عنصريته ومحاولاته استعداء واستعباد الآخرين من نظرية دينية تفضله هو وعرقه على كافة بني البشر.
لا يمكن لتلك الدولة بكيانها الدخيل على المنطقة ان تخرج من الدائرة التي وضعت نفسها ووجودها فيها الا باستمرار تفوقها العسكري والامني والاقتصادي, وذلك لا يكون الا بالتبعية المطلقة للاستعمار الغربي.
فاسرائيل الصهيونية، التي لا ترضى ولا تعترف بغير اليهودي، لا يمكنها الالتفاف على تاريخها وحاضرها كي تخرج من دائرة الوحدة ولكي تدخل في دائرة الجماعة التي تضم كل دول المنطقة عربا وعجما وغيرهما.
على هذا الاساس الديني والعنصري الضيق والمريض تعامل الاسرائيليون ويهود العالم الصهاينة مع قضية فلسطين ومع احتلالهم لتلك البلاد. هذا ولازال هؤلاء المحتلون بقيادة شارون يتعاملون مع الفلسطيني والعربي بهذه الطريقة الشريرة والفوقية, لانها باعتقادهم الطريق الذي على اساسه قامت دولتهم وعلى نفس الاساس سوف تستمر. اما الخروج عن هذا النهج ولو قليلا، مثلما حصل في سلام الشجعان مع مصر السادات وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني بقيادة الرئيس عرفات, يعتبر انحرافا عن الايديولوجية الصهيونية وامرا خطيرا ومميتا, لذا يستحق اصحابه عقوبة الموت جزاء على اقترافهم ذاك الذنب وتلك الخطيئة او الخيانة العظمى.
وهذا فعلا ما حصل مع الجنرال اسحق رابين رغم كل انجازاته العظيمة لدولة الكيان الصهيوني.
لقد تم قتله بعدما قام اليمين الصهيوني من نتنياهو وشارون الى زئيفي (الذي قتل لاحقا على ايدي مجاهدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في القدس المحتلة) بالتحريض ضده واتهامه بخيانة دولة اسرائيل وبتدمير انجازات هذه الدولة عبر تنازله عن الحقوق اليهودية في فلسطين ووضع يده بيد السيد عرفات" والفلسطينيين الملطخة اياديهم بدماء اليهود".
تصوروا مدى عدائهم للسلام وحقدهم على الفلسطينيين حمامات سلام شجاعة وصقورا رافضة لسلام الشجعان, وشجاعة من وافق على ذاك السلام!
لو فكر الانسان الفلسطيني قليلا بالذي اقدم عليه فريق اوسلو من تنازلات" شجاعة" اضرت ولازالت تضر بالقضية الفلسطينية , ومن ثم قارن تلك التنازلات بتنازلات الجنرال رابين, لقال لقد كان رابين "وطنيا اسرائيليا" من الدرجة الاولى و ظل وفيا لبلاده حتى اخر لحظة في حياته.
لقد اتت عملية بئر السبع لتعيد خلط اوراق شارون الامنية ولتؤكد له من جديد فشل نظريته الامنية وسقوطها تحت اقدام مجاهدي الشعب الفلسطيني الذين حسموا امورهم حينما قرروا انتهاج المقاومة بشقيها السلمي والجهادي كخيار وحيد واكيد لطرد جيش الاحتلال من بلادنا التي لم تعد تحتمل الاحتلال وافرازاته الامنية والعسكرية.
لكن اخطر ما سيواجه هذا الخيار الشعبي والفصائلي سيكون موقف السلطة الفلسطينية وخياراتها الغير واضحة والغير مكشوفة والغير معروفة المعالم والاتجاهات. نقول غير معروفة وواضحة لان مواقف الرئيس عرفات ومقاله الشهير في نيويورك تايمز وتصريحاته فيما بعد, بالاضافة الى مواقف اركان السلطة وتصريحاتهم الغريبة والعجيبة، تعد "رسائل مجانية" سوف تزيد شارون ومن خلفه حليفه بوش والادارة الاميركية المعادية لتطلعات الفلسطينيين وحقوقهم العادلة صلابة وعناد وسوف تطالب الرئيس الفلسطيني بالمئة مئة من الامن لاسرائيل والمئة مئة من الحرب الاهلية الفلسطينية, فغونداليسا رايس لم تتأخر في اعلانها بان على الامن الفلسطيني مواجهة الانتفاضة والمقاومة وحتى لو تطلب ذلك قتل الفلسطينيين لاخوانهم الفلسطينيين. اما تشيني نائب الرئيس الاميركي فقد طالب بشنق عرفات وكأن شنق الرئيس الفلسطيني يحل المشكلة.
ان التصلب والعداء والتعجرف الاميركي سوف يزداد مادام الاميركان يعتبرون كفاحنا وجهادنا ضد الاحتلال وعمليات المقاومة التي تستهدف الجنود المحتلين وقطعان المستوطنين, عمليات ارهابية.
انهم يتكلمون بلسان عبرية فصيحة ويرون الامور باعين اسرائيلية ويسمعون الكلام باذان صهيونية توزعه على مسامعهم كما تشاء وتطالبهم بقبوله كما تريد وهم بدورهم يفعلون ما يريده اللوبي اليهودي. وشاهدنا على ذلك الحملة الاميركية الشرسة والتي لم يعرفها تاريخ الصراع من قبل, حتى في ايام الرفض الفلسطيني في السبعينات. فالرئيس الفلسطيني المحاصر في رام الله رغم كل ما يقوله ويردده عن ان علاقاته مع اميركا قائمة ومستمرة.
كل هذا جيد ويا ليت العلاقات تكون جيدة وتقوم اميركا بتوجيه الامر لشارون لكي يفك الحصار عن شعبنا في مدنه وقراه وان يسمح للرئيس الفلسطيني بمغادرة رام الله والتحرك بحرية ككل رؤساء العالم.
نتمنى على الرئيس الفلسطيني ان يتعامل وسلطته مع عملية بئر السبع بما تمليه عليهم الامانة الوطنية والمسئولية التاريخية وان لا يدينوا العملية ويصفوا الشهداء بالارهابيين ويتعقبوا اخوانهم واصدقائهم. لان عملية بئر السبع ستضع نظرية الامن الشارونية في البئر العميقة وتدفنها هناك الى الابد وستثبت في عقول واذهان الصهاينة انه لا امن لهم مادام الفلسطيني لا ينعم بالامن والسلام والحرية وقبل ان تزول المستوطنات ويزول الاحتلال عن الارض الفلسطينية.