مفاتيح سلام أفغانستان بيد «امير هيرات»

هيرات، أفغانستان - من جو كوتشرين
اسماعيل خان يعرف بالقسوة وتحجر الفؤاد

يبدو إسماعيل خان كما لو كان جدا طاعنا في السن أكثر من كونه أمير حرب أفغانيا قويا، وقد يحسبه المرء للوهلة الاولى سانتا كلوز من القرن التاسع عشر بسبب زيه الافغاني التقليدي ولحيته البيضاء الطويلة ووجنتيه المتوردتين.
لكن ذلك لا يعدو أن يكون انطباعا أوليا ما يلبث أن يزول بمجرد معرفة الرجل، فإسماعيل خان حاكم إقليم هيرات غربي أفغانستان مقاتل مخضرم من المجاهدين الذين خاضوا الحرب ضد السوفييت في الثمانينات ويزعم البعض أنه أقوى شخصية عسكرية وسياسية في أفغانستان.
ويوصف خان بأنه قاسي، وأحيانا، متحجر الفؤاد وغير ديمقراطي بالمرة لكن من المفارقات، أن خان الذي نصب نفسه "أميرا" ربما يمسك بيده مفاتيح السلام في أفغانستان وقد يكون الرجل الذي سيحدد ما إذا كان اتفاق السلام الافغاني الهش سيمضي بالدولة تجاه الديمقراطية أم ينحدر بها مجددا إلى هوة الحرب الاهلية.
وتعد هيرات، وهي مدينة قديمة تقع على طريق الحرير القديم إلى الصين، من أهم المناطق الاستراتيجية بأفغانستان حيث أن بها معابر حدودية ذات أهمية تجارية مع كل من إيران وتركمنستان كما يسيطر مكتب حاكم هيرات إداريا على أربعة أقاليم مجاورة.
وكان اسم خان قد تردد بقوة في وسائل الاعلام الدولية هذا الشهر وسط مزاعم بأنه يحاول إقامة مملكة خاصة في هيرات، مستقلة عن الحكومة الافغانية الانتقالية في كابول.
وتتناقض هذه الخطوة دون شك مع الاتفاق الذي وقعته الفصائل المتحاربة في أفغانستان في بون بألمانيا في كانون الاول/ديسمبر الماضي والذي يقضى بتشكيل حكومة وطنية قوية.
ومما أثار هذه المزاعم ادعاءات أمريكية بأن إيران التي تقع على بعد 120 كيلومترا فقط غرب مدينة هيرات تقوم بتزويد خان بالمال والسلاح والمستشارين العسكريين.
وينفي خان ذلك بصورة قاطعة، قائلا أن دعم إيران لفصائل التحالف الشمالي المعارض الذي حارب نظام طالبان انتهى بعد الاطاحة بالحركة الاسلامية المتطرفة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
وقال خان "إيران كانت واحدة من أكبر مساندي التحالف الشمالي ضد الارهابيين، ولا تعني مساندة الايرانيين لنا قبل ثلاثة أشهر أنهم يفعلون ذلك الان".
لكن مصادر غربية وأفغانية في هيرات قالت بأن إيران تزود قوات خان التي يبلغ قوامها نحو20.000 فرد بالسلاح وتتولى تدريبها، ويحمل الكثير من الجنود الذين يقومون بدوريات في شوارع هيرات مدافع رشاشة جديدة إيرانية الصنع ولا يسمح للصحفيين بدخول قاعدة عسكرية، يزعم أن مستشارين إيرانيين يقومون داخلها بتدريب جنود أفغان ومن بينهم مجموعة من القوات الخاصة قوامها 320 فردا.
ويقول المسئولون الامريكيون إن إيران تسمح أيضا لكبار أعضاء طالبان وشبكة القاعدة الارهابية بزعامة أسامة بن لادن بالهرب إلى أراضيها في إطار استراتيجية لتقويض المصالح الامريكية في أفغانستان.
وينفي مساعدو خان ادعاءات الدعم الايراني لهيرات ويصفونها بأنها دعاية من جانب أمراء الحرب المنافسين الغيورين، ومن بينهم زعماء في إقليم قندهار الجنوبي الذي كان معقل حركة طالبان.
وقال محمد الله أفضلي أحد كبار مساعدي خان ومدير مكتب وزارة الخارجية في هيرات أن سبب هذه المزاعم هو أن "إسماعيل خان رجل قوي وله حضور سياسي وعسكري في أفغانستان".
وسواء أكان خان يحاول أم لا بناء مملكته الخاصة، فإن من الواضح أن هيرات ليست معتمدة على الحكومة الانتقالية في كابول وتقوم هيرات بتحصيل رسومها الخاصة على الواردات وتقيم علاقات خارجية مع إيران وتركمنستان كما يمضي اقتصاد العاصمة الاقليمية بقوة للامام.
وعلى عكس الحكومة الانتقالية، فإن هيرات يمكنها دفع رواتب موظفيها.
لكن خان تعهد علنا بالولاء للحكومة الانتقالية ووافق على اتفاق بون، ويرفرف العلم الوطني الافغاني بألوانه الاخضر والاحمر والاسود أعلى المكاتب الحكومية في أنحاء هيرات وسمح الحاكم لفريق صغير من القوات الخاصة الامريكية بالبقاء في مجمعه العسكري الشاسع لمراقبة الامور.
بل أن خان أعد استقبالا جليلا لرئيس الحكومة الانتقالية حامد قارزاي عندما قام بزيارة حظيت باهتمام كبير لهيرات الاربعاء ، حيث كان في استقباله حرس الشرف ومجموعات من الاطفال المغنيين.
ومن الواضح أن قارزاي تأثر بشدة بكرم الضيافة حيث اصطف الآلاف من السكان تلقائيا على جوانب الطرق لالقاء نظرة على موكب الزعيم الافغاني، وقلل من شأن الشائعات بوجود توتر مع هيرات.
وصرح قارزاي بأن "كل شيء جيد وعظيم"، ووصف خان بأنه "صديق قديم".
وليس أمام خان الان أي خيار سوى تأييد قارزاي الذي لا يحظى بدعم المجتمع الدولي ومعظم سكان أفغانستان فحسب، بل لديه أيضا أقوى حليف في البلاد، وهو الجيش الامريكي.
ويقول حاجي صادقي زعيم الطائفة الشيعية في هيرات "الكل يعرف أن إسماعيل خان لا يمكنه الوقوف أمام الطائرات الامريكية بي-52".
لكن الامور لا تبدو هادئة تحت السطح. فمن الواضح أن خان يراهن على الوقت وينتظر ليرى ما إذا كانت الحكومة الانتقالية ستتفكك في خضم الاشتباكات المتفرقة بين أباطرة الحرب المتنافسين في أجزاء أخرى من الدولة. وكان اشتباك في مدينة جارديز الشرقية قبل أسبوعين قد أودى بحياة 50 شخصا.
ثم أن هناك اجتماعا وطنيا قبليا مرتقبا، أو لويا جورجا، للفصائل الافغانية الرئيسية في حزيران/ يونيو القادم والذي سيتم خلاله اختيار حكومة انتقالية لتحل محل إدارة قارزاي وتعد لاجراء انتخابات عامة أواخر العام القادم.
وتقول مصادر في هيرات أن خان يحاول تدعيم سلطته في المناطق الخاضعة لسيطرته، تحسبا لفشل اجتماع لويا جورجا. وهناك بالفعل بوادر اضطرابات. ففي الاسبوع الماضي، انفصل حاكم إقليم غور المجاور عن إدارة هيرات وتعهد بالمساندة المباشرة لكابول.
وقال مصدر غربي في هيرات "ثمة صراع على السلطة يدور حاليا، وخان يمسك العصا من المنتصف وهو ينتظر".
في الوقت نفسه، يجد سكان هيرات أنفسهم في حيرة، ورغم أن أي شيء في نظرهم هو أفضل من سياسات طالبان الوحشية، فإن سكان المنطقة مازالوا خائفين من خان الذي عاد بسرعة من المنفى في إيران في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي لملء فراغ السلطة الذي سببه هروب طالبان من هيرات.
ويقول خوجه رسول، وهو أمريكي من أصل أفغاني يعد ممثلا في هيرات للمبعوث الامريكي الخاص لافغانستان زالماي خليل زاد، "الناس لا يستطيعون رفع أصواتهم الان".
ويرسم خان صورة مختلفة للوضع، ويزعم أن السكان توسلوا إليه لاستئناف عمله حاكما للاقليم ويقول أنه لم يعد يعمل لمصالحه الخاصة لكن من أجل وحدة أفغانستان.
وتابع خان "صحيح أننا دخلنا المدينة بالقتال، لكن لم يتم اختيارنا بالسلاح، لقد اختارنا الناس".
ويتعين الانتظار لمعرفة ما إذا كان خان سيلجأ لحمل السلاح مجددا إذا لم يعد السلام الهش في أفغانستان يخدم مصالحه.