محمد جبريل، نجم وحيد في أفق الرواية الجديدة

بقلم: أحمد فضل شبلول

هذه الرواية أشبه بالحلم الذي لا يُرى إلا مرة واحدة، لذا لابد أن تُقرأ دفعة واحدة، أو في جلسة واحدة، ولا يجوز لها أن تُقرأ على جلستين أو أكثر، (خاصة أنها صغيرة الحجم 125 صفحة فقط) وإلا فقد القارئ شيئا من متعة القراءة، لعله انقطاع التدفق الروحي أو العاطفي أو النفسي مع بطل الرواية الذي يعيش حالة نفسية أو روحية مأزومة، ينجح محمد جبريل في تصويرها أو نقلها إلى القارئ عبر روايته "نجم وحيد في الأفق". وهي رواية، وإن كانت تنطلق من أرض الواقع الذي هو ـ كما تعودنا من جبريل في معظم أعماله الإبداعية ـ حي بحري بالإسكندرية، إلا أنه في هذه الرواية يحلق إلى آفاق جديدة، بعضها لمسناها بطريقة عابرة في رباعية بحري من خلال شخصية الجد السخاوي، ومن خلال الحديث عن كرامات بعض أولياء الله الصالحين من أمثال سلطان الإسكندرية المرسي أبو العباس، إلا أن بطل نجم وحيد في الأفق يختلف عن أصحاب الكرامات وأولياء الله الصالحين في أنه رجل عادي ـ لم يختر المؤلف اسما له ـ يعيش مأزوما بدنيا وروحيا، ويتردد على الأطباء والمشايخ، ويتفق الجميع على أنه لا يعاني مرضا جسديا، ويشير عليه الشيخ نجاتي، بأن يذهب لملاقاة نجمه ـ الذي من الممكن أن يكون طائرا أو سمكة أو نجما في السماء أو أي رمز آخر ـ عبر رحلة بحرية يقوم بها، فهو ولد في جزيرة تبعد عن جزيرة الأنفوشي بمسافة، حيث كان أبوه صيادا يجوب البحر، ويصطحب معه زوجته أحيانا، وفي إحدى المرات كانت حاملا، فاجأها المخاض في الجزيرة، فوضعت وليدها هناك وعادت به. وهنا يقرر البطل الاستعداد للرحلة بكل ما يملك من طاقة روحية، ويذهب إلى كابتن البحر ليتتلمذ على يديه. وعندما يحين الحين يأخذ قاربه وينطلق في رحلته صوب المجهول. ومنذ هذا الانطلاق تبدأ الفتوحات الجديدة، والفيوضات الروحية، وتتخلص الرواية من طينها الأرضي، وأشواق البشر العاديين، لتحلق في أجواء بحرية طبيعية وحلمية، ومخاطر نفسية ومادية، كالتي وجدناها في رحلات السندباد، وأوديسيوس، وعجوز بحر أرنست هيمنجواي، غير أن الفارق أن بطل رحلة جبريل غير أسطوري، إنه واحد منا، إنسان بشري يتحول شيئا فشيئا ـ عن طريق الصبر والمجاهدة ـ إلى العيش في الجنة القرآنية. فعندما يصل إلى جزيرة النهاية، تنقلب الرموز لتصبح معاني مستوحاة من أوصاف الجنة ونعيمها الخالد، كما وردت في القرآن الكريم، أو كما وردت على أقلام المفسرين والشارحين.
اعتمدت الرواية في جانب كبير من تكنيكها على المعلوماتية، وحولتها من خلال السرد، إلى أركان أساسية وخبرات بشرية لا غنى للبطل في رحلته عنها، فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف مواعيد النوات الطبيعية أو البحرية ـ التي من الممكن أن تكون معادلا للنوات النفسية ـ والتي تهب على الإسكندرية خلال أشهر الشتاء، فيقول ص 39 "نوة المكنسة في 17 نوفمبر، تستمر خمسة أيام. قاسم في 5 ديسمبر، تستمر خمسة أيام، الفيضة الصغرى 20 ديسمبر، تستمر خمسة أيام، عيد الميلاد أو الفيضة الكبرى 29 ديسمبر، تستمر 12 يوما، الغطاس 19 يناير تستمر ثلاثة أيام، الكرم 28 يناير، تستمر سبعة أيام، نوة الشمس الصغيرة 18 فبراير، تستمر ثلاثة أيام، السلوم 2 مارس، تستمر يومين، نوة العوة ـ ما بعدها نوة ـ 24 مارس تستمر ستة أيام". وحتى تختفي المعلوماتية وراء الصنعة الفنية الماهرة، أو تتماهى معها، لم يلجأ المؤلف إلى صب المعلومات كيفما اتفق في العمل الروائي، ولكنه يوردها على لسان الشخصية العارفة أو العالمة ببواطن البحر وأسراره، كشخصية الكابتن أثناء تعليمه لبطل الرحلة. ومن هنا فإن قارئ الرواية يكتسب أثناء قراءته لها معلومات وخبرات حياتية جديدة عن أنواع الأسماك (بوري ومرجان وقراميط ومحرات وشجري وبربوني ومياس ودنيس وموزة خضراء وبساريا .. الخ)، وأنواع الطيور البحرية، وأنواع السفن والقوارب والبلنسات، وكيفية الصيد وأنسب الأوقات له .. الخ.
إنه عالم البحر العجيب وأسراره التي لا تنتهي، رمز لعالم الروح وخفاياه، وهو ليس أقل شأنا من عالم الأرض، بل أكثر مدى واتساعا. ومن هنا لجأ محمد جبريل إليه ليعبر عن أزمة الإنسان الروحية التي تلاشت في النهاية، بعد أن أصبح العالم الأرضي ـ حي بحري على وجه التحديد ـ بالنسبة للبطل مجرد ملامح باهتة تذوي من الذاكرة حتى تغيب تماما. أحمد فضل شبلول - الاسكندرية