جدل حول صورة المرأة والرجل في السينما التونسية

تونس - من محمد فوراتي
مفيدة التلاتلي تقدم الكثير من الإثارة المحظورة

تحت شعار" نحو كتابة إبداعية جديدة" انطلقت الجمعة تظاهرة أدبية كبيرة فعاليات "عرس الرواية العربية" بحضور أسماء عربية من مختلف الأقطار في مجال الكتابة والنقد، وخاصة من سوريا ومصر والمغرب والأردن، وتنظم الفعاليات التي تستمر ثلاثة أيام جمعية مهرجان قابس الدولي (365 كلم جنوب العاصمة التونسية).
وتلا افتتاح الملتقى وتكريم بعض الروائيين من قبل جمعية مهرجان قابس الدولي وجمعية الرواية العربية عقد الجلسة العلمية الأولى برئاسة الكاتب السوري نبيل سليمان والتي تتضمن تسليط الضوء على محورين هما "الرواية التونسية إلى أين؟"، للدكتور والجامعي التونسي مصطفى الكيلاني ثم "الرواية التونسية الجديدة .. اتجاهات التجريب" يقدمها الناقد الأردني محمد عبيد الله. ومن المحاضرين في الجلسة العلمية الأولى الروائي التونسي إبراهيم الدرغوثي، في شهادة بعنوان "الكتابة بين الإبداع والإتباع"، وتتناول الجلسات العلمية الأخرى إشكاليات نقدية هامة، مثل الرواية والتجريب ومغامرة الشكل في نماذج من الرواية التونسية والبناء الحكائي في الرواية العربية.
وتستقطب هذه التظاهرة الأدبية الهامة عددا كبيرا من الروائيين العرب من مختلف الأقطار العربية، إضافة إلى الجمهور التونسي الشغوف بمثل هذه المناسبات، ويعود الفضل في إنجاز هذه المحاور الأدبية إلى مدير مهرجان قابس الدولي الدكتور محمد الباردي، وهو أستاذ جامعي وناقد أدبي شغل خطة عميد كلية الآداب بصفاقس عدة سنوات (260 كلم جنوب العاصمة).
وتعلق النخبة المثقفة آمالا كبيرة على مثل هذه الدورات القليلة لتسليط الضوء على إشكاليات الإبداع والكتابة الروائية خاصة وذلك نظرا لتقصير وسائل الإعلام في تناول هذه المسائل رغم الزخم الكبير الذي تتميز به الساحة التونسية في ميدان الكتابة والنقد. جدل بين السينمائيين والنقاد يجتمع عدد من نقاد السينما مع بعض المخرجين والممثلين هذه الأيام في مناسبة نادرة من أجل الربط بين المبدع والناقد من جهة والجمهور العريض من جهة أخرى بهدف تقريب الخطاب النقدي في مجال الفن السابع من الجمهور.
ومنذ الخميس الماضي انطلقت هذه اللقاءات بمصافحة مع مخرج الشريط التونسي الأخير "فاطمة" خالد غربال. هذا الشريط السينمائي الذي بدأ يثير جدلا كبيرا بين الجمهور والنقاد ربما فرضته القضية المطروحة في العمل من نقاش، وهي قضية "الشرف" و"البكارة" و"العذرية" وقد سجّل الشريط في أيام العرض الأولى ازدحاما غير مألوف. إذ أن الأفلام التونسية السابقة هذه السنة لم تسجل نجاحا يذكر وزهد فيها الجمهور وخاصة أفلام "عرس القمر" و"حلو ومر" و"قوايل الرمان".
وستتعدد المحاور المطروحة هذا الأسبوع وخاصة "دور السينما الغربية في الإنتاج التونسي" ثم "النقد السينمائي في وسائل الإعلام"، وفي نهاية هذا الموسم السينمائي سيقع تنظيم ندوة فكرية هامة محورها "السينما التونسية حصاد التسعينات".
يذكر أن السينما التونسية تعاني من التعثر المتواصل حيث لم تتمكن من بلوغ المستوى الذي وصلت إليه بعض الدول العربية، وتتعرض الأشرطة التونسية إلى هجوم كبير من قبل الجمهور والنقاد بسبب ما تطرحه من قضايا يعتبرها البعض بعيدة عن الواقع رغم تكلفتها المادية الكبيرة، ويسمي بعض النقاد المشكل في السينما التونسية، بغياب العلاقة بين الأفلام المنجزة والواقع التونسي ثم غياب المؤسسات التي ترعى الإنتاج السينمائي، إضافة إلى ما يضيفه البعض من عدم احترام أغلب المخرجين لهوية الشعب التونسي العربية الإسلامية حيث نجد كثيرا من العراء والإغراء في الأفلام التونسية الأخيرة. مواطن يشتكي المخرجة التونسية مفيدة التلاتلي أثار عرض شريط "موسم الرجال" للمخرجة مفيدة التلاتلي ردود فعل كبيرة من قبل الجمهور بعد عرضه على الفضائية التونسية، وإذا كان هناك رفض غالب من قبل التونسيين للأفلام السينمائية التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة والتي توصف في الغالب بـ "الفاشلة والهابطة" فإن فيلم موسم الرجال الأخير أثار غضب أهالي جزيرة جربة بالأساس (450 كلم جنوب العاصمة) لأن أحداث الفيلم تدور في هذه الجزيرة السياحية.
وبين أهلها، وقد وصل هذا الغضب بأحد المواطنين رفع قضية ضدّ المخرجة مفيدة التلاتلي لأنها حسب رأيه تشوه جزيرة جربة وأهلها وتظهرهم في صورة بشعة ومشوهة.
وقد اعتمدت مفيدة التلاتلي في هذا الفيلم على الإثارة الجنسية سواء في مستوى الحوار المليء بالإحالات والإيحاء أو في بعض المشاهد التي كانت فيها الإثارة مجانية، إضافة إلى تغييبها التام للرجل وتصويره دائما في صور سلبية، فهو إما غائب أو مغتصب أو أناني لا يفكر إلا في مصلحته فقط، أما المرأة فهي مقموعة عاطفيا ومحرومة جنسيا، فقد كانت الصور مستفزّة حسب أحد المشاهدين بالنسبة لأهالي جربة خاصة أن النساء يرتدين الزي التقليدي الجربي. فمفيدة التلاتلي اختارت أن ترى موضوع الهجرة وتأثيراتها في الجزيرة من زاوية واحدة تستجيب في جانب كبير منها لصورة الشرق كما يريد الغرب أن يراه شرق ساحر بمشاهده الطبيعية وهوسه الجنسي وامرأته المقموعة وعقلية الحريم.
يقول أحد المثقفين متحدثا في تعليقه على هذا الفيلم "أنا شاهدت الفيلم ولم أفهم ما الذي تريد أن تقوله المخرجة مفيدة التلاتلي، فهناك مبالغة لا مبرر لها في وضع اللقطات الجنسية، والإيحاءات، وكأن ذلك هدف في حدّ ذاته، والحقيقة أن أهالي جربة الطيبين لهم الحق أن يغضبوا لهذا التشويه بل من حق التونسي أن يثور على هذه الموجة السينمائية التي أصبحت قاعاتنا أسيرة لها".
وأضاف "أنا أستغرب أن يتغافل هؤلاء المخرجون عن معالجة مشكلات مجتمعنا الكثيرة، وكان عليهم الاستفادة من السينما المصرية وحتى الغربية، ولكني أعتقد أن هؤلاء لا يعيشون داخل المجتمع التونسي".
يبدو أن هذا الشريط أساء إلى جهة تفتخر بتضحياتها وطموح أبنائها وعزيمتهم على العمل والجد من أجل نحت شخصيتهم وتأمين الحياة الكريمة لمحيطهم، وقد كان فيلم مفيدة التلاتلي، حسب تعبير أحد الصحافيين بجريدة "الشروق" اليومية، "سطحيا وتشويهيا، صوّر مجتمعا من خلال مقاييس لا تنطبق عليه" . بل الإساءة الأكبر، حسب نفس الصحافي، لحقت المرأة التونسية والمرأة الجربية أساسا التي عرفت باحترام الذات ... ولعل صاحبة موسم الرجال تريد أن يلحق من بقي من النساء المحافظات على توازنهن وهويتهن بصفوف "النساء السلع" اللاتي أصبحت تباع أجسادهن في المزاد ينهشهن الرجال ويلفظهن عندما يفوتهن قطار العمر. (ق.ب.)