ماذا بعد سلام اوسلو واخواتها؟

بقلم: نضال حمد

ظننت انه بعد مشوار اوسلو والعشر سنوات من التحمل والعذاب والقرف والظلم والغرابة والضبابية والانفلات وكل ما هو غير طبيعي وغير عادي في الهوة التي كانت كل يوم تتسع بين السلطة الفلسطينية من جهة والجماهير الفلسطينية من جهة اخرى, و بعد هذا المشوار المظلم وبعد عودتنا لعصور الاستعباد والاستبداد والعبودية المالية والاقتصادية, ان هذا الشعب ما عاد قادرا على فهم حقيقة الصراع وخلفيات السلام ومن عاد على خلفية اوسلو وسلام العم سام الذي قال يوما ما" باي باي بي ال او" اي ما معناه وداعا منظمة التحرير الفلسطينية.
وهذا فعلا ما حصل بعد سلام اوسلو واخواتها من المدن والعواصم والاماكن والمنتجعات، من كامب ديفيد وطابا الى شرم الشيخ وباريس وروما, حيث غابت المنظمة التي اعترف بها العالم كله تقريبا كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وحضرت السلطة الفلسطينية لتقيم سلطانها على اطلال المنظمة بدعم عالمي وعربي وحتى اسرائيلي في بعض الاوقات, ظنا من هؤلاء جميعا بان السلام صار حقيقة ولا خيار اخر امام الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي غير سلام الشجعان. هذا السلام الذي يتطلب قرارات شجاعة وجريئة كانت للفلسطيني حصة الاسد فيها من الشجاعة و التنازلات, حيث انه لم يكن هناك محاسب او رقيب على هذا المفاوض المتسلح بقرار رئيس المنظمة ولاحقا المجلس التشريعي الغير مشرع قانونيا والغير قادر على تشريع القوانين لان وجود هذا المجلس جاء على خلفية اوسلو وبصناديق اقتراع لعبت فيها المحسوبيات والعشائرية والمادة دورا كبيرا ادى الى نجاح معظم رموز السلطة وحاشيتها. عدا عن ان هذا المجلس لا يمثل كافة قطاعات شعبنا في الداخل والخارج. فمثلا، فلسطينيو الشتات لهم ممثل شرعي ووحيد هو منظمة التحرير الفلسطينية. تلك المنظمة التي اسسها القائد الموهوب احمد الشقيري والذي استطاع ان يعبر بها العديد من العقبات وان يرسوا على شاطئ الامان الى ان استلمت مكانه القيادة الحالية برئاسة السيد ياسر عرفات.
اذن شرعية المنظمة موجودة وخزان دعمها وامدادها موجود, لان شعب فلسطين الكامل في مخيمات شتاته موجود بكل ضيعه ومدنه وقراه من اعلى الجليل الى صحراء النقب وغزة والضفة وكل تراب فلسطين التي حولت بالظلم والقهر الى اسرائيل.
هذا الشعب المؤمن بعدالة قضيته وبحتمية زوال الاحتلال لم يفقد الامل نهائيا بقيادته الحالية لكنه يحملها مسئولية تغييب المنظمة ووضعها على الرف وابعادها عن المسائل الجوهرية التي تمس جوهر قضية فلسطين، والذي ويعتقد انه مازال هناك متسع من الوقت، وبالذات الان، لاعادة الحياة للمنظمة ولميثاقها الوطني وائتلافها العريض المبني على برنامج الاجماع الوطني والقاسم المشترك.
ان كلام الرئيس الفلسطيني لاول مرة عن خلافته يضع حدا للجدل الدائر عن الورثة المحتملين.
فقد اكد عرفات على ان ابو علاء سيكون رئيسا مؤقتا للسلطة الفلسطينية لمدة ستون يوما, اما ابو مازن سيحل مكانه في رئاسة اللجنة التنفيذية للمنظمة وكلاهما لحين اجراء انتخابات. اما العقيدان مسؤولا الامن في غزة والضفة, فقد قال عنهما ابو عمار بانهما قريبان الى قلبه.. لكنهما بالتأكيد ليسا قريبان لقلوب الكثير من مناضلي الشعب الفلسطيني المعتقلين في سجونهما, ولا لقلوب امهات الشهداء الذين قتلوا برصاص عناصر جهازيهما اللذين يقال انهما ينسقان عملهما مع السي اي ايه والشاباك. وقد تكون مجزرة نابلس الاخيرة واطلاق النار وقتل الفلسطينيين في المدينة نفسها وفي جباليا ودير البلح وخان يونس من الادلة على ذلك. ويعزز هذه التحليلات ما ورد في تصريحات النائب عن فتح ونابلس في المجلس التشريعي الفلسطيني السيد حسام خضر بعد مجزرة نابلس ومقال الرئيس ياسر عرفات.
ان اخطر ما في وراثة الرئيس عرفات هو ان الذين سيورثونه، في حال رحل، هم انفسهم من حشر شعبنا وقضيتنا في زاوية اوسلو الضيقة. فهم انفسهم نتاج لاوسلو على الاصعدة السياسية والامنية والاقتصادية, وكذلك في عالم النجومية والنجوم.
يظنونها قريبة بفعل اوسلو ونظنها بعيدة باسلوب وسلام اوسلو, لكنها قريبة بالعناد على الحق وبالالتزام بالثوابت الوطنية وبالاجماع الوطني وبالقواسم المشتركة وباحترام ارادة الشعب وخياراته الوطنية.
هذا لا يعني اننا ضد السلام, لا بالعكس نحن مع السلام العادل والشامل, السلام الذي يجلب الامن والسلام لكافة شعوب المنطقة وليس لقطعان المستوطنين وللجنود القتلة المحتلين. يجب ان يفهم الاسرائيليون ان السلام مطلب فلسطيني وان الامن للفلسطينيين اصبح ضرورة ولازمة بعد كل ما ارتكبه المحتلون والمستوطنون من مجازر ومذابح ومآسي وتدمير وفظائع ومخالفات للقوانين المحلية والدولية ومواثيق حقوق الانسان والبشر والشجر وحتى حقوق الحيوان.
فهذا الاحتلال يقتل البشر ويقتلع الاشجار ويجرف الزرع ويدمر الدور ويهدم البيوت ويسرق اعضاء الضحايا قبل قتلها او بعد قتلها. يفعل كل هذا بدعم وغطاء امريكيين وفي ظل صمت وتفرج دولي وعربي.
اذن كيف لمثل هذا الاحتلال ان يطالب بالامن لجنوده ولقطعان مستوطنيه الذين ينتشرون في بلادنا كالوحوش الضالة والمفترسة , يفترسون الفلسطينيين اينما التقوهم ووجدوهم.
هؤلاء يفعلون ما يريدون ولا محاسب ولا رقيب يجرا على توجيه اصبع الاتهام لهم ولاتفاقية اوسلو التي منحتهم الوجود الشرعي المؤقت او الدائم والغير واضح المعالم لان كل سلام اوسلو غامض بشقه الفلسطيني.
حتى ان اليسار الاسرائيلي بدا يمل ويسئم من السياسة التي ستجعل من الضفة وغزة جنوب لبنان جديد, انما اخطر واكثر ايلاما وعنفا وعمقا, حيث ان السكين الفلسطيني في قلب المحتل وليس على اطرافه. وما تمرد ضباط وجنود الاحتياط الا الدليل القاطع على انقسام المجتمع الاسرائيلي في تعامله مع المستوطنين والاحتلال في الضفة وغزة. غدا ستعم التظاهرات الكيان المحتل مطالبة بوقف حمام الدم والقتل وستسير التظاهرات تحت شعار: "اوقفوا وانهوا الاحتلال, الاحتلال سيقتلنا جميعا". وما تصريحات شولميت الوني الاخيرة والتي جاء فيها: "حان الوقت لصحوة اليسار الاسرائيلي, اننا نرتكب اعمالا بربرية في المناطق الفلسطينية" وانضمام ممثلين عن حركة الضباط والجنود الممتنعين عن الخدمة في المناطق الفلسطينية المحتلة للتظاهرة سوى بداية لنهاية عهد شارون وبيريز السيئ.
الاسرائيليون من جانبهم بدئوا تحركهم الواسع والضروري لضمان وجودهم. وعلى الجهة
الاخرى, الشعب الفلسطيني مطالب اليوم بالضغط على قيادته واعادتها للسكة الفلسطينية الواحدة والجامعة, حيث يوجد قطار فلسطيني واحد يسير على سكك عديدة لكن باتجاه واحد, هو اتجاه فلسطين المستقلة فعلا؛ وفلسطين المحررة من الاستيطان والاحتلال؛ فلسطين بعاصمتها القدس وبعودة كافة لاجئيها مع الاخذ بالاعتبار التعويضات التي يتوجب على الاحتلال دفعها للاجئين عن الظلم والشتات والخسارة المعنوية والمادية والنفسية التي الحقها بهم وباهاليهم وذرياتهم منذ النكبة الكبرى عام 1948 وحتى هذه الساعة.