اضخم كنز من الكتب في اوروبا لا يزال مجانيا

موسكو - من اولغا صوبوليفسكايا
الكاتب الروسي الكسندر زولنتسين يتطلع لبعض اعماله في المكتبة

اذا وصلت الى هذه المكتبة بعد الساعة العاشرة صباحا فسيتعين عليك الوقوف في طابور طويل جدا امام غرفة الملابس, وبعدها ستنتظر وقتا طويلا ايضا للحصول على الكتب التي طلبتها, لكنك ستغفر هذه "العيوب" لانك تعرف بشكل اكيد انك ستجد ضالتك من اي طبعة كتاب تريدها.
فمنذ 10 سنوات اصبحت مكتبة الدولة السوفيتية السابقة التي كانت تحمل اسم لينين, تدعى مكتبة الدولة الروسية, الا انها ما زالت كما في السابق تحظى بشعبية كبيرة. فالى هناك في وسط موسكو في المبنى القريب من الكرملين يصل القراء من كل الاجناس, فهذه المكتبة تعدّ المكتبة الرئيسية في البلاد, والكنز الاضخم للكتب في اوروبا. وفيها تحفظ مدونات من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين, واول الكتب الروسية المطبوعة, ومطبوعات الكتاب الكلاسيكيين ومجموعات الكتب الواردة من الاشخاص.
تأسست المكتبة منذ 140 عاما في متحف نيكولاي روميانتسيف, والذي كان هاويا لجمع الكتب الروسية ومهتم بالعلوم والفنون بشكل عام, وقد تم تأسيسها اولا في الدار العريقة "باشكوف"، المبنى الرائع من القرن الثامن عشر الكلاسيكي النمط المشيد على الهضبة المقابلة للكرملين.
وضمت المكتبة عدة مجموعات خاصة ضخمة بما في ذلك لروميانتسيف, وفي القرن العشرين ومن بين عدد اخر من المجموعات كان هناك 6 آلاف مجلد ملك للامبراطورة الروسية الاخيرة الكسندرا فيودوروفنا.
فاذا كانت المكتبة لم تشهد في البداية زوارا كثرا, فان الوضع تغير في القرن الماضي. بعد الثورة الاشتراكية في عام 1917 اصبح التعليم العالي في روسيا متاحا للجميع والسعي للمعرفة ملك للعامة. وقد حصلت المكتبة التي اعتبرت الحافظة الرئيسية للكتب في البلاد على حق تسميتها باسم فلاديمير لينين وباصرار عملت على اغناء مجموعاتها , وزارها ملايين القراء.
ومن دار باشكوف التي اصبحت تضيق بالزوار انتقلت المكتبة الى مبنى عملاق بني خصيصا لهذه الغاية. ويشتمل هذا المبنى على مساحة هائلة من عدة طوابق، وتخدم المكتبة حاليا كل الروس الذين اتموا الثامنة عشر من عمرهم بغض النظر عن درجة تعليمهم وكما يشير مديرها العام فيكتور فيدوروف، الذي يؤكد ان "نظام القاعات كان وسيبقى على درجات" ويوضح بالقول بان هناك قاعات منفصلة للاكاديميين, ولاصحاب الشهادات والاخصائيين, واخيرا قاعة عامة للجمهور الواسع.
ومن البديهي ان المكتبة كانت دائما وستبقى مجانية كما يقول مديرها لان ذلك يعتبر "انجازا شعبيا عاما" لا يمكن التفريط فيه.
غير انه منذ 8 - 10 سنوات نسي القراء تقريبا هذا "الانجاز", وحينها في بداية عام 1990 فان هيبة الشهادات العالية فقدت لفترة وجيزة قوتها في المجتمع. ففي تلك الحقبة فان الغلبة كانت للقيم التجارية, والمهن كانت تقاس من خلال قدرتها على تحقيق الغنى السريع. والعلوم والثقافة لم يكونا قطاعين واعدين جدا في هذا الاطار.
اضافة الى ان الكثيرين اعتقدوا ان الانصراف لتحصيل الشهادات التعليمية العليا سيؤخر مسيرة الحصول على "الخيرات المادية" والفرص الضائعة.
ولكن نشوة الجذل سرعان ما ولت وهي ترافقت مع الانتقال الى علاقات السوق, فقد حل الموقف الحكيم واستقرت الاوضاع الاقتصادية وتبين ان المعرفة والتعليم الجيد له قيمة كما لم يكن في اي وقت من الاوقات. وفي المكتبة بدأت مجددا الصفوف الطويلة من القراء، حتى ان عددهم اصبح اكبر من السابق فالمكتبات الاخرى ولاسيما المخصصة للمعاهد التعليمية العالية عانت من النقص الكبير في سنوات عدم الاستقرار الاقتصادي حتى ان الكثير منها اغلق ابوابه بسبب النقص في التمويل لان هذا التمويل كان في ذلك الحين زهيدا بشكل كبير.
وبقيت مكتبة الدولة الروسية الاغنى في البلاد حيث امّها من سعى للحصول على كتاب سئم من البحث عنه في المكتبات وفي الاسواق وغيرها من المؤسسات المكتبية.
وفي السنوات الاخيرة, كما اشار فيدوروف لوحظ دعم من السلطات ومن اليونسكو, كانت المكتبة بحاجة ماسة اليه منذ زمن بعيد, ولا سيما بناء وترميم اجنحة جديدة, وايضا تحديث المعدات وانشاء الظروف المثالية لحفظ الكتب. وتم ادخال تكنولوجيا الكومبيوتر بشكل مكثف. وتم نقل العديد من الوثائق والمجموعات والكاتولوجات الى الحفظ الالكتروني وفتحت مواقع على الانترنت.
وجرى في المكتبة مجددا عقد لقاءات مع الكتاب وتم عقد مؤتمرات ومعارض. واعادت المكتبة لنفسها الاعتبار كاحد مراكز انعاش الحياة الثقافية في البلاد.
وبالطبع فان العديد من المشاكل ما زالت تنتظر الحل. والمشكلة الاكبر منها هي الرواتب المتدنية للعاملين فيها، لذلك بالذات فان الشباب الراغبين بالعمل في هذا القطاع ليسوا بكثيرين. بيد ان التفاؤل في محله بالكامل، فالجميع يتحدث عن ان الثقافة لن تكون بعيدة عن الاهتمام المالي للدولة وهذا يشير الى ان هذا القرن يعد بان يكون فترة ازدهار للكنز الرئيسي للكتب في روسيا.