إغواءات الفراشة الإلكترونية تجتذب محمد يوسف

بقلم: أحمد فضل شبلول

كمثل نجم ينحرف عن مداره، ليدخل مدارا أوسع، انحرف الشاعر محمد يوسف عن مداره الأدبي البحت، ليدخل مدار أدب التكنولوجيا الأوسع، وليجوب قصيدة الخيال العلمي، وليبدل أصدقاءه وشعراءه المفضلين ـ أو الذين كانوا مفضلين ـ من أمثال: صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وبدر شاكر السياب وخليفة الوقيان وحسن فتح الباب، ليصبح أصدقاؤه الجدد: بيل غيتس وإيان ويلموت وريتشارد سيد وستيفن سبيلبيرغ وإينشتين وماندل وأحمد مستجير وأيضا النعجة دوللي، وغيرهم، فيذكرهم كثيرا في قصائد ديوانه الجديد "إغواءات الفراشة الإلكترونية". يقول على سبيل المثال:
ديناصور العصر الجوراسي
يسأل عن رجلين:
ـ ماندل
ـ وستيفن سبيلبيرج
ويطالب بنصيب في
إحدى حلقات الـ talk show
بحضور إيان ويلموت i.w
وكذلك دوللي
ولعل هذه الأسماء هي التي أغوت فراشة الشاعر الإلكترونية لتنجذب إليها، وتحترق بالقرب من أضوائها العلمية المبهرة، ولعل الفراشة هي الشاعر نفسه الذي بدأ يحترق على الصعيد الإنساني ـ كعربي ـ بالتقدم العلمي المبهر، الذي لم يكن للعرب والمسلمين ـ للأسف ـ أدنى يد فيه، ولعل العربي الوحيد الذي يذكره الشاعر، أو بمعنى أصح يصادقه الشاعر، وسط هذه الكوكبة من علماء الغرب، هو العالم المصري الشاعر والأديب د. أحمد مستجير ـ عالم النباتات، ولعل فضل مستجير يكمن في ترجماته المختلفة لكتب علوم الهندسة الوراثية الحديثة. وفي هذا يقول محمد يوسف في كتابه الصغير "التربية الحديثة والخيال العلمي ـ رؤية مستقبلية" ص 54: "كتابات أحمد مستجير أخذت منحى جديدا بتركيزها على القضايا الساخنة والمثيرة للجدل على امتداد جغرافية القرية الإلكترونية من جميع الزوايا الإيكولوجية والسوسيولوجية والتكنوـ علمية والسيكلوجية فضلا عن رصدها للمستحدثات والمستجدات في مجالات البيوتكنولوجيا والإلكترو-جينات".
ما بين كتاب التربية الحديثة والخيال العلمي، وديوان إغواءات الفراشة الإلكترونية، يقدم لنا محمد يوسف نفسه واحدا من الأدباء العرب الذين يحاولون تأسيس ما يسمى بأدب التكنولوجيا، فهو إذا كان يقدم لنا في الكتاب الأول مجموعة مقالات قصيرة عن الثلاثية الإلكترونية: طفرة المعلوماتية في الفضاء الإلكتروني، وديناميكية المعلوماتية، وثورة الهندسة الوراثية، من خلال أربع بوصلات، وثلاثة حواريات من حواريات السيرك والروبوت الذكي، ومن خلال عصر الكوكتيل التكنولوجي والفضاء الإلكتروني، وهو ما يذكرني بكتاب ميتشيو كاكو "رؤى مستقبلية ـ كيف سيغير العلم حياتنا في القرن الواحد والعشرين، بثوراته الثلاث: ثورة الكمبيوتر، والثورة البيوجزيئية، وثورة الكم (الكوانتم)، فإنه في ديوانه "إغواءات الفراشة الإلكترونية" يقدم الرؤية الشعرية لما ذهب إليه في مقالاته النظرية بالكتاب، كما يقوم بأنسنة التكنولوجيا (أي إضفاء البعد الإنساني عليها) وهو يعتقد أن هذا أمر في غاية الحيوية حتى لا يقع الإنسان رهينة لما أوجده في كائنات بيوإلكترونية.
بطبيعة الحال يقدم الشاعر معجما شعريا تنتمي معظم مفرداته للألفاظ العلمية، وألفاظ الحضارة، بل إنه يستخدم أحيانا ألفاظا أجنبية ـ إنجليزية برسمها ونطقها، كما رأينا في المثال السابق، وقد ساعد تحرر الشاعر النهائي من الأوزان والقوافي، على انطلاقه في صولات وجولات شعرعلمية ـ إن صحت التسمية ـ قوامها ما يسمى بقصيدة النثر، ولكنها مقبولة في هذا الإطار الأدبعلمي ـ إن صح التعبير ـ. وعموما فإن قصائد الفراشة الإلكترونية تحتاج إلى ناقد أدبي على اطلاع واسع بمنجزات العلم وثوراته المتتالية، ليضع هذا الديوان في مكانه الصحيح على خريطة الشعر العربي المعاصر.
وأرى أن محمد يوسف يقدم قصيدة خيال علمي، إلى جانب رؤيته الشعرعلمية لما هو كائن بالفعل. يقول:
الفراشة الإلكترونية
تطير في ذاكرة الرجل الممسوس
بـ«عصر العولمة»
وهو يضغط على فأرة الكمبيوتر
فيرى الفراشة في اكتمال ألوانها
على الشاشة
ـ كيف خرجتِ من ذاكرتي
هكذا.. هكذا
في دفعة واحدة؟
تضحك الفراشة الإلكترونية
حتى تستفز الرجل الممسوس
بـ«عصر العولمة»
فيخبط رأسه في الحائط
بينما الفراشة الإلكترونية
تغادر شاشة الكمبيوتر
ثم تفرد جناحيها
وتقفز إلى الشارع
السؤال المهم الآن ترى لمن يكتب محمد يوسف هذا النوع من الشعر، لنفسه، أم للعلماء، أم للأدباء، أم لمتذوقي الشعر، أم للمثقفين ثقافة علمأدبية؟
أعتقد أن الإجابة هي أن يوسف يكتب همومه ـ كإنسان ـ أولا تجاه عصره الذي ينحي منحىً علميا، مبتعدا عن الأدب البحت، وثانيا هو للمثقفين ثقافة علمأدبية؟ فهذه الفئة هي الوحيدة القادرة على تقدير ما يكتبه الشاعر، خاصة بعد أن أثبت لنا نظريا رؤاه العلمية من خلال كتابه المستقبلي "التربية الحديثة والخيال العلمي".