سباسكي، ملك الشطرنج، لا يلعب الشطرنج!

موسكو - من فاليري اسريان
لقاء سباسكي مع المجرية بولجار، اصغر استاذة دولية، في مباراة استعراضية

كانت مدينة سانت بطرسبورغ، العاصمة الشمالية لروسيا، تدعى من زمن ليس بعيد عاصمة الشطرنج الروسية التي قدمت للعالم عددا غير قليل من اللاعبين العظماء. فمن هنا بالتحديد بدأ حياته المهنية البطل السادس للعالم ميخائيل بوتفينيك. وقبل 65 سنة اي في 30 كانون الثاني عام 1937 ولد في لينينغراد، وهو الاسم القديم للمدينة في العهد السوفييتي، بوريس سباسكي الذي دخل في تاريخ الشطرنج بوصفه "الملك" العاشر لهذه اللعبة الجميلة والقديمة جدا.
تعلم سباسكي لعب الشطرنج وهو في الخامسة من عمره، وفي سن الـ 16 اصبح استاذا دوليا في اللعبة وحاز بعد سنتين من ذلك على لقب بطل العالم بين الشباب.
وفي هذه السنة وخلال لعبه للمرة الاولى في نهائيات بطولة الاتحاد السوفييتي التي جمعت ابطالا اشداء تقاسم اللاعب اللينينغرادي ابن الـ 18 سنة المركز الثالث ضمن مجموعة قديرة ضمت بطل العالم ميخائيل بوتفينيك وتيغران بتروسيان الذي حمل هذا اللقب فيما بعد. وقدم له هذا النجاح "تأشيرة مرور" الى المباريات الدولية في امستردام عندما كان عمره 19 سنة، ولم يتمكن احد في هذا العمر قبله ان يشارك في هذه المباريات. وفيما بعد تمكن من الوصول الى هذا الرقم القياسي روبرت فيشر فقط.
ويجري اللاعب اللينينغرادي المباراة الصعبة بشكل ممتاز. ولقد تم تقييم نتيجته - تقاسم المركز الثالث والسابع مع لاعبين كبار - من جانب الخبراء على انها نتيجة ممتازة وشهادة على ان هذا اللاعب الشاب بامكانه ان يحصل في وقت قريب على الحق باللعب في مباريات البطولة العالمية.
الا ان ساحة الشطرنج في ذلك الوقت شهدت ولادة نجم جديد آخر للعبة هو ميخائيل تال. وكان تال وهو من اتراب سباسكي قد "تأخر" قليلا باحراز النجاح في البداية ولكن النجاح واتاه فيما بعد وحتى قبل ان يواتي سباسكي.
ولكن القفزة الخيالية التي حققها تال ناحية جبل الاوليمب في النصف الثاني من سنوات الخمسينات اخذت سباسكي وغيره من المرشحين الشباب الى تاج الشطرنج على حين غرة. فتال بالذات كان من اخرج سباسكي من دورة المرشحين التالية. ففي بطولة الاتحاد السوفييتي في عام 1958 التي كان يجب بنتيجتها تحديد المرشحين الى المباريات في المناطق تمخضت القرعة عن مباراة نهائية بين سباسكي وتال.
وتمكن سباسكي بسرعة من تعديل ميزان القوى ورفض نتيجة التعادل التي عرضها تال. وكان يبدو في هذا الوضع القائم انه سينتصر الا ان تال يأخذ المبادرة في يده ويهزمه. ويصبح الاخير بطل الاتحاد السوفييتي، اما سباسكي فيشغل المركز الخامس ويحرم من اللعب في مباريات بطولة العالم.
ويتكرر الشيء نفسه بعد 3 سنوات في تصفيات بطولة الاتحاد السوفييتي. ومن جديد تخون سباسكي اعصابه في المباراة الحاسمة مع "النجم" السوفييتي الجديد ليونيد شتاين فيخسر امامه. ويصبح واضحا ان اللاعب اللينينغرادي يحتاج الى عمليات تدريب نفسية.
ويساعد سباسكي على تحقيقها المدرب السوفييتي الرائع ايغور بونداريفسكي. فقد تسلم قيادة اللاعب اللينينغرادي وساعده على تجاوز الازمة التي طال امدها. وهكذا عاد خط اللعب الناجح لدى سباسكي بالصعود الى اعلى. ففاز ببطولة الاتحاد السوفييتي للعام 1961. وبعد سنتين من ذلك يجتاز بنجاح مباريات التصفية بين اقوى اللاعبين في البلاد مع انه يبدأها "بصفرين" ويشغل بشكل واثق المرتبة الاولى ويحصل على حق المشاركة في مباريات المناطق.
وفي مباريات امستردام يلعب سباسكي بقوة وبشكل سوي. ويتقاسم المركزين الاول والرابع مع ابطال العالم السابقين ميخائيل تال وفاسيلي سميسلوف والدانمركي بينت لارسن. وتبدأ المباريات النهائية. ويقدر لسباسكي في جولتها الاولى مقابلة منافس خطير هو الاستوني الخبير باول كيريس. ويتقرر كل شيء في الجولة الاخيرة. ويفوز فيها سباسكي بنتيجة 6 الى 4. وفي المباراة النصف النهائية لا يدع سباسكي ليفيم هيللر اية فرصة للفوز 5،5 : 2،5 ويخرج الى المباراة النهائية حيث ينتظره لقاء مع تال. الا ان المباراة الحادة المتوقعة لم تحصل. فبخسارته للجولة الثانية تمكن سباسكي من الفوز في الثالثة ومن ثم في الثلاث التاليات. وبنتيجة هذه المباراة الثأرية 6،5 : 3،5 بدأ العالم يتحضر للمباراة النهائية على كأس بطولة العالم بين الفائزين في هذه الدورة: تيغران بتروسيان وايغور سباسكي.
وجرت هذه المباراة في عام 1961. وكان تفوق سباسكي فيها ملحوظا وذلك اما بسبب النجاحات التي حققها في المباريات التحضيرية او تعليقات الخبراء التي ادارت رأسه واما بسبب تمكنه من وضع خطة صحيحة لمواجهة بتروسيان الذي يعتمد في لعبه على دقة الحدس في المواقف وعلى مهارته الرائعة في الدفاع.
فيما بعد قال سباسكي متذكرا: "ان بتروسيان كان يمنعني بكل بساطة من اجتياح مواقعه". وبعد الجولات الـ 12 الاوائل خسر اللاعب اللينينغرادي نقطتين مع ان العجز في النقاط كان ممكنا ان يكون اكبر. وبصعوبة شديدة تمكن سباسكي من تعديل النتيجة - 9،5 : 9،5. الا ان النهاية كانت في صالح بتروسيان الذي فاز بنتيجة 12،5 : 11،5.
كان عمر سباسكي في ذلك الوقت 29 سنة. وتقبل خسارته بشكل فلسفي ممازحا الصحافيين بقوله "ان اي عمل جدي لا يمكن ايلاءه لشخص لم يتعد بعد عمر الـ 30". واتم سباسكي عمر الثلاثين في السنة التالية وهذا يعني انه قد اصبح جاهزا من جديد لممارسة "عمل جدي"، وكان عازما على الحصول على حق مواجهة بتروسيان في مباراة اخرى.
ويجتاز سباسكي الدورة التالية بنفس الثقة كما في السابق. ويحل العام 1969 - موعد المباراة التالية على بطولة العالم مع بتروسيان. وكانت بدايتها غير مشجعة بالنسبة لسباسكي فهو خسر الجولة الاولى. الا انه سرعان ما ثاب الى رشده وحقق في نهاية الجولة الثامنة نتيجة 5 : 3. فهل انجز ما كان عليه انجازه ؟ لا، اذ ان القدر كان يحضر لسباسكي اختبارا جديدا آخر في مجال الصمود. فبتروسيان يتمكن من معادلة النتيجة بفوزه في جولتين متتاليتين - العاشرة والحادية عشرة. وكان قريبا من الفوز في الجولة الثانية عشرة ايضا ولكنه يتراجع. ويستلم سباسكي المبادرة من جديد ولا يتركها حتى نهاية الجولة وهي تمنحه الفوز بنتيجة 12،5 : 10،5 ومعه لقب بطل العالم.
بقي سباسكي بطلا للعالم لمدة قصيرة، وهي ثلاثة سنوات فقط، اذ انه خسر في عام 1972 امام الاميركي روبرت فيشر بنتيجة 8،5 : 12،5. ولكنه بقي مع ذلك طيلة 10 - 15 سنة في عداد اللاعبين الاقوياء في العالم وشارك في مباريات الترشيح وحقق فوزا في الدورات الدولية الضخمة.
اما اليوم فان سباسكي نادرا ما يلعب الشطرنج، ويعيش في فرنسا حيث انتقل في عام 1976 بعد ان تزوج من امرأة فرنسية من اصل روسي. وكان سباسكي قد غادر الاتحاد السوفييتي في سنة واحدة مع كورتشني ولكنه لم يصبح معارضا سياسيا للبلاد التي ربته وحافظ على اخلاصه لها وعلى جنسيته السوفييتية في الوقت نفسه. حتى انه رئس منتخب الاتحاد السوفييتي في اولمبياد الشطرنج الدولي في عام 1978. ولدى سباسكي حتى الآن الكثير من المناصرين في بلده روسيا. اما مبارياته فلا تزال تشكل قاعدة قيمة بالنسبة للاعبي الشطرنج من الشباب الجدد، وكل من يدرس خطط الافتتاحيات في الشطرنج لابد وان يعلم طريقة لعب سباسكي.