نهاية العالم في فلسطين

بقلم: ليندون لاروش

على شخص ما أن يخرج من بين الجموع لكي يوضع حد لهذا الرعب المحتدم في الشرق الأوسط. في اللحظة الراهنة تشكل الجهود الإسرائيلية الرامية إلى استئصال الفلسطينيين صاعقا يفجر حربا دينية وعرقية محتملة ومستمرة تشمل العالم كله. ولن تكون أية أمة أو أي شخص في مأمن من هذه الحرب.
ولأسباب عديدة فإنني قد اختار في اللحظة الراهنة لأقول علنا وأمام الجميع ما ينبغي أن يقال بصوت عال وبوضوح إذا كان المطلوب منع ارتكاب جريمة ضد الإنسانية، بخلاف ما حصل من قبل عندما لم يتم إيقاف الجريمة المشابهة المتمثلة بغيتو وارشو (الحي اليهودي في العاصمة البولندية).
إن العمليات التي تنفذها قوات الدفاع الإسرائيلية في أراضي السلطة الفلسطينية هي أحسن نسخة يمكن للتاريخ إيجادها للعمليات النازية التي نفذت في المدة بين 19 نيسان/أبريل و 16 ايار/مايو عام 1943 ضد الحي اليهودي في وارشو. فالحقائق الدالة على ذلك واضحة جدا. الشيء الوحيد الذي لم يحسم لحد الآن كان مسألة وجود إثباتات مادية صلبة أم لا على حقيقة أن المسؤولين الإسرائيليين المعنيين كانوا على وعي تام بالتشابه الرهيب بين أفعالهم الحالية والأحداث التي تم وصفها في الوثائق الشهيرة التي تم تقديمها في محكمة نورنبيرغ (لجرائم النازيين) المعروفة باسم "تقرير ستروب “Stroop Report.
حسب الوثائق المشار إليها هنا، فإن تقرير ستروب كان في الأصل قد تم تأليفه من قبل جنرال الشرطة النازي ستروب الذي كان قائدا عاما للعمليات ضد غيتو وارشو. وحسب الوثيقة المقدمة كان التقرير الأصلي تقريرا في 75 صفحة يسجل العمليات يوما بيوم وتم تقديم هذا السجل لهاينريش هيملر. وقد عرض هذا التقرير لأول مرة من قبل القاضي الأمريكي روبرت جاكسون. كان عنوان التقرير "لا يوجد شيء اسمه غيتو وارشو بعد الآن". وبالإمكان مطالعة النص الخاص بالتقرير الذي أشير إليه في مكتبة مازيل والتقرير التاريخي للهولوكوست الموجود في موقع الانترنت www.holocaust-history.org/works/stroop-report
إن الرابط بين هذه الأفعال والنيات وراءها قد اتضح لي من خلال تقرير صدر بعنوان "على أبواب ياسرغراد" كتبه أمير أورين في الطبعة الإنجليزية للصحيفة الإسرائيلية هاآرتس الصادرة يوم 25 و27 كانون الثاني/يناير. يتضح من أدلة أخرى تؤكد صحة النقطة الأساسية في تقرير هاآرتس هذا أن ليس هنالك من شك في أن الأفعال الحالية التي ترتكبها قيادة قوات الدفاع الإسرائيلية تعبر عن نية هؤلاء المسؤولين في استخدام المناطق الفلسطينية من أجل تكرار التأثيرات المشابهة بشكل أساسي لعمليات الإبادة التي ارتكبت بين 19 نيسان/أبريل و 16 ايار/مايو 1943 ضد غيتو وارشو. الشيء الوحيد الذي تغير هنا هو فقط أسماء الضحايا.
إن تقرير صحيفة هاآرتس على درجة قصوى من الأهمية بحد ذاته. فهو يعكس تعبيرا متناميا عن رعب يشعر به كل إسرائيلي عاقل من أي حزب كان إزاء إمكانية استمرار إسرائيل في ارتكاب جرائم مثل تلك التي يتم ارتكابها تحت مظلة حكومة أريل شارون. فرغما عن أنف شارون والقيادة الحالية للجيش الإسرائيلي يبدو أن التراث اليهودي لم يمت بعد في إسرائيل نفسها.
في هذه الحالة يكون من غير الأخلاقي انتهاج سبل محافظة مثل اتباع ممارسة النميمة العامة الأميركية المعتادة التي تتخذ محاولات تشدقها المقززة بالأخلاق شكل تداول سري للإشاعة التي تقول أن الجيش الإسرائيلي قد عبر عن مثل هذه النية. على شخص ما أن يقف ويتكلم بوضوح بالأصالة عن نفسه ويقول "إنني أتَّهِم!" ويشير بإصبعه إلى الجريمة وإلى الإجرام المعني. يظهر لحد الآن أن الحكومة الأمريكية الحالية لن تقوم بذلك. ويظهر أيضا أن أيا من المتحدثين الرسميين باسم أي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لن يقول "أنا أتَّهِم".
لذلك علي أنا أن أتولى تلك المهمة.

عن الخلفيات
علينا أن نكون واضحين في هذه القضية. إن جوهر نية هذه الدوائر في الجيش الإسرائيلي لارتكاب جريمة كهذه ضد الإنسانية هي ليست ظاهرة إسرائيلية بحد ذاتها. فعلينا أن ندرك أن أكثر الدوائر العسكرية والستراتيجية الطوباوية جنونا في داخل الولايات المتحدة مثل أولئك الذين يشاركون زبيجنيو بريجينسكي الرأي وصامويل هنتنجتون هم في واقع الأمر فاشيون عالميون علنا. وقد أسس هؤلاء مفاهيمهم حول السياسة العسكرية وشؤونها بشكل مباشر على نموذج الشرطة العسكرية للحزب النازي Waffen-SS.
لكن مع ذلك علينا أن لا نضع اللوم على الشرطة العسكرية النازية المنحلة التي لا يخشى منها الآن. كما سبق وذكرت من قبل، فإن كل أنواع الفاشية الحديثة وتأثيرها في صياغة السياسات العسكرية قد تم تأسيسها بناء على نموذج خصائص نظام الإمبراطور نابليون بونابارت وابن أخيه. وكما وثقت لهذه النقطة في مقالات سابقة، فإن النموذج الأصلي للفاشية يوجد بالضبط في الموقع الذي أشار إليه نابليون ومقلدوه بينيتو موسوليني وأدولف هتلر، ألا وهو تراث قياصرة روما وألوية الجيوش الرومانية.
إن الحرس القيصري الروماني والشرطة العسكرية النازية هما جوهر عقيدة هنتنجتون الشنيعة التي يمكن تسميتها بالاسم التقني الدقيق "الفاشية العالمية".
يجب أن لا تكون هناك أية ميوعة في تعريفنا للفاشية. هنالك طبعا أصداء لنفس هذا التراث العسكري الإمبريالي الروماني في محاكم التفتيش الإسبانية وبضمنها إزالة اليهود من إسبانيا التي كانت سابقة نموذجية لغيتو وارشو وأيضا العمليات المشابهة التي ترتكب حاليا بحق الفلسطينيين. لكن مع ذلك، فإن النازية المعاصرة لنابليون وموسوليني وصديق موسوليني فلاديمير جابوتينسكي وادولف هتلر والدوائر المحيطة بمؤسسة سميث ـ ريتشاردسون ومن يشاطرونها الرأي والمتملقين لها هي نوعية متميزة من الظواهر. إن أهم تعبير لهم في الولايات المتحدة يمكن إيجاده في الدوائر المرتبطة بالعقائد العسكرية والاستراتيجية "الرومان ـ طيقية" وفي أوساط حلفاء بريجينسكي وهنتنجتون وجماعة ناشفيل أجراريانز للبروفيسور الراحل وليام ياندل إليوت.
صحيح أن تصرفات الجيش الإسرائيلي تعكس موروثا فاشيا يهوديا مثل تراث فلاديمير جابوتينسكي، لكن مع ذلك فإن هذه المورث ما كان ليصل إلى درجة العمليات العسكرية التي نشهدها اليوم ما لم يكن هؤلاء الإسرائيليون ومن مشى معهم مسيرين ومستغلين من قبل جهات قوية جدا ذات توجهات طوباوية مثل العقائد الفاشية الدوغمائية لبريجينسكي وهنتنجتون ضمن الأميركتين وأوروبا. فالشرق الأوسط يتم استخدامه كصاعق لحرب دينية وطائفية عالمية، لكن القنبلة التي يرتبط بها هذا الصاعق تقبع بشكل رئيسي في داخل المجال الأنجلو ـ أمريكي نفسه. فإذا تم تنظيف عشنا القذر في العالم المتحدث بالإنجليزية فإن الخطر الآتي من الشرق الأوسط سيمكن احتوائه.
أما إذا انفجر هذا الصاعق بالشكل الذي يهدد به الآن، خاصة وأن العالم كله اليوم يواجه الفصل النهائي والأخير للانهيار النقدي والمالي، فإنك أيها الجالس في الولايات المتحدة لن تكون لك أية فرصة حتى في التمني بأن تجتاز هذه الأزمة بسلام.
شاركوا معي! أوقفوا هذا الرعب الذي تنشره حكومة شارون طالما أن هنالك فرصة لاتقائه. واجهوا العالم بالأدلة الواضحة حول النوايا البشعة الكامنة وراء جرائم حكومة ارييل شارون. ملاحظة: يستخدم لاروش كلمة Goetterdaemmerung الألمانية المترجمة هنا "نهاية العالم". أصل هذه الكلمة يأتي من الأساطير الشمالية "الآرية" وتشير إلى نهاية العالم بعد معركة شبيهة بالمعركة بين التيتان العمالقة والآلهة الأولمبيين المذكورة في الأساطير اليونانية وتنتهي بسقوط الآلهة ونهاية العالم. كما أن هذا الكلمة هي عنوان إحدى أعمال الأوبرا المشهورة لريتشارد فاجنر المؤلف الموسيقي الألماني المفضل لدى النازيين وهتلر. يمكن الاطلاع على مقالات ليندون لاروش الاخرى في مجلة
Executive Intelligence Review
www.larouchepub.com
www.nysol.se/arabic
Tel: 0046-8-983010 (Sweden)
Fax: 0046-8-983090