الوان عبدالكريم سعدون الحادة، تغطي الالم وتتحدث عن السعادة

بغداد - من نرمين المفتي
لوحات عبد الكريم سعدون، او نصوصه، تنطق بشاعرية شفافة

منذ الوهلة الاولى، يترك عبد الكريم سعدون، في معرضه الشخصي الاخير- قاعة اكد، للمتلقي ان يشرح لوحاته او نصوصه كما يريد. يترك له الحرية ان يشعر بها منطلقا من ذاته. اذ لم يضع عنوانا للمعرض. فالعنوان يحدد الفنان والمتلقي في آن.
وعبد الكريم لم يقم معرضا شخصيا منذ 1992، وان كانت له مشاركات في معارض جماعية ومعروضات دائمة في قاعات بغداد وعمان. واعماله الاخيرة ليست، فقط، بلا عنوان محدد، بل ومختلفة الاسلوب واللون عما كانا عليه قبل سنوات عشر. واذ اصبحت الوانه حادة وصريحة فان مكونات لوحاته أُختزلت في رأس يتكرر وباصرار. وغالبا ما يغلق فمه بكوفية او بيد مخافة ان يتكلم او يبتسم، لا فرق.
اقول له بان المتابع لأعماله سيشعر بهذا الاختلاف.
يقول: صحيح. كان اسلوبي مختلفا. فقد كان الكائن كاملا واللون متسطحا. الآن، أُختزل الجسد وتركزت العلامات وتكثفت اكثر. وتغيرت الواني اذ اخذت الاتساق الكامل. واقصد نسق اللون والشكل والخط. كلها عملت بشكل كامل ومتكافئ. فضلا عن الموضوع الذي استقر الآن.
* استقر. بأي معنى؟
- في اعمالي السابقة، كانت الفكرة واضحة جدا. في معرضي هذا، افادني اللون للتورية وكشعار للمعنى. واخذ العمل يتحمل اكثر من معناه، ومن ثم ليتمكن المتلقي من تأويله حسب مرجعياته الثقافية.
* اذن، كنت ترسم لنفسك اذ كنت تحدد المعنى؟
- بالضبط، خاصة وكنت ارسم الجسد كاملا. والجسد يلغي التأويل. الان اعتقد ان المتلقي يقرأ العمل. وتتعدد القراءات حسب المتلقي، على اعتبار اللوحات نصوصا.
وقراءتي الخاصة للوحات تشير الى ان هذا الرأس المتكرر هو رأسي. حتى وان رسمته، أحيانا، كثقب مفتاح في قفل.
بدأت الاختزال قبل فترة من المعرض لأصل الى هذه النتيجة. الرأس مفتاح الجسد، وهو رأسي ورأسك ورأس الآخر المحاصر بالضغوط، الحالم بفسحة من الامل والحامل لكل احلامنا وآلامنا. والسؤال كيف نحافظ عليه؟ صعب على الفنان ان يواجه المتلقي بما يواجهه من مصاعب، بل يعطيه مؤشرات ليستفز به القادم ان كان حلما او هدفا او دقيقة راحة. لذلك لم اضع عنوانا لمعرضي او للوحاتي فالعنوان يحصر المتلقي بفكرة واحدة ويلغي بالتالي متعة المشاهدة والاستفزاز.
* الاستفزاز حرفتك حين كنت احد فرسان الكاريكاتير العراقيين، وحقيقة افتقد عبد الكريم رسام الكاريكاتير. وفي رأيي الكاريكاتير يستفز اكثر من التشكيل.
- صحيح. نستطيع ان نقول ان الكاريكاتير احد فنون الصحافة المهمة ويحتاج الى استقلالية يعطي رأيه بغض النظر ان كان ملائما لمواد الصحيفة او لا. لذلك نجد ان الكاريكاتير مهمش. والمطلوب من رسام الكاريكاتير ان يكون واعيا لأن الكاريكاتير يتحمل التأويل وان يشير الى قضية. وبسبب الظروف المعيشية التي اوجدها الحصار اللئيم انزوى اهم رسامي الكاريكاتير وهم غير محترفين فهم اما رسامين او نحاتين. وحتى الشباب منهم انزووا باتجاه آخر واشير الى اثنين من الشباب المتميزين وهما احمد الربيعي الذي اتجه الى تصميم الاعلانات الضوئية وبرهان المفتي الذي عاد الى عمله الهندسي. وسبب آخر هو ان الكاريكاتير فن المبالغة مثلا ان يبالغ في رسم ملامح الوجه لانه ليس فكرة فقط. علما ان الكاريكاتير في العراق نضج تماما وابتعد عن المدرسة المصرية التي هي نكتة فقط مع رسم توضيحي. ومع ذلك نحتاج الى زمن لنفهم المتلقي بانه عمل فني متكامل فيه الخط واللون والشكل والتكوين والفكرة.
* وهل ستعود يوما اليه؟
- اعترف بانه الوسيلة الاكثر تأثيرا، لكنني اجدني ان وسيلة تعبير اخرى سيطرت عليّ.
* نعود الى المعرض الذي ارى في لوحاته رموز من الريف وانت ابن المدينة بغداد!
- لا توجد عندنا مدينة متكاملة. لننظر الى بغداد فالهجرة من الريف واسعة والامور التي نقلتها الى المدينة بقيت كما هي، مثل الملابس والعادات كجزء من التمسك بالهوية. وان غيرها الريفي المهاجر فانها تبقى في الذاكرة.
* على ذكر الذاكرة، لديك رموز سومرية ،ايضا، وهذه الرموز قد نجدها في معظم الاعمال العراقية بشكل او بآخر، هل هي بعض الذاكرة الجمعية؟
- هي كذلك او قد تكون تأثيرات دراسة. ان جزءا كبيرا من سماتنا قديمة وموروثنا الشعبي يتصل بسومر. نعم الكثير من الرموز المستخدمة مستعارة من الفن السومري. مثل المثلث المقلوب وبنقطتين والذي يرمز سومريا الى الثور وكان الثور رمز القوة عندهم. استخدمته لان الفكرة الاساسية في لوحاتي العلاقة بين الرجل والمرأة. فالعالم كله علاقة بين رجل وامرأة، المسافة بينهما واحلامهما المؤجلة وحزنهما وفرحهما وكل اشياءهما المشتركة. وحين اقيم علاقة بين رجل وامرأة في اللوحة ، يجب ان أستخدم رموزا تشير الى العلاقة. فالثور علاقة جنس واطفال. ويجب ان اشير الى البيت واستخدمت رمزا من الموروث الشعبي وهو تعويذة لمصدر الرزق. اكيد ان الرسم يملك هوية محلية. وقد يقرأ المتلقي الاجنبي بشكل آخر. فقد سألني احدهم عن المثلث وشرحت له معناه السومري واستوعب العمل وكان قد شرحها بشكل آخر فالمثلث عندهم علامة للصيادين. ان لغة الفن واحدة مع اختلاف المرجعيات الثقافية.
* على مدى سنوات الحصار اللئيم، كيف تصف لي التغييرات التي اثرت عليك لتصبح الوانك بكل هذه الحدة؟
- تشكل العائلة مجتمعا مصغرا. والتغييرات في بيتي وبيوت الآخرين هي نفسها احلام وضغوطات. ليست الواني فقط تغيرت بل ان النقلة في معرضي هذا انني رسمت بطريقة الاطفال. والحقيقة انه ليس من السهولة ان نرسم بطريقة الاطفال. في معرضي تأثيرات من عالم الطفولة. ان صغاري يقلدونني في الرسم، لكن مع حرية في الخط واللون. وليس من السهل ان يمتلك الفنان خبرة متراكمة في الرسم الذي يعمل بنظام خاص. لقد افادتني رسوم صغاري. تغير الشكل عندي والحرية في اللون مستعارة من حرية صغاري. سأكون قد نجحت فعلا ان كنت قد توصلت الى هذا الاسلوب اقصد الطريقة التي يرسم بها الطفل. ورغم عملي في مجلتي الخاصة بالاطفال لم اتوصل الى عالمهم. الان ادعي بأنني وصلت الى طريقتهم في الرسم.
* اعود الى السؤال عن سبب اللون الحاد؟
- حتى اغطي على الالم واتحدث عن السعادة. صارت الواني اكثر صراحة واستخدمته من الانبوب مباشرة. بينما النظام الصارم للرسم ينص على لون مصنوع من العجن وليس من الانبوب مباشرة.
* والتصميم الذي تحترفه هل اثر على عملك الفني؟
- انا متخصص بالتصميم الذي اصبح فنا سواء في الصحافة او التجارة على ايدي مجموعة من الشباب الدارسين الذين غيروا شكل التصميم ليصبح فنا باسلوب علمي. وللتخلص من سمة كوني مصمما لم استخدم مساحات مسطحة التي استخدمها في التصميم للحروف والكتابات الاعلانية. لكنني استفدت من الوان التصميم. اشراقة اللون مثلا. الاستفادة موجودة اثناء الفكرة واللون ومعالجتهما، مع بعض الاختلاف. ففي التصميم يجب ان تكون الفكرة واضحة وبارزة لذلك لا يتحمل اضافات بينما اللوحة تحتاج الى علامات مساندة للعلامة الرئيسية لتبرز.
* في "تضادات النص وبنية الخيال الاسطوري، قراءة تمهيدية لرسوم عبد الكريم سعدون" يقول الناقد عادل كامل بأن رسوماتك هي امتداد لرسومات سابقة ولكنها تمسك بأبدية الدهشة. قد يكون الامتداد هو لمعنى نص اللوحة وليس الاسلوب؟
- يقصد عادل كامل بان اسلوب المعرض يحتفظ بعراقيته التي تنبع من اجواء اللوحة ومن الألوان الحارة فضلا عن الرموز التي تحدثنا عنها.
وقبل ان اغادر القاعة وعبد الكريم، اعود الى الرأس المتكرر في اللوحات متسائلا، حالما، مبتسما او ساكتا فانه ومن خلال اللون يتوجه الى الآخر واحيانا هناك اطفال. ان لوحات عبد الكريم او نصوصه تنطق بشاعرية شفافة. واعتقد بانه وجد، اخيرا، الاسلوب الاكثر تعبيرا عنه ذاتا وفنا.