آنا ليند، الضمير الحي

بقلم: نضال حمد

هل ستكون آنا ليند، وزيرة الخارجية السويدية، اول من يقرع خزان الصمت الدولي واول من يوقظ اوروبا النائمة ومن خلفها العرب العائمة في بحور من الظلام والصمت الرهيبين؟
هل ستدخل هذه المرأة الجريئة كتاب التاريخ الجديد في عالمنا المستجد بعد احداث الثلاثاء العصيبة في سبتمبر من العام الماضي؟
آنا ليند قالت ببساطة ما عجز عن قوله الملوك والرؤساء والزعماء في عالمنا المستظل بمظلة امريكا السوداء وسياستها العمياء.
قالت لعديم الوعي أنه عديم الوعي ولا يفقه من علم السياسة سوى الحماقة.
والسيد بوش، عديم الوعي والتجربة والأسلوب والارادة والمنتقص الموهبة السياسية والحنكة, يحتاج لدورة علوم سياسية وعلاقات عامة ودبلوماسية حتى يتمكن من التعامل مع الأمور المحلية والعالمية وحتى يجنب العالم حروبا جديدة هو بالأصل في غنى عنها وبحاجة ماسة الى إنهاء الموجود منها.
عندما تقول الوزيرة الشجاعة والجريئة في اجتماع وزراء الخارجية الاوروبيين وللإذاعة السويدية من بروكسل عاصمة الاتحاد الاوروبي أنها تعتبر تصريحات واشنطن عن ياسر عرفات "حمقاء وتفتقر الى الموضوعية, وتعتبرها سياسة خطيرة جدا من شأنها فقط مكافأة عنف شارون في الشرق الأوسط "، فان هذا يدل على أن الكيل قد طفح وأن السكوت على سياسة شارون الإجرامية و دعم بوش والإدارة الأميركية لتلك السياسة التي ستقود المنطقة كلها الى حرب قد تمس أمن اوروبا وكذلك مصالحها في المنطقة. لم يعد يحتمل, كما أن العين لم تعد تستطع رؤية الجنود الإسرائيليين وهم يمارسون أبشع أنواع الارهاب الاستعماري ولا أحد يقول لهم توقفوا أو كفاكم تقتيلا وتنكيلا.
الاوروبيون يعرفون ان انعكاسات الصراع في فلسطين كانت دائما تجد لها ميادين مفتوحة في اوروبا, بسبب القرب الجغرافي والعلاقات والمصالح المشتركة.
قد تكون آنا ليند البادئة في وضع النقاط على الحروف لأنها سئمت عجز الرجال عن رفع ايديهم وتوجيه إصبع الاتهام للقاتل وقول كلمة حق في حق العدالة الإنسانية المنتقصة مادامت حكومة إسرائيل تمارس الاغتيالات والفظائع في المناطق الفلسطينية المحتلة.
كما أنها أحست بالعار والخيبة من تصريحات بوش ومن خلفه مسؤولي أدارته الذين أظهروا عدم كفاءتهم في التعامل مع مشاكل العالم وخاصة مع القضية الفلسطينية التي تعتبر أهم قضية دولية لازالت بلا حل بعد التغييرات العظيمة التي عصفت بالعالم أجمع.
الوزيرة السويدية بكلامها الصريح والجريء والقوي عن عجز بوش وحماقته انما تقول للعالم أن هذا الرجل وهذه الإدارة بهذه السياسة الحمقاء سوف تزيد الأمور تعقيدا وصعوبة في منطقة الشرق الأوسط وقد تجر الأطراف كلها الى حروب جديدة, المنطقة والعالم بغنى عنها.
قد تكون كلمات الوزيرة السويدية بداية الفرز بين موقف اوروبا الحرة واوروبا التابعة لأميركا والملتزمة موقف اسرائيل, كما يعبر عنه رئيس الوزراء الايطالي الحالي بيرليسكوني المعروف بثرائه غير المشروع وعلاقاته مع المؤسسات المشبوهة ومافيات كرة القدم والاحتيال والفساد في ايطاليا واوروبا والعالم.
وهناك كثيرا من الشبه ما بين بيرليسكوني وبوش فكلاهما أحمق في السياسة ومتهور في اتخاذ المواقف واطلاق التصريحات.
كلنا يذكر كلمات بوش بعد عمليات 11 ايلول في امريكا عندما قال "أنها حرب صليبية جديدة" ومن ثم تسمية حربه على افغانستان والقاعدة "بالعدالة المطلقة" وكأنه يريد بهذا الكلام أن يقول للعالم أننا في اميركا وحدنا من يعرف الناس ويقسمهم الى ارهابي وغير ارهابي ومسالم وغير مسالم, تابع وغير تابع, متحضر ومتخلف, وجدير بالحياة وغير جدير بها.
هذا منطق بوش الغير منطقي ويشاركه فيه السيد بيرليسكوني الذي قال بعد 11 ايلول انه "صراع الحضارات والإسلام ديانة غير حضارية".
هذان الرئيسان الغربيان لم يعجبهما بيان وزراء خارجية اوروبا بالرغم من كل تحفظاتنا عليه, لأنه لم يوجه أي ادانة للإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة, بل طالب الرئيس الفلسطيني بحل حركتي حماس والجهاد وتعزيز مكافحة الإرهاب والعمل على حفظ أمن اسرائيل.
ترى هل سترقى البلدان العربية الصامتة في موقفها لموقف اوروبا التي خرجت عن صمتها بعد سبات طويل؟
الجواب برسم صانعي القرار والسياسة في بلادنا وكذلك برسم الاجتماعات العربية في بيروت والقمة العربية القادمة في الشهر آذار/ مارس المقبل.
ليس بوسعنا سوى أن نحيي الموقف الإنساني والسياسي النبيل الذي وقفته السيدة آنا ليند وكذلك وزير خارجية بلجيكا الذي تكلم بلسان فصيح وبلغة واضحة عبرت عن رفضها لما يقوم به شارون وجيشه من أعمال اغتيالات ودمار ومخالفات لكل مواثيق حقوق الإنسان وندد بالموقف الأميركي من عرفات وأعمال اسرائيل.
الوزير البلجيكي كان في العام الفائت، وأثناء زيارة قام بها لمخيم خان يونس الذي دمرته دبابات وجرافات شارون, قد وصف ما رآه بالمأساة التي تذكره بما فعله النازيون باليهود في اوروبا, يعني شبه أعمال الاحتلال الإسرائيلي بأفعال الاحتلال النازي.
تحية للوزيرين اللذين قالا ما عجزت عن قوله العرب لأنهما أصبحا مثالا على قول الحقيقة في زمن النفاق وتزوير الحقائق.