روسيا تحارب التدخين

موسكو

اقر في روسيا اخيرا قانون "حول الحد من التدخين". وهو بالمناسبة قانون شهد عذابات كثيرة. فقد بدأ البرلمانيون بالعمل عليه منذ العام 1999 ووقع عليه الرئيس بوتين منذ نصف سنة ودخل حيز التنفيذ فقط في 15 كانون الثاني/يناير من العام الحالي. ويعلن القانون المناطق الحرة من دخان التبغ بانها جميع وسائل النقل الجماهيرية والمنشآت الرياضية المغلقة ومؤسسات التعليم والصحة والثقافة والمباني العائدة لمؤسسات السلطة في الدولة. ويسمح بالتدخين حصريا في الاماكن المخصصة لذلك والمجهزة بمعدات التهوية ووسائل الاطفاء. وفي الواقع الروسي ستكون تلك الاماكن على ابعد تعديل مساحات السلالم الواقعة بين الطوابق المنزلية وتلك المنصات الباردة الموجودة في قطارات السكك الحديد. وكان لا يسمح بالتدخين في الطائرات خلال الرحلات التي لا يتعدى زمنها 3 ساعات في زمن الاتحاد السوفياتي ايضا.
كما ويمنع بيع السجائر في المقاهي والبارات والمخازن الموجودة على ارض المستشفيات والمباني الرياضية ويمنع بيعها بالمطلق لمن هم دون سن الـ 18.
ولم تستقبل القوانين والتعليمات الجديدة، بالطبع، "بالهتافات" من قبل سكان البلاد الذين يستهلك ثلثهم في السنة الواحدة حوالي 700 مليار سيجارة (3 مليارات و500 مليون علبة سجائر) وهو امر كان يقدم ايرادات بحجم 11 مليونا و700 الف دولار اميركي تقريبا في السنة.
الا ان التدخين ليس مالا فقط. فبحسب معطيات اللجنة البرلمانية للصحة والرياضة يموت سنويا في روسيا 300 الف شخص باسباب لها علاقة بالتدخين. ناهيك عن ان هذه الاسباب تتضمن ليس فقط الامراض الناتجة عن ابتلاع دخان السجائر وانما ايضا ذلك النوع من "الروليت الروسية" كالتدخين في الفراش في وضع متعتع من السكر.
ان هذا القانون كان يمكن بالطبع ان يكون اقسى. هذا اذا ما نظرنا الى تجربة بريطانيا والولايات المتحدة لسنوات طويلة وهما تعتبران الزعيمتين في حقل معاداة التدخين. الا ان لوبي التبغ - الوطني والاجنبي - لا يرغب بفقدان ارباحه. ولقد اشترى الاجانب ولا سيما من الولايات المتحدة العديد من مصانع السجائر في روسيا بالاضافة الى الماركات المشهورة منها. ولذلك فان معارضة القانون الجديد داخل البرلمان كانت مؤثرة الى حد كبير.
ولكي يتمكن واضعو القانون من "تمريره" داخل البرلمان اضطروا للقيام بالعديد من التنازلات. مثلا،تم من القانون انتزاع المعايير التي تحدد الاعلان عن المنتجات التبغية في وسائل الاعلام. اما السقف الاعلى لكمية القار المفترض ان تحتويها السجائر اقل من 14 ملغ للسجائر مع فيلتر و16 ملغ للسجائر دون فيلتر وكذلك النيكوتين /بالمطابقة نفسها : اقل من 12.1 ملغ و3.1 ملغ فقد اضطر القيمون الى رفعه فوق المستوى الذي لحظه مشروع القانون. وكذلك الكتابة التي تتحدث عن مضار التدخين يمكنها ان تشغل فقط مساحة 4 بالمائة من مساحة علبة السجائر الاجمالية بالرغم من اعتقاد رئيس اللجنة نيقولاي غيراسيمينكو بان الرسوم والكتابات المحذرة من مضار التدخين لا يجب حتى ان تعتمد النماذج الاوروبية (لا اقل من 30 بالمائة من مساحة العلبة) وانما يجب نشرها على كامل مساحة العلبة.
ان المعادين للتدخين لا يرغبون بالتوقف عند الحد الذي تم التوصل اليه فقط. فهم يخططون بشكل خاص للتوصل الى ادخال تعديلات معادية للتدخين في القانون حول الخروقات الادارية. ففي هذا القانون لا وجود حاليا وعمليا لتدابير العقاب عن التدخين في الاماكن العامة. فالمدخن الروسي في المترو على سبيل المثال تنتظره في اسوأ الاحوال غرامة قليلة عقابا على شغبه او خرقه لنظام السلامة من الحرائق.
ان القانون المقر ليس هو القانون الوحيد او الاول في العصر الحديث الذي اقرته في البداية سلطات الاتحاد السوفياتي والآن روسيا في مجال مكافحة السكر وتعاطي الكحول والتدخين. الا ان تلك القوانين كانت تعمل في البداية من وجهة نظر انخفاض الانتاج. غير ان الكثيرين ممن كان يفترض بهم مراقبة تنفيذ تلك القوانين كانوا ايضا غير منزهين بالكامل. ولذلك فان هذه القوانين والقرارات والمذكرات بدأت تنحسر تدريجيا نحو العدم. ان قرارات المنع يمكنها ان تحد من المشكلة ولكن لا يمكنها التخلص منها طالما المجتمع نفسه او على اقل تعديل جزء كبير منه لا يعي ضرر هذه العادة او تلك.