اقتصاد تونس ينجح في تجاوز احداث سبتمبر

لندن - من عبد الكريم حمودي
السياحة توفر حوالي ربع ايرادات تونس من العملات الاجنبية

توضح مؤشرات اداء الاقتصاد التونسي انه استطاع تجاوز احداث سبتمبر والركود العالمي المصاحب لها، واستمر في تحقيق نسبة نمو مرتفعة نسبيا رغم تضرر قطاع السياحة به من الانخفاض العام في حركة السائحين لمنطقة الشرق الاوسط. ويأتي هذا في وقت تعاني فيه الدول العربية الاخرى التي تشكل السياحة مصدرا هاما من مصادر العملات الاجنبية بها، مثل مصر والاردن، من صعوبات اقتصادية شديدة.

زيادة النمو في الناتج المحلي الاجمالي كانت تقديرات الحكومة التونسية تقول بأن الناتج المحلي الإجمالي سيسجل عام 2001 نمواً مرتفعاً يبلغ نحو 6.8 في المائة وذلك قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لكن هذه التوقعات قد تم تخفيضها بداية إلى 6.2 في المائة ثم إلى 5.2 في المائة، وهو ما أكده رئيس الوزراء التونسي بقوله إن بلاده ستحقق نمواً في الناتج المحلى عام 2001 يبلغ 5.2 في المائة مرتفعاً بمقدار طفيف عن النمو الذي تحقق خلال العام الأسبق.
وكان تقرير للبنك المركزي التونسي قد ذكر أن تونس حققت خلال العام 2000 نمواً اقتصادياً بلغت نسبته 4.7 في المائة رغم الظروف غير الملائمة الناجمة عن عوامل مناخية صعبة، وارتفاع كبير في سعر صرف الدولار وأسعار المنتجات النفطية، في حين لم تتجاوز نسبة التضخم 2.9 في المائة وفي عجز الموازنة الذي بلغ نسبة 2.4 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي.
ولا شك ان استمرار معدل نمو يزيد عن 5% هو انجاز اقتصادي في ظل الاوضاع الاقتصادية العالمية التي تشهد ركودا عاما. وقد أكد خبراء تونسيون أن معدل النمو المسجل خلال الخطة الخمسية التاسعة التي انتهت مع نهاية عام 2001 يزيد عن 5 في المائة، وبحسب معهد الاقتصاد الكمي التونسي فإن معدل نسبة النمو السنوي للناتج المحلي خلال الخطط السابقة كان على النحو التالي: (1961 - 1970 نحو خمسة في المائة)، و(1971 - 1981 نحو 6.4 في المائة) و(1982 - 1986 نحو أربعة في المائة) و(1987 - 1991 نحو 4.2 في المائة) و(1992 - 1996 نحو 3.5 في المائة).

خسائر السياحة أضرت الأزمة الاقتصادية الدولية الناشئة عن أحداث 11 أيلول/سبتمبر الماضي بشكل مباشر بقطاعين اقتصاديين حيويين في تونس هما قطاع السياحة، الذي يجلب نحو ربع دخل تونس من العملة الصعبة، وقطاع الطيران، الذي تعرض لمصاعب عديدة.
وذكرت مصادر مطلعة أن شركات الطيران في تونس تعاني من صعوبات كبيرة، رغم أن الحكومة منحت ضماناً إضافياً لشركتي الخطوط التونسية والخطوط الدولية "توننتار"، من أجل تغطية الأضرار، التي تفوق الحد الأقصى المؤمن، والمحدد ضمن عقود تأمين الأسطول الجوي بخمسين مليون دولار.
ويذكر أن المسؤولية المدنية المترتبة عن المخاطر الحربية والمخاطر الشبيهة كانت لا تمثل إلا جزءاً ضئيلاً جدا من عقد التأمين، إلى حين وقوع أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والتي جعلت شركات التأمين العالمية تراجع حساباتها، وتطلب تأمينا يرتفع إلى خمس مرات ونصف المرة ما كان عليه عقد التأمين قبل ذلك التاريخ، وهو ما كان سيجبر شركتي الطيران المذكورتين على تعطيل نشاط طائراتها، لو لم تمنح الدولة لها تلك الضمانات.
ويعتبر قطاع السياحة من القطاعات الأساسية في الاقتصاد التونسي وروافده بالعملات الأجنبية حيث يساهم هذا القطاع الحيوي بنحو 23 في المائة من مداخيل العملة الصعبة إلى الخزينة التونسية والتي تشكل حوالي خمس قيمة صادرات المواد والخدمات، كما تساهم في تغطية عجز الميزان في حدود 60 في المائة.
وتكمن أهمية قطاع السياحة أيضاً في توفير فرص العمل وتقليص حدة البطالة حيث أن القطاع السياحي يشغل حوالي 75 ألف شخصاً بصفة مباشرة و200 ألف بصورة غير مباشرة، فيما بلغت عائدات السياحة عام 2000 نحو 1.4 مليار دولار، حيث زار تونس أكثر من 5 ملايين سائح.
وقد أثرت هذه التحولات العالمية والصعوبات التي تعانيها الخطوط التونسية بشكل ملحوظ على السياحة، وهو ما يجعل المراقبين يتنبئون بانخفاض نمو نشاط الخطوط التونسية إلى ثلاثة في المائة، بعد أن كان متوقعاً بلوغ هذا النمو 8 في المائة للعام الماضي، إلا أن الظروف العالمية عطلت هذه الآمال. وتقدر بعض الأوساط معدل التراجع الحاصل في قطاع السياحة بنحو 30 في المائة.

حالة الميزان التجاري ارتفع العجز في الميزان التجاري بشكل بسيط عام 2001 عجزاً ، فقد أعلن مكتب الإحصاءات الوطني في 15 كانون الثاني/يناير أن عجز التجارة الخارجية للبلاد ارتفع بمقدار 430 مليون دينار (297.5 مليون دولار) مقارنة بالعام الأسبق، حيث بلغت قيمة العجز مع نهاية العام الماضي 2001 نحو 4.16 مليار دينار (2.878 مليار دولار) بالمقارنة مع 3.73 مليار دينار (2.581 مليار دولار) في العام 2000.
وبلغت قيمة الواردات 13.658 مليار دينار(9.451 مليار دولار) ارتفاعاً من 11.738 مليار دينار (9.507 مليار دولار) في نهاية عام 2000، فيما زادت الصادرات إلى 9.503 مليار دينار (6.576 مليار دولار) في نهاية عام 2001 من 8.004 مليار دينار (5.539 مليار دولار) عام 2000. (الدولار = 1.445 دينار).
وبالنسبة للمديونية فقد أظهرت البيانات الرسمية أن قيمة مدفوعات الدين الخارجي المستحقة على تونس خلال العام الجاري سترتفع بنسبة ثمانية في المائة، وبقيمة 2.240 مليار دينار (1.678 مليار دولار). ومن المنتظر أن تبلغ نسبة خدمة أعباء الدين 9.16 في المائة في عام 2002 مقارنة مع نسبة 8.16 في المائة في عام.
ويقدر حجم الديون الخارجية لعام 2002 بنحو 15.920 مليار دينار (11.040 مليار دولار) أو ما يعادل 51.1 في المائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وذلك من 15.010 مليار دينار (10.389 مليار دولار) في عام 2001 مقارنة مع 13.852 مليار دينار (9.586 مليار دولار) في عام 2000.
وتقول مصادر تونسية إن فاتورة الدين ما انفكت تتزايد برغم الأموال الهائلة التي تسددها سنوياً الحكومة مقابل خدمة هذا الدين.
وأضافت هذه المصادر أنه على سبيل المثال فقد ارتفع حجم الدين الخارجي التونسي من 5.9 مليار دولار سنة 1986 إلى 9.3 مليار دولار سنة 1994، أي بزيادة بنسبة 57.6 في المائة.. في الأثناء (1986-1994) دفعت تونس تحت عنوان خدمة الدين (تسديد الأصل والفائدة) 11.06 مليار دولار منها 3.91 مليار دولار في شكل فوائد الدين.

الجفاف
تتعرض تونس منذ أكثر من ثلاث سنوات للجفاف، وهو ما انعكس سلباً على المحاصيل الزراعية وخاصة الحبوب، بالإضافة إلى منتجات الزيوت والحمضيات، وقد دفع نقص إنتاج الحبوب إلى زيادة الكميات المستوردة من هذه المادة الضرورية.
وأظهرت بيانات حكومية جديدة أن قيمة واردات تونس من الحبوب ارتفعت بنسبة 29 في المائة إلى 474.6 مليون دينار (326.19 مليون دولار) في عام 2001 مقارنة بالعام السابق.
وبلغ إنتاج تونس من الحبوب 1.3 مليون طن في عام 2001، و1.1 مليون طن في الموسم السابق. وتتوقع الحكومة أن يبلغ إنتاج الحبوب 1.6 مليون طن في 2002 لكنها لم تورد توقعات لحجم الواردات هذا العام.
وفي ظل هذا الواقع ومن أجل التخفيف على المزارعين قررت الحكومة في موازنة العام الجاري إعفاء نحو 113 ألف مزارع من تسديد ديونهم التي يقل حجم الواحد منها على 1400 دولار للمصارف التجارية السنة المقبلة، والتي تراكمت بسبب آثار الجفاف.
وأوضح وزير المال توفيق بكار أن الحجم الإجمالي للديون المترتبة على المزارعين لا يتجاوز 138 مليون دينار (نحو 100 مليون دولار) لكنه ذكر أن 6730 مزارعاً فقط من أصل 52 ألف تراوح ديونهم بين 1400 دولار و28 ألف دولار، ستعيد المصارف جدولتها.
وقالت مصادر اقتصادية مطلعة إن الحكومة ستخصص استثمارات بقيمة مليار دينار (692 مليون دولار) لصالح القطاع الزراعي، لتنفيذ مشروعات الري وغيرها من المشروعات الزراعية خلال العام الجاري 2002.

البطالة وتوفير فرص العمل تتراوح معدلات البطالة حسب البيانات الرسمية ما بين 15 –16 في المائة من طاقة العمل المتاحة، وهذا الرقم ليس كبيراً قياساً بمعدلات البطالة الموجودة في دول عربية أخرى خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة النمو السكاني المنخفض حيث لا تتجاوز نسبة النمو سنوياً 1.1 في المائة، وبالتالي انخفاض عدد الداخلين إلى سوق العمل ، والذين يتراوح عددهم في الوقت الحاضر ما بين 70 - 72 ألف عامل سنوياً من عدد السكان البالغ 10 مليون نسمة.
وإدراكاً من الحكومة بضرورة التصدي للمشكلة فقد قدر رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي الاعتمادات المخصصة لإيجاد فرص عمل جديدة سنة 2002 بـ250 مليون دينار (نحو 180 مليون دولار). وتوقع في كلمة ألقاها في 4 كانون الثاني/يناير الجاري في مجلس النواب في ختام المناقشات في شأن موازنة السنة الجارية، أن تساعد الاعتمادات، التي ستوزع على صناديق متخصصة بالإضافة إلى بنك التضامن الوطني (قطاع عام)، في إيجاد 226 ألف فرصة عمل. وقال إن الدوائر الرسمية ستؤمن 10 آلاف فرصة عمل لخريجي الجامعات.

الخطة العاشرة للتنمية مع مطلع العام الجاري بدأت الحكومة بتنفيذ الخطة الخمسية العاشرة للتنمية من عام 2002 - 2006 حيث تسعى لتحقيق نمو في إجمالي الناتج المحلي يبلغ مقداره 5.7 في المائة خلال مقارنة بنحو خمسة في المائة خلال الخطة الخمسية التاسعة التي انتهت مع نهاية العام الماضي، وقد تم تعديل نسبة النمو التي كانت متوقعة في حدود 6.2 في المائة إلى 5.7 في المائة بسبب تباطؤ نسب النمو في الاقتصاد العالمي، والتزامات تونس مع الاتحاد الأوروبي، التي تزيد قيمة مبادلاتها تونس معه عن 80 بالمائة من إجمالي مبادلاتها.
بكلمة أخيرة إن التداعيات الاقتصادية الدولية تركت آثاراً سلبية كبيرة على الاقتصاد التونسي خلال العام الماضي 2001 لكن الوضع العام ما زال جيدا، وتبدو صورة الاقتصاد التونسي افضل كثيرا من الاقتصاديات العربية في منطقة شمال افريقيا مثل الجزائر والمغرب ومصر. (ق.ب)