طريق الحرير القديمة تتحول الى طريق النفط الجديدة

كورلا (الصين)
مستقبل نفطي، ولكن ليس للجميع

بجانب عشرات مدن وقرى الواحات التي جاءت منها قوافل الجمال على طرق الحرير القديمة في الماضي عبر الغرب الصيني البعيد، تقع مدينة كورلا التي تبدو من عصر وبلد مختلفين.
وتعتبر المدينة النموذجية الهادئة المتسعة حتى الآن نوعا آخر من الواحات الصينية: إنها جيب من فيض التكنولوجيا العالية الحديثة في واحدة من أفقر مناطق الصين وهي شين جيانج.
وترحب كورلا - التي تشيد بها الحكومة المركزية لنظافة بيئتها - بالعمال المهاجرين وأسرهم الذين جذبتهم حقول البترول والغاز القريبة بحوض "تاريم".
وتحيط المباني منخفضة الارتفاع للمتاجر والمطاعم والشقق السكنية بالشوارع المتسعة الهادئة المزينة بالأشجار المتراصة الخضراء. ولا يعكر صفو سماءها وجوها سوى الأتربة القادمة من صحراء تكلاماكان.
ويقول مارتي شوارتز وهو مسئول بصناعة البترول الكندية أمضى ستة أسابيع في المنطقة في العام الماضي "إنها كما لو كانت تكساس في غرب الصين".
وأضاف شوارتز أن مهندسي البترول الذين يعملون في حقول "تاريم" يكسبون ما يتراوح بين 800 يوان وألف يوان شهريا(120 دولارا)، وهو مبلغ زهيد بالمقاييس الدولية لكنه يزيد على دخل العديد من مزارعي شين جيانج بواقع عشرة أضعاف.
وتساعد بضع عشرات من الحانات ومراكز الترفيه بالشراب والغناء "الكاريوكي" وصالونات التدليك في إنفاق رجال البترول بعض من نقودهم التي يكسبونها بشق الأنفس في كورلا قبل عودتهم إلي مسقط رأسهم في شرق الصين.
وتملأ لوحة إعلانات ضخمة في أحد مفارق الطرق الرئيسية تعرض صور زعماء ثلاثة أجيال من أباطرة الحزب الشيوعي الصيني: وجوه ماو تسي تونج ودنج شياوبنج وجيانج تسي مين تغطي السماء فوق مجموعات من المغنيين والراقصين الضاحكين في نسخ مسرح للأزياء التقليدية التي يرتديها مواطنو شين جيانج من يوغور وقزق وقيرغيز وطاجيك وأوزبك وتبت ومغول وغيرهم من القوميات أو الجماعات العرقية الأخرى.
والمقصود بهذه الصورة أن تعكس الرخاء والتناغم العرقي، لكن في كورلا المزدهرة بالرخاء عليك أن تدقق النظر لاكتشاف الثلاثين في المائة من المواطنين من غير قومية الهان الصينية.
وتعتبر الطرق غير الممهدة حول سوق "تشياوتو" واثنين من المساجد الحديثة المبنية من الطوب بمثابة بعض من بضع علامات علي أن كورلا كانت قبل خمسين عاما فقط مدينة يوغورية صغيرة.
وتعرض حوامل عرض أقمشة ومنسوجات البيع الحي والأشرطة المستعملة. كما يجد بضعة متسولين - طردهم حراس الأمن العديدين من معظم المدينة - موطنا لهم هنا. ويبيع المزارعون اليوغور لحم الضأن والخبز الرقيق والبطيخ والعنب والخضر من عربات اليد أو التي تجرها الحمير. وهم يعتمدون علي يوغور آخرين لزيادة دخلهم طالما أن معظم المتسوقين الصينيين يفضلون أسواق كورلا الحديثة المغلقة وسلسلة المتاجر متعددة الأفرع.
ويمثل ثمانية ملايين معظمهم من اليوغور المسلمين 44 في المائة من سكان شين جيانج البالغ عددهم 18 مليون نسمة. لكن استمرار الهجرة قد أدى إلى زيادة عدد السكان الهان إلى ما يقرب من ستة ملايين.
وقد جعلت الحكومة عملية تطوير شين جيانج وغيرها من المناطق الغربية جزءا هاما من استراتيجيتها السياسية والاقتصادية في السنوات العشر القادمة. وتأمل في أن تجتذب خطتها الليبرالية اقتصاديا التي تحمل اسم "اتجه إلى الغرب" استثمارات جديدة كافية لتحسين مستوى حياة كلا من الهان المهاجرين والأقليات الأصلية.
ومن المرجح أن تظل الاحتياطيات الهائلة من البترول والغاز في حوض "تاريم" أفضل آمال المنطقة في تحقيق الرخاء. وينتج حقل البترول بالفعل أكثر من أربعة ملايين طن من البترول الخام سنويا وأنتج أكثر من 25 مليون طن في السنوات العشر منذ بدء الاستغلال التجاري له، طبقا لما تورده وسائل الإعلام.
وقد تضخمت كورلا حاليا إلى مدينة يقطنها 382 ألف نسمة، أي أكثر من ضعف عدد سكانها في عام 1990. وافتتح خط سكك حديدية قبل سنتين فقط يربطها بمدينة قشغر في أقصي الغرب، ومن المقرر مد الخط إلى قيرغيزستان واوزبكستان ليدعم أهمية كورلا بصفتها مركز ثقل لبترول وقطن وسلع شين جيانج الأخرى.
ومن المقرر إتمام خط أنابيب غاز بطول أربعة آلاف كيلومتر من تاريم إلى شنغهاي بحلول عام 2005 لاستغلال ما يقدر بنحو 8.39 تريليون متر مكعب من احتياطي الغاز.
وحتى الآن فإن 80 في المائة من العمال في حقل بترول تاريم هم من الصينيين الهان. وتؤدي الأقليات المحلية أساسا الأعمال الوضيعة، حسبما يقول فانج سويليانج مهندس البترول بمؤسسة البترول الوطنية الصينية العملاقة المملوكة للدولة.
ويقيم فانج في كورلا، مثل معظم المهندسين العاملين في حقل بترول تاريم، ويتوجه إلى الحفارات كلما احتاجه الأمر. وهو يرفض القول بأن المهاجرين مثله يتمتعون بكافة مزايا تطوير شين جيانج.
ويقول فانج "إننا نوفر لهم(اليوغور) الوظائف بصورة غير مباشرة" أساسا عن طريق الصناعات الخدمية. وتمول مؤسسة البترول الوطنية الصينية كلية صغيرة لتعليم شباب اليوغور لكي يحلوا محل العمال المتقاعدين.
ويقول فانج أن خبراء التنقيب عن البترول حددوا أيضا آبارا جديدة عديدة تحت صحراء تكلاماكان يمكن أن توفر دعما تحتاجه بصورة ماسة الزراعة المحلية.
لكن البروفسير درو سلادني الأستاذ بجامعة هاواي يزعم أن لديها كافة خصائص المستعمرة -- مع انقسامات عرقية عميقة وصينيين يتمتعون بالمنافع الاساسية الناتجة عن تنمية وتطوير الموارد الطبيعية للمنطقة.
ويقول سلادني المتخصص في دراسة المسلمين الصينيين والذي زار شين جيانج عدة مرات "إن اليوغور وغيرهم من السكان الأصليين مثل التبت، الذين يوصفون حاليا بأنهم قوميات أقلية، قد تحولوا إلى رعايا خاضعين لاستعمار داخلي".
وسواء كانت الصين تقوم باستعمار مناطق أقلياتها أم أنها، حسبما تقول، تحاول مجرد إيجاد أفضل الطرق للرخاء العام، فإن المناطق الداخلية لا تزال تجتذب نحو عشرة في المائة فقط من إجمالي الاستثمارات الصينية.
ويعترف زعماء الحزب الشيوعي في شين جيانج في أكثر لحظات الأمانة مع النفس بأن تطوير المنطقة الشاسعة بكامل صحاريها وجبالها وغاباتها يستلزم عقودا عديدة إن لم يكن قرونا.
وحتى ذلك الوقت ستظل كورلا منارة لمستقبل شين جيانج المحتمل وتترك اليوغور وغيرهم من الأقليات يتساءلون: سيكون مستقبل من؟