افغانستان، ماذا بعد؟

بقلم: فاسيلي سفرنتشوك

يمكن اعتبار الطور العسكري من العملية المناهضة للإرهاب في أفغانستان الآن منتهياً. فقوى التحالف المعادي للطالبان، الذي تشكل القوات المسلحة الأميركية عماده الرئيسي، تمكنت في خلال مهلة وجيزة نسبيا من كسر مقاومة الطالبان والقاعدة، ودفعتهما إلى الفرار إلى أماكن لا يمكن الوصول إليها، ودمرت بنيتهما التحتية.
ويمكن للمرء أن يفترض أن معظم مقاتلي الطالبان والقاعدة العاديين قد أخفوا أسلحتهم وذابوا في السكان المحليين في منطقة القبائل. بيد أن الهدف الأساسي من العملية، ألا وهو القبض على زعيم الطالبان الملاّ عمر وزعيم القاعدة أسامة بن لادن، لم يتم إحرازه. وأكبر الظن أنهما غادرا أفغانستان.
والآن تبرز مهام إعادة اعمار الاقتصاد الأفغاني المدمر كليا تقريبا نتيجة الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 25 عاماً. إلا أن هذا يتطلب سلاما واستقراراً سياسيا في أفغانستان، وهي مهمة غير سهلة نظرا للبانوراما العرقية والطائفية المعقدة فيها. فهناك ما يزيد على 60 قومية وجماعة عرقية، حيث تشكل قبائل البشتون أكثر من نصف سكان البلاد. ويعيش هناك أيضا الطاجيك، ثاني أكبر مجموعة عرقية إذ تشكل عدديا ربع السكان، وهناك أيضا الخزريون (10 بالمائة) والأوزبك (6 بالمائة) والتركمان وغيرهم من الجماعات العرقية. وكل الأفغان مسلمون، منهم نسبة 85 بالمائة سنة، و15 بالمائة شيعة. والسنة والشيعة هم أيضا من اتجاهات وتيارات شتى.
ويتكلم أكثر من نصف السكان لغة البشتون، و35 بالمائة منهم لغة الداري، و11 بالمائة بشتى لهجات اللغة التركية و4 بالمائة بلغات أخرى. ومنذ أن تكونت الدولة الأفغانية في القرن الثامن عشر كانت وحدة البلد تستند إلى اتحاد قبائل البشتون التي راح زعمائها وأمراؤها يحكمون أفغانستان من كابول. ولم يتحقق سوى استثنائين من هذه القاعدة: فقد حكم طاجيكي هو باتشاو ساكاو في العام 1929، وطاجيكي آخر هو برهان الدين رباني بين العامين 1992 و2001. غير أن رباني لم يكن إلا رئيسا اسمياً للدولة، فسلطته لم تكن لتصل إلى أبعد من مناطق أفغانستان الشمالية.
وعندما كان الحزب الديموقراطي الشعبي الأفغاني في السلطة في كابول الاعوام 1978 - 1992 كان البشتوني طرقي رئيساً. ثم خلفه البشتوني حفيظ الله أمين وحل محل الأخير زعيم آخر نصف بشتوني وهو بابراك كرمال، ثم جاء بعده البشتوني نجيب الله.
لكن حتى الحزب الديموقراطي الشعبي الأفغاني الذي بنى سياساته على الأيديولوجية الماركسية لم يتمكن من إزالة الخلافات العرقية والقبلية. فانقسم لاحقا على أساس عرقي إلى جناحين اثنين: "خلق" (بشتوني) و"برتشام" (من الطاجيك والأوزبك والخزريين في الغالب). وهذا الانشقاق بات أحد الأسباب التي جعلت الحزب الديموقراطي الشعبي الأفغاني غير قادر على الإمساك بالسلطة. فاستغل الطالبان الفرصة المواتية ليبسطوا بسهولة نسبية سلطتهم على أفغانستان لأنهم كانوا في معظمهم من البشتون السنّة. ولولا التدخل العسكري الأميركي لبقوا ربما في السلطة فترة قد تطول كثيرا.
تشكيل الحكومة الائتلافية المؤقتة في أفغانستان بوساطة الأمم المتحدة كان هي الآخر محاولة للتغلب على الانشقاق في المجتمع الأفغاني. فعين ممثل واحدة من القبائل الأفغانية النافذة هو حميد كرزاي على رأس الحكومة. وأوكل إلى ملك أفغانستان السابق البوشتوني زاهر شاه جمع شمل البرلمان الأفغاني. وهكذا أعطي الدور الريادي إلى البشتونيين. ومع ذلك سلمت المناصب الرئيسية في الحكومة إلى ممثلي تحالف الشمال الطاجيك والأوزبك والخزريين. والوقت وحده سيبين مدى نجاح هذه المحاولة. ولكن الحساسيات بين المجموعات الممثلة في الحكومة بدأت تبرز منذ الآن.
إن التغلب على الانقسام العرقي ونجاح التغيير الديموقراطي في أفغانستان يتوقفان كثيرا على عملية إعادة بناء الاقتصاد الأفغاني. وترى حكومة كرزاي أن هذا سيتطلب في خلال السنوات العشر القادمة مبلغ 45 مليار دولار. وتقديرات الأمم المتحدة الأكثر تواضعا تتحدث عن مبلغ 15 مليار دولار لأجل هذه الأغراض. وقد التزمت البلدان والمنظمات المانحة في المؤتمر الدولي الذي عقدته في طوكيو في 20-21 كانون الثاني الجاري تقديم ما يزيد على أربعة مليارات دولار إلى أفغانستان في خلال السنتين القادمتين. والمهم الآن هو أن تستخدم هذه الأموال الاستخدام الأكثر عقلانية ورشداً. وما أعظم حاجة البلاد الآن إلى المساعدات الإنسانية. فثمة أكثر من مليون أفغاني يهددهم الجوع والعطش لأن هناك نقصا في الغذاء وماء الشرب. والنقص شديد أيضا في الأدوية وفي المساكن التي تحتاجها الملايين من الاسر.
غير ان إعادة إعمار البنية التحتية تحتاج أيضا إلى أموال طائلة. فبدون إعادة إنشاء البنية التحتية، وبدون إحياء المؤسسات الصناعية لا يمكن تأمين العمالة للرجال الأفغانيين القادرين على العمل. وبدون هذا كله لا يمكن نزع سلاح الفصائل التابعة للمجموعات العرقية المختلفة. ففي أفغانستان حسب التقديرات أكثر من 700 ألف مسلح.
وسيتوقف النجاح في إعادة إعمار أفغانستان أيضا على مدى انخراط البلدان المجاورة لأفغانستان كروسيا والهند والصين في تنفيذ هذه المهمة. فهي وحدها تملك تجربة التعاون الاقتصادي المثمر مع أفغانستان. ومما يؤسف له أن تكون هذه البلدان وجدت نفسها وكأنها على الهامش في مسألة بعث أفغانستان. فنحن الروس يذكروننا باستمرار بأن قواتنا كانت في أفغانستان الاعوام 1979 - 1989، بيد أنهم ينسون أن عشرات المصانع الضخمة وبضع محطات كهربائية مائية وحرارية وشبكات ري أنشئت في أفغانستان بمساعدة الاتحاد السوفييتي الاعوام 1960 - 1989. وبمساعدة الاتحاد السوفييتي الاقتصادية التقنية بدئ استغلال حقول غاز في شمال البلاد والتنقيب عن النفط ومدت بضعة طرق من بينها ذلك الذي يصل شمال البلاد بجنوبها بواسطة نفق عبر ممر سالانغ.
وفيما الطائرات الأميركية تواصل تدميرها للبنية التحتية الأفغانية باشرت روسيا إعادة إعمارها وتأهيلها. فأعيد على أيدي الاختصاصيين الروس والفرنسيين تأهيل النفق عبر سالانج، وهو ما مكن من استئناف حركة مرور السيارات بين الشمال والجنوب.
وفي كابول أنشأ الأطباء الروس مركزا إنسانيا يضم مستشفى يسع بضع مئات من الأسرّة إلى ما هنالك. وقد أعرب رئيس الحكومة كرزاي لدى التقائه في مؤتمر طوكيو ممثل روسيا عن تمنيه أن تركز روسيا جهودها على اتجاهات تقديم معونة كمثل تزويد أفغانستان بالطاقة الكهربائية وبناء المنشآت المائية المخصصة للري ونزع الألغام.
وتعتزم روسيا أيضا مساعدة الأفغان على تأهيل المنشآت التي كانت بنيت بمساعدة الاتحاد السوفييتي. وتدخل في هذه المنشآت كل مصانع البلاد الكبرى عمليا. فخلال سنوات التعاون بين أفغانستان والاتحاد السوفييتي تم إعداد عشرات آلاف الاختصاصيين من مهندسين وتقنيين وعمال مهرة وأطباء وغيرهم. ومعظمهم يعيش الآن في روسيا كلاجئين. فلو أنشئت في بلدهم ظروف مواتية لهم لعادوا إليها ولشاركوا في إعادة إعمارها.
إن روسيا جاهزة أيضا لتعاون دولي واسع النطاق في مسألة إعادة إعمار أفغانستان بعد الحرب، سواء مع البلدان المجاورة لها، أو مع الدول الأخرى. ويمكن التفكير في برامج واعدة كمثل مد طرق ترانزيت رئيسية مهمة من آسيا إلى أوروبا عبر أفغانستان. ولعل بين ما قد يثير اهتماما مشاريع مد أنابيب الغاز والنفط عبر أراضي هذا البلد. إلا أن هذه المشاريع لا يمكن تنفيذها إلا بمشاركة البلدان الأخرى المجاورة لأفغانستان. وهنا يمكن مثلا ان يستفاد من منظمة شانغهاي للتعاون التي تضم روسيا والصين وكازاخستان وتركمانستان وقرغيزيا. وربما كان ممكنا التفكير في إيجاد اتحاد أوسع تشارك فيه الهند وإيران وباكستان. وبديهي أن كل هذا ليس ممكنا إلا بعد وقف الحرب في أفغانستان وسحب القوات الأجنبية منها وإعادة أفغانستان دولة محايدة ديموقراطية غير منحازة. فاسيلي سفرنتشوك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسيـة وشـؤون مجـلس الأمن الاعوام 1987-1992، سفير الاتحاد السوفييتي في أفغانستان الاعوام 1979-1982